First Published: 2017-01-02

هل بهذا الإعلام ستُقاوم تونس الإرهاب؟

 

يردد الإعلام التونسي قصص الصحافة العالمية ويساهم في التشهير بالبلد دون حد أدنى من التحليل أو إرسال من يستقصي الحقيقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمّار

الآن عرفتُ الفَرق بين الإعلام المتطور وإعلامنا. الإعلام في البلدان المتقدمة كاذب لكنه يعلم أنه يكذب، وهو يكذب لأنه يعمل بمبدأ خدمة مصالح مجتمعاته وهي خدمة تُجيز له الكذب. بينما الإعلام في تونس ومثيلاتها كاذب لكنه لا يدري أنه يكذب، والسبب أنه يتخذ الإعلام "الكاذب" في البلدان المتقدمة مصدرا مقدسا للحقيقة وبالتالي فهو إعلام مُصادِر للحقيقة ومشوّش عليها ولا يعمل من أجلها خدمةً لمصلحة الوطن.

علمتُ هذا في غضون متابعتي لردهات عملية الهجوم على سوق عيد الميلاد ببرلين. فبالرغم من أنه حدثٌ أليمٌ إلا أنه مثيرٌ لعديد التساؤلات من حيث المصداقية وهوية المنفذ الحقيقي للهجوم وهوية الجهة المخططة له والغاية من وراء العملية. وفي هذا السياق يُلاحظُ بكل حسرة ومرارة أنّ الإعلام في تونس لم يولِ أيّ اهتمام بالجوانب المشبوهة التي تحوم حول الحدث ولم يتناول المسألة بشيء من التحري والشك.

على عكس ذلك، إنّ الإعلام المحلي أبدى تطابقا تاما مع الإعلام الألماني والأوروبي "العمومي" الذي يعتبره إعلاما راقيا بينما لا يكسب هذا الأخير من العمومية سوى الاسم، حيث إنه ملكٌ للدوائر الدّولية ذات الجاه والنفوذ المالي والسياسي ("النفوذ المُرَكَّز" بتعبير تشومسكي). وقد أثّر هذا الصنف من التبعية سلبا على الأداء الحِرفي للإعلاميين التونسيين وذلك بدليل أنّ الإذاعات والقنوات التلفزيونية والصحف لم توفد مراسلين إلى برلين لتَقصّي الحقائق بروحٍ من الاستقلالية وللتمحيص في الحدث من زواياه المتعددة، التاريخية والعقدية والجغراسياسية وغيرها.

هذا مما يعني أنّ الإعلام في تونس يتوانى عن القيام بواجباته المهنية الإخبارية جرّاء استسلامه لمنظومة البروبغندا المتنفذة عالميا وهو بذلك يعلن ضمنيا عن قبوله بأن يكون كنتيجة لذلك تابعا لنفس المنظومة من النواحي السياسية والفكرية والإيديولوجية. إنه إعلامٌ يأبى أن يتحمّل مسؤوليات مُناطة بعُهدته كإعلامٍ يُفتَرض أن يكون مستقلا ومتطورا ووطنيا.

لو عدنا إلى حدث برلين وتأملنا في سلوك وسائل الإخبار والاتصال التونسية تُجاههُ لتبينّا كيف أنّ عقدة الإعلام الأجنبي كأنها حكَمت على هذه الوسائل بأن تتناسى أنّ سمعة الوطن وكرامة مواطنيه في الميزان بما أنّ المتهم بتنفيذ العملية كان تونسيا وأنّ الصحافة الأوروبية (على الأخص الفرنسية منها) شنت حملة شعواء ضد تونس بتمامها وكمالها لا فقط ضد الجاني. ألم يكن من الأجدر أن يثير الإعلام في تونس مشكلة الهجرة إلى أوروبا التي تسببت ولا زالت تتسبب في حدوث كوارث في بلدان الإيواء، وأن يشرح للقاصي والداني أنّ الهجرة من بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط نحو بلدان الضفة الشمالية إنما هي نتيجة حتمية للسياسات الأنانية والاستغلالية والنيوكولونيالية لأوروبا في عصر ما بعد الاستعمار المباشر، وأن يبيّن للعالم كيف أنّ أوروبا قد تكون اليوم تدفع ثمن سياساتها الخاطئة وغير المتكافئة؟

