First Published: 2016-09-21

اميركا بين السيء والاسوأ

 

هل تغيّرت اميركا الى حدّ لم يعد من سلاح لدى هيلاري كلينتون، ذات الصورة المهتزّة، غير كره الاميركيين لمنافسها؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

هل تدهورت الحال السياسية في الولايات المتحدة الى حدّ صار الخيار بين السيئ والاسوأ؟ هذه هي حال القوة العظمى الوحيدة في العالم التي قرّرت التخلي عن مسؤولياتها خارج حدودها بعد انحصار المنافسة على الرئاسة بين هيلاري كلينتون المريضة ودونالد ترامب الذي ليس معروفا هل هو سياسي ام رجل اعمال ام مجرّد متطفل عرف كيف يستغل الفراغ الساسي والفكري الذي تعاني منه الولايات المتحدة.

في أي حال، لو كان أي مرشح للرئاسة الاميركية تعرّض لما تعرّضت له هيلاري كلينتون في الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر من هذا الشهر، لكان سقوطه في الانتخابات صار أكيدا. اهتزت صورة كلينتون التي شوهدت تدخل السيارة الخاصة بها بمساعدة حراسها بعدما انهارت كليا جراء التهاب رئوي يعرف بـ"نيمونيا".

ما زالت كلينتون، التي كانت في نيويورك لاحياء ذكرى العمل الإرهابي الذي تعرّضت له المدينة في العام 2001، متقدمة على المرشح الجمهوري دونالد ترامب، علما ان المشهد الذي رافق خروجها من الاحتفال بذكرى الحادي عشر من سبتمبر كفيل بتدمير صورة أي مرشّح رئاسي، خصوصا اذا كان سبق لهذا المرشح ان عانى من أزمات صحّية كثيرة في الماضي القريب.

ليس سرّا ان المرشحة الديموقراطية ذات تاريخ طويل مع المرض. سبق لها ان تعرّضت لجلطة في الرأس لا يبدو انّها تعافت منها كلّيا. هناك بعض الآثار التي تظهر على وجه كلينتون بين حين وآخر، خصوصا عندما تتكلم. تؤكد هذه الآثار ان هناك شيئا غير طبيعي فيها. على الرغم من ذلك كلّه لا زال مرجحا ان تكون هيلاري كلينتون الرئيس المقبل للولايات المتحدة. يمكن ان تصبح رئيسا للولايات المتحدة، لا لشيء سوى لانّها اقل سوءا وعنصرية ووقاحة وجهلا في ما يدور في العالم من ترامب.

ما سرّ بقاء كلينتون متقدّمة على ترامب؟ الجواب بكلّ بساطة ان السلاح الأقوى للمرشحة الديموقراطية هو شخص المرشّح الجمهوري نفسه. لم تستسلم لوضعها الصحّي الذي يبدو واضحا انّه يحول دون استمرارها في خوض الانتخابات الرئاسية التي تحتاج الى شخص يتمتع بصلابة في كلّ المجالات، بما في ذلك الحال الصحيّة.

هناك انعدام للثقة لدى المواطن الاميركي العادي بهيلاري كلينتون، لكنّ هذا المواطن يعرف على الاقلّ مع مَن يتعاطى في حال فوزها في الرئاسة. لن يغيب عن باله عهد زوجها الذي استمر ثماني سنوات والذي انتعش خلالها الاقتصاد، فيما هبط مستوى السلوك الأخلاقي في البيت الابيض. لن ينسى الاميركي خصوصا فضائح بيل كلينتون، وهي متنوعة الى حدّ كبير، لكنّه سيتذكّر ان الرجل كان ذكيّا وحاذقا وعرف كيف يتجنب التورط في الحروب الخارجية الّا انّه اتخذ قرارات كبيرة عندما استوجب الامر ذلك بدليل إنقاذه لمسلمي كوسوفو في المواجهة التي خاضوها مع الصرب.

يعرف المواطن الاميركي نقاط الضعف في هيلاري كلينتون ونقاط القوّة لديها ولدى زوجها طبعا. لا يمكن فصل شخصية هيلاري عن شخصية بيل كلينتون باي شكل، هي التي سامحته بعد انكشاف فضيحة مونيكا لوينسكي التي كانت تتدرّب على يد الرئيس الاميركي في البيت الأبيض. احترم الاميركيون هيلاري التي حافظت وقتذاك على رباطة جأشها وحمت العائلة بعد تلك الفضيحة المدويّة التي عصفت بعهد بيل كلينتون.

