First Published: 2016-10-07

عن دور السعودية في مسألة الاصلاح

 

لا يفيدنا في شيء إنكار حاجتنا للاصلاح وتحويل الأمر الى مؤامرة على الدين الاسلامي. نحن نعاني من قضية كانت في الماضي مشكلتنا وحدنا، ولكن بسبب العولمة والتطور التكنولوجي أصبحت مشكلة العالم أجمع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

السعودية دولة ليست مختلفة فقط، بل لا يستطيع السائح الحصول على تأشيرة زيارة، لا توجد سياحة فالبلد مغلق. السياحة الوحيدة هي دينية، أو دخول البلد في عقد عمل. فإما سعيا وراء الرزق، أو حج وعمرة فقط.

لقد وعدت السعودية بفتح السياحة، ولكن لم يحدث ذلك حتى اليوم. ثم أن التقارير الأميركية لا تتحدث عن الدين، بل عن المال المصاحب لنشر الدين، وعن شيء جوهري هو رمزية الموقع الجغرافي لبلاد الحرمين. حقيقة أنهم أحفاد الصحابة والتابعين ومواطنو النبي، اضافة الى وجود موارد النفط الضخمة.

بعد حرب الخليج لم تنهر الفكرة القومية فقط، بل تحدث ادوارد سعيد عن تحول المثقفين العلمانيين العرب الى كتاب اسلاميين. يقول بسبب المال اكتشف الكثير منهم فجأة عواطفهم الدينية، حتى الفرنسي غارودي أعلن إسلامه وجمع المال.

المصالح شيء خطير اذا اختلطت بالدِّين، الى درجة أن السعودية وتحت تأثير الضغط الأميركي، على خلفية التطرّف الديني، بدأت بقطع الدعم عن المشايخ والمؤسسات وبسجن بعض رجال الدين المتطرفين.

ليس هذا فقط، بل شجعت المملكة الليبراليين على افكارهم، وصارت البلاد تدعم الفنون والغناء. انها دولة إيمان شعرت فجأة بقوتها المفرطة بعد انهيار العراق، وهيمنتها الكاملة على العقل العربي، الى درجة أن الولايات المتحدة بدأت تضغط، ليس فقط لتقوم السعودية بتقليل تأثيرها الديني ودعم الليبراليين الموالين لها، بل شجعت الولايات المتحدة دول الخليج الأخرى على أن يكون لهم دور ثقافي منافس للسعودية.

شجعت أميركا على الاختلاف والتعددية داخل مجلس التعاون، لأن الخليج اليوم هو مركز العقل العربي بحكم قوته التجارية والصناعية. السؤال هو هل هناك خطر من تفشي الثقافة الدينية المتطرفة أم لا؟ بالطبع نعم.

خذ مثالا حالة الباكستاني رمزي يوسف. ولد بالكويت، وعادت عائلته من الكويت وعمره 13 سنة الى وطنه، ثم ذهب للدراسة في بريطانيا وحصل على شهادة هندسة كهرباء إضافة الى شهادة من أوكسفورد باللغة الانكليزية. أكمل دراسته وعاد الى بلاده لا هم له سوى كيف يصنع قنابل.

هو مسؤول عن تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك التفجير الأول سنة 1993 . حيث زرع 680 كغم من المتفجرات وضعها أمام البرج الأول، وخطته أن ينفجر ويسقط على البرج الثاني. لم تنجح هذه الخطة، وقتل ستة اميركان وجرح ألفاً تقريبا.

تم إلقاء القبض عليه بباكستان اثناء محاولته تفجير طائرات، وحوكم بالمؤبد في سجن اميركي. المصيبة هو الذي ألهم خاله خالد شيخ محمد بفكرة سبتمبر التي حدثت عام 2001 حيث تم تفجير برجين وتفجير جزء من البنتاغون وقتل ثلاثة الاف اميركي.

فكر معي رمزي يوسف مواليد 1968. وفي عام 1993 حين نفذ تفجير نيويورك الأول كان عمره 25 سنة، مهندس كهرباء من بريطانيا يتكلم العربية والباكستانية والانگليزية بطلاقة. ما هذه الموهبة الشريرة؟ وكيف يمكن لأميركا أن لا تقلق وهي توغل فيهم قتلا اليوم؟ ما الذي يضمن سلامة الولايات المتحدة من هجمات أكبر في المستقبل؟

الموضوع الآخر هو المرأة، موقف الاسلام من حقوق المرأة. فقد قرأت للعلامة عبدالعزيز ابن باز رحمه الله أنه كتب صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: :يقطع صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود، قيل يا رسول الله: ما بال الأسود من الأصفر والأحمر؟ قال: الكلب الأسود شيطان).

ومن هذا ما نُقل عن علي بن أبي طالب في هجاء أهل العراق "دينكم دنانيركم، وقبلتكم نساؤكم" ولو نظرت الى المجتمع الغربي مثلا فهو هكذا تماما. لا يفكر بغير تحسين وضعه الاقتصادي والعناية بشريكة حياته وسعادتها. ولا أعرف كيف وجد علي بن أبي طالب في ذلك أمرا مشينا.