فليست تونس هي المطالَبة بدفع الثمن بمجرد أنّ أحدَ مواطنيها كان ضالعا في عمل إرهابي. ليست تونس لوحدها مسؤولة عن الإرهاب، حيث إنه من الواضح أنها من ضحايا تلكُم السياسات. وبالتالي هل تونس مجبَرة على دفع ثمنٍ مُضافٍ إلى الثمن الذي تدفعه بصفتها ضحية والمتمثل في تحمّل تبعات سياسات الاستغلال والارتهان والتفقير العالمية؟

لم يفسّر الإعلام التونسي للعالم أجمع أنّ أوروبا، بمغالاتها في التشهير جزافا بتونس، إنما تقوم بعملية إسقاط سيكولوجي على هذا البلد العريق، أرض عليسة والكاهنة ويوغرطة وعقبة بن نافع وأمّ ملال والأميرة عطف وابن خلدون وعزيزة عُثمانة والحبيب بورقيبة. فأوروبا تُفرغ وِعاء مشاكلها علينا وتطالب بلادنا باستقبال مهاجرين بينما هي التي استقبلت هؤلاء وغيرهم ولم تكن تونس هي التي أوفدَتهم إليها. على سبيل المثال، في السبعينات من القرن الماضي استنجدت ألمانيا وحدها بآلاف من اليد العاملة المختصة من تونس ليسهموا في جعل اقتصاد هذا البلد الأقوى في أوروبا. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

كما أنّ الإعلام التونسي يحتقر الإعلام البديل ولا يصدّق أخبارَه بل يصف كل خبر مخالف لِما تنشره الصحافة العالمية "الراقية" بأنه خبر ناجم عن عقلية تآمرية. وكأن الإنسان لم يتآمر والحكام لم يتآمروا أبدا على مرّ التاريخ. وكأنّ الغرب الامبريالي لا يتآمر اليوم على تونس ومثيلاتها.

نخلص إلى أنّ الإعلام في تونس يقبعُ في وضعٍ لا يُحسد عليه. ولئن تتبجح مكوناتُه بين الفينة والأخرى بكونه إعلاما حرّا ونزيها فقد بَان بالكاشف أنّه فقط يُطمئن نفسه بحريةِ تعبيرٍ وهمية والحال أنه موجودٌ بين مِطرقة التبعية الأداتية لمنظومةٍ يَخالُها راقية وسندانِ التبعية الإيديولوجية للمنظومة ذاتها ولِمن يملكون العقار الاتصالي العالمي، ما يجعل منه أداة لهَجرِ الحقيقة وللتدمير الذاتي وللهجرة من البلاد، أكثر منه وسيلةً لتنوير العقول ولتحرير المجتمع. فهل بمثل هذا الإعلام ستقاوم تونس الإرهاب؟

 

محمد الحمّار

كاتب تونسي

 
محمد الحمّار
 
أرشيف الكاتب
هل يفهمُ المتخصصون الإسلامَ أفضلَ من العوام؟
2017-10-14
في رمي الجسور بين الديني والدنيوي
2017-10-03
ما وراء حديث الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم
2017-09-22
الليبرالية بين حُروبهم الناعمة وعقولنا النائمة
2017-08-06
إذا كانت الانكليزية عشيقتنا فالعربية أُمُّنا
2017-06-13
فسادٌ من المُنتج إلى المُستهلك
2017-06-07
ماذا بعد عسكرة منشآت إنتاج الطاقة في تونس؟
2017-05-12
تونس: سُخطٌ إعلامي غير مبرَّر بسبب إقالة جلول
2017-05-09
كيف نبدّل الطاقم السياسي التونسي ونعيد إنتاج السياسة؟
2017-05-05
'ما بعدَ العلمانية' لستر العورة التونسية
2017-04-29
المزيد

 
>>