ما يعرفه الاميركيون أيضا ان هيلاري كلينتون لم تكن دائما في مستوى المسؤولية عندما تولت وزارة الخارجية في السنوات الأربع الاولى من عهد باراك أوباما. تتحمّل مسؤولية ما في مقتل السفير الاميركي في ليبيا كريس ستيفنز مع عدد من مرافقيه على يد متطرّفين في ما يعرف بحادث بنغازي في الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر من العام 2012. وقتذاك، هاجم مسلحون القنصلية الاميركية في بنغازي في اثناء زيارة للسفير واغتالوا السفير مع عدد من مساعديه. من الواضح ان وزارة الخارجية تتحمّل مسؤولية غياب الاجراءات الأمنية المطلوبة في وقت كانت ليبيا، خصوصا مدينة بنغازي، على فوهة بركان.

ارتكبت هيلاري كلينتون هفوات عدة في مرحلة ما بعد الجريمة. إضافة الى ذلك، أظهرت خفّة كبيرة في قضية بريدها الاكتروني واستخدامها لعنوانها الخاص في تبادل رسائل تحمل طابع السرّية المطلقة. صحيح ان مكتب التحقيق الفيديرالي (اف. بي. آي) الذي حقّق معها لاحقا لم يرفع قضية عليها، لكنّ الصحيح أيضا انّه ابقى الشكوك تحوم في شأن تصرفاتها كوزيرة للخارجية ومدى التزامها الاجراءات الأمنية المطلوبة من شخص كان يشغل احد اهمّ المواقع في الادارة.

لكن السؤال الذي سيظل الاميركيون يطرحونه على انفسهم في نهاية المطاف من أسوأ مِن مَن؟ يبقى دونالد ترامب بالنسبة الى معظم الاميركيين أسوأ من هيلاري كلينتون. هناك علامات استفهام كثيرة تدور حول طريقة جمعه لثروته ومدى معرفته بما يجري في العالم وعلاقاته المشبوهة بالصين وروسيا او أوكرانيا، على سبيل المثال وليس الحصر. ليس بعيدا اليوم الذي سيمكن فيه كشف الوضع الضريبي لدونالد ترامب وهل التزم حقّا واجباته الوطنية في مجال دفع الضرائب المتوجبة عليه؟

يستطيع ترامب ان يقول أي شيء عن أي شخص كان، بما في ذلك ان شهادة الولادة لباراك أوباما "مزورة" وان آل كلينتون "قتلة" وانّ والد احد الذين نافسوه كان الى جانب لي هارفي اوزوالد الذي اغتال الرئيس جون كينيدي في العام 1963.

لا يتورّع دونالد ترامب عن شيء. يعد الاميركيين بنمو اقتصادي بنسبة أربعة في المئة، لكنه لا يقدّم أي خطة تحدد كيف سيحقق ذلك. لا وجود لبرنامج اقتصادي واضح المعالم لديه. لا يملك الا الوعود الفارغة من أي مضمون. لن يتمكن في أي وقت الحصول على دعم المرأة او السود او الناطقين بالاسبانية الذين يشكلون نسبة كبيرة من الناخبين. كذلك لن يتمكن من الحصول على تأييد الشاذين جنسيا الذين باتوا يشكلون نسبة لا بأس به من الاميركيين، من رجال ونساء. لن يتمكن حتّى من الحصول على تأييد البيض، من أصول انغلو ساسكسونية، الذين يدعمون تقليديا الحزب الجمهوري. ستهزمه، على الأرجح، امرأة لا تتمتع بثقة الاميركيين، إضافة الى انّها لا تتمتع بصحة جيدة.

لا يزال اللغز كيف استطاع دونالد ترامب التغلّب على كلّ منافسيه الجمهوريين والحصول على ترشيح الحزب. هل تغيّرت اميركا الى حدّ لم يعد من سلاح لدى هيلاري كلينتون، ذات الصورة المهتزّة، غير كره الاميركيين لمنافسها؟!

لا يزال دونالد ترامب يحتاج الى اعجوبة كي يصبح رئيسا لاميركا. امله الوحيد في عدم اقبال الناخبين على صناديق الاقتراع يوم الاستحقاق الرئاسي في تشرين الثاني ـ نوفمبر المقبل.

هل يتخذ الاميركيون في هذه الحال قرارا بالدخول في المجهول... ام سيفضلون انتخاب هيلاري كلينتون التي يعرفونها وتعرفهم ويعرفون حسناتها وسيئاتها، خصوصا ما الذي يمكن توقّعه في حال فوزها لتكون المرأة الاولى التي تدخل البيت الأبيض.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
كذبة اسمها 'سلاح حماس'
2017-12-01
العالم كلّه في أبوظبي
2017-11-29
محمد بن سلمان وسعد الحريري... ولبنان وايران
2017-11-27
بوتين ملك سوريا... في ظلّ استسلام أميركي!
2017-11-26
المزيد

 
>>