First Published: 2017-03-27

أوروبا في مهبّ الريح

 

ليس الشرق الاوسط وحده الذي يتغيّر، بل أوروبا أيضا تتغيّر في غياب رجال كبار عرفوا كيف يعيدون للقارة القديمة امجادها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ليست فرنسا وحدها التي تبدو في حال يرثى لها. يكفي عرض تاريخ الشخصيات المشاركة في السباق الرئاسي فيها والفضائح المتتالية التي طاولت هؤلاء للتأكد من كون الحياة السياسية في فرنسا هزلت الى حدّ كبير. اكثر من ذلك، كلّ مستقبل أوروبا يبدو في مهبّ الريح في حال استطاعت مارين لوبن، مرشّحة اليمين المتطرّف والمعادية للفكرة الاوروبية، الوصول الى رئاسة الجمهورية الفرنسية. ما بناه الجنرال شارل ديغول وآخرون، من أمثال المستشار الألماني كونراد اديناور، حجرا حجرا، ينهار هذه الايام بعدما تبين ان جاك شيراك كان آخر الكبار الذين حكموا فرنسا.

بدأت تتبلور الفكرة الاوروبية اثر توقيع اتفاق روما في الخامس والعشرين من آذار ـ مارس من العام 1957. اجتمع الزعماء الاوروبيون في روما السبت الماضي للاحتفال بالذكرى، التي يمكن ان تتعرّض لهزّات قويّة في المستقبل القريب. كانت الخطوة الاولى لإقامة أوروبا الواحدة قبل ستين عاما بالتمام والكمال. قامت بموجب الاتفاق الموقّع في روما لإنشاء المجموعة الاقتصادية الاوروبية التي هدفها توحيد الشعوب الاوروبية وإقامة كيان واحد في المدى الطويل. ضمّت المجموعة في البداية ست دول هي المانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.

ما لبثت المجموعة الاقتصادية ان تحوّلت الى الاتحاد الاوروبي الذي بات يضمّ 27 دولة بعد انسحاب بريطانيا الصيف الماضي اثر استفتاء شعبي تولت التمهيد له مجموعة من السياسيين الفاشلين الذين رفعوا شعارات ذات طابع عنصري. كان من بين هذه الشعارات، التي صدّقها المواطنون السذّج، ان الحدود المفتوحة بين الدول الاوروبية ستؤدي الى اغراق بريطانيا باللاجئين الآتين من سوريا وبمواطنين من الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي.

جاء توسيع الاتحاد الاوروبي على دفعات. كانت كرواتيا آخر الدول التي انضمت الى الاتحاد في الاوّل من تمّوز ـ يوليو 2013. تكمن المفارقة في انّ المملكة المتحدة، التي تضمّ بريطانيا، لعبت دورا أساسيا في توسيع الاتحاد الاوروبي كي يشمل دولا أخرى مثل بلغاريا ورومانيا او ليتوانيا ولتونيا واستونيا وتشيكيا وبولندا وسلوفاكيا وسلوفينيا. كان الهدف البريطاني تذويب النفوذ الذي كان يمكن ان يمارسه الثنائي الألماني ـ الفرنسي لا اكثر.

الى اين تتجه أوروبا الآن؟ الأكيد ان الوضع في دولها ليس على ما يرام. استطاعت هولندا قبل أسابيع قليلة تجاوز كارثة وصول اليمين المتطرّف الى السلطة، لكنّ المشكلة الأكبر تبقى فرنسا والانتخابات الرئاسية فيها. ليس بين المرشّحين من يمكن التعويل عليه في ايّ مجالات من المجالات. فرنسا التي أعاد شارل ديغول الحياة اليها انتهت الى غير رجعة. كان آلان جوبيه يمثّل الامل الأخير في التقاط الانفاس الفرنسية، لا لشيء سوى لانّه يمتلك ما يكفي من الخبرة للخروج من المستنقع الذي غرق فيه البلد منذ وصول نيكولا ساركوزي الى السلطة خلفا لجاك شيراك. ما عجز ساركوزي عن تحقيقه، اكمله فرنسوا هولاند الذي قضى على الاقتصاد وجعل أصحاب رؤوس الاموال تغادر البلد الى غير رجعة.