من إصدارات داعش التي لا تُنسى، فتاة سورية زوجها مسافر لسنوات لا تعرف أين هو، وهي تعيش في بلاد مخربة بالحرب الأهلية. حكم عليها القاضي الداعشي بالزنى، وبما أنها محصنة فالحكم هو الموت رجما، ويصورون إصدارا بالموضوع يتم احضار أبيها، وهي تطلب العفو منه وتتوسل وهو يرفض العفو، ويشارك الأب في رجمها حتى الموت.

ينصح الإصدار الازواج بعدم هجر زوجاتهم، لأن هذا قد يؤدي الى مصير من هذا النوع. هل يعرف العرب تأثير هكذا إصدار في العالم الغربي؟ ربما نحن نعرف ثقافتنا، عادة العائلة ترتكب الجريمة في المناطق الريفية، لكن الغرب لا يفهم هذا الأمر، وهذا الموضوع أثر كثيرا على نظرتهم للإسلام.

فالخيانة الزوجية عند المجتمع الغربي قضية أخلاقية مشينة فقط، بمعنى هي تتوقف على الزوج يسامح أو يطلق لا أكثر، بينما القتل عندهم أكبر جريمة في قانون العقوبات، والذي يرتكب القتل عندهم مجرم، فكيف بقاتل ابنته أو زوجته؟ لهذا حين تشتكي امرأة على رجل عربي في المهجر، فإن الشرطة تتعامل بشكل مبالغ فيه، لأنهم يستحضرون هذه المشاهد حين يتعاملون معه.

لقد جربنا في العراق مخاطر الفكر الديني. تنجيس الإنسان مثلا، يبدأ بالكافر ثم ينتهي الى تنجيس السني للشيعي، وتنجيس الشيعي للسني. نشيد داعش الشهير يقول "ولا لا ترحمي نجسا/ يقوم الليل يسكرهُ" أي أن شارب الخمر نجس يستحق القتل والجلد.

السيد حازم الأعرجي ماذا قال في خطبته الشهيرة أيام الحرب الأهلية ببغداد 2006 قال فتوى الإمام محمد صادق الصدر موجودة "الوهابي والناصبي نجس حلال الدم" وطبعا بالنسبة للوهابي فإن الرافضي نجس أيضا حلال الدم. هذه عقول مخربة تحتاج مواجهة ثقافية.

المجتمع الغربي منفتح ولا ينجس أحدا، على العكس تجد الكنديين متلهفين لتذوق الطعام الغريب، سواء في مطعم بوذي أو سيخي أو هندوسي أو يهودي أو مسلم لا فرق عندهم، إنهم يبحثون عن النكهة والطبق الأكثر جاذبية.

أبو سفيان مثلا كان تاجرا كثير الأسفار يلتقي باليهود والنصارى والفرس والهنود، ويملأ قافلته من منتوجاتهم ويتذوق طعامهم. يجالسهم ويبيت عندهم. حين يدخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة وتقول له لا تجلس على الفراش لأنك مشرك نجس فإنه يستغرب ويقول لها "والله يا بنية قد أصابك بعدي شر".

السؤال الذي حيرني حقاً هو لماذا فصيل نورالدين زنكي السوري المعارض قال مقاتلوه للطفل الذي عمره 12 عاما قبل إعدامه بأنهم أكثر قسوة من داعش؟ ألا يفترض بأن داعش أشد من الجميع؟ لم أعرف الجواب حتى اطلعت على كتاب رشيد الخيون "بعد اذن الفقيه" يقول ومن أشد الفتاوى في أخذ الأطفال بردة آبائهم عن الاسلام ما أفتى به الامام أبو حامد الغزالي ضد أبناء الإسماعيليين والفاطميين كمرتدين قال: "مهما بلغ صبيانهم عرضنا الاسلام عليهم فإن قبلوا قُبل اسلامهم ورُدّت السيوف من رقابهم الى رقابها، وان أصروا على كفرهم متبعين فيه آباءهم مددنا سيوف الحق الى رقابهم، وسلكنا بهم مسلك المرتدين" يعني الامام الغزالي يبيح قتل الأطفال في بعض الحالات. والغزالي على مذهب الشافعي في هذا الرأي.

بينما الدواعش على الامام أحمد بن حَنْبَل، الذي رغم تشدده العام لا يبيح قتل الطفل في أي ظرف من الظروف. هؤلاء المسلحون تحدثوا في خلاف فقهي بين مدرستين حين قالوا للطفل بأنهم في حالته أقسى من الدواعش، فهم على الشافعي والغزالي، حيث يكون الطفل بنظرهم مرتد بعد توبة، وهذا معنى كلمة الغزالي "سلكنا بهم -أي الأطفال- مسلك المرتدين".

ما نريده من هذه الورقة أن لا نتجاهل الدعوة الأميركية بالإصلاح الديني. لا يفيدنا في شيء الإنكار وتحويل الأمر الى مؤامرة على الدين الاسلامي. نحن نعاني من قضية كانت في الماضي مشكلتنا وحدنا، ولكن بسبب العولمة والتطور التكنولوجي أصبحت مشكلة العالم أجمع. كل يوم نسمع بوقوع كارثة بسبب التطرف، وعلينا التحرك كمجتمعات ودول لإجراء اصلاحات جوهرية، والتعاون مع العالم في هذا الشأن.

دولة مركزية مؤثرة كالمملكة العربية السعودية إذا قامت بإصلاحات اجتماعية لصالح الحداثة، فإن ذلك سيؤثر على العالم الإسلامي كله وتنتهي مشكلة التطرف.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>