كانت فرنسا قصّة نجاح بعدما صالحها ديغول مع نفسها اوّلا. عندما تولّى السلطة في العام 1958 واسس الجمهورية الخامسة، اخرج فرنسا اوّلا من الفوضى السياسية التي ميّزت الجمهورية الرابعة. استعان بأفضل الخبراء لوضع الأسس لدستور عصري يسمح لرئيس الجمهورية بان يكون رئيسا فعليا للدولة. ذهب الى ابعد من ذلك في الإصلاحات الاقتصادية واحل "الفرنك الجديد" مكان الفرنك القديم الذي فقد الكثير من قيمته في ظلّ ازمة سياسية واقتصادية مريعة ترافقت مع "حرب الجزائر". انهى ديغول الحرب في الجزائر التي استقلت في العام 1962، ثمّ باشر عملية إعادة الوزن لفرنسا وليس لعملتها فقط.

بين 1958 ونهاية عهد جاك شيراك في العام 2007، كانت فرنسا قوّة ذات وزن على الصعيدين الاوروبي والدولي. في أساس قوّة فرنسا نفوذها داخل الاتحاد الاوروبي وقدرتها على تحويل هذا الاتحاد الى مركز ثقل عالمي على كلّ صعيد، خصوصا في اطار إيجاد توازن مع الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. لا شكّ ان المانيا تبقى الدولة الاوروبية الاهمّ لكن الحلف الفرنسي ـ الألماني جعل أوروبا تمتلك وزنا سياسيا واقتصاديا، حتّى عندما انحازت بريطانيا كلّيا الى الولايات المتحدة في عهدي مارغريت تاتشر وتوني بلير.

ستقرر الانتخابات الفرنسية ما اذا كانت أوروبا ستكون قادرة على التقاط أنفاسها واستعادة موقعها العالمي، خصوصا في ظلّ إدارة أميركية لا تقيم لها اعتبارا كبيرا. اكثر من ذلك، تشجّع إدارة ترامب على انفراط العقد الاوروبي. لم يخف الرئيس الاميركي الجديد موقفه من أوروبا في أي وقت. حرص على استقبال رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا مي بعيد دخوله البيت الأبيض. بدا وكأنه يريد الاطمئنان الى ان بريطانيا ستخرج نهائيا من أوروبا.

في غياب الموقف الموحّد من الإرهاب الذي ضرب أخيرا في لندن والذي تقف خلفه تنظيمات مثل "داعش"، وفي غياب القدرة على تكوين فهم جماعي لخطورة الميليشيات المذهبية الايرانية التي تشكّل الوجه الآخر للعملة الواحدة المسمّاة الإرهاب المتلطي بالدين، تبدو أوروبا وكأنّها تبحث عن نفسها.

يُخشى ان يشكل وصول مارين لوبن الى الرئاسة الفرنسية الضربة القاضية لاوروبا. نحن امام امرأة مستعدة لاستفتاء على بقاء فرنسا في الاتحاد الاوروبي. هناك في الوقت ذاته عداء من لوبن للعملة الاوروبية (اليورو). ماذا سيحل بالاتحاد الاوروبي اذا أصبحت فرنسا خارجه... او اذا لم تعد ذلك العضو الفاعل فيه؟ يقع كلّ ما تؤمن به لوبن خارج السياق الذي جعل من فرنسا تستعيد موقعها الاوروبي والعالمي. هل تحصل اعجوبة في فرنسا قبل شهر من موعد الانتخابات؟

هذا ليس زمن الاعاجيب والمعجزات. من يتمعّن عميقا في صورة ما يدور على الصعيد العالمي، يكتشف ان "بريكسيت"، أي الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، ليس حدثا معزولا. انّه بداية احداث أوروبية معروف كيف بدأت وليس معروفا كيف ستنتهي او كيف يمكن ان تنتهي.

ليس الشرق الاوسط وحده الذي يتغيّر، بل أوروبا أيضا تتغيّر في غياب رجال كبار عرفوا كيف يعيدون للقارة القديمة امجادها وإعادة بنائها بعد كلّ ما دمّرته الحرب العالمية الثانية. استطاع هؤلاء التعايش مع الحرب الباردة ومع التهديد الذي كان يمثّله الاتحاد السوفياتي وفكره التوتاليتاري. ليس في أوروبا هذه الايّام زعيم واحد يستطيع ان يسأل حتّى الى اين يأخذ دونالد ترامب العالم او هل يمكن وضع حدّ للسياسات التي يمارسها فلاديمير بوتين الهارب الدائم من الأزمات الداخلية لروسيا الى مناطق مختلفة في العالم مثل أوكرانيا او سوريا؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>