First Published: 2017-08-10

الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية

 

ما حدث بعد مباراة الترجي والفيصلي مثال على تحول الرياضة والثقافة والفن إلى مفسدة وكنا نحسب أنها المدخل لتحسين العلاقات العربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

يبدو أن هناك عيبا في الجينات العربية، هذه العبارة تصلح لتفسير التردي الذي وصلت إليه العلاقات بين غالبية الدول العربية، فمع أننا تربينا على مقولة شعب واحد وغرسوا فينا أننا أصحاب لغة واحدة وتاريخ واحد ودين واحد (تقريبا) ومصير مشترك، غير أن العلاقات شهدت ولا تزال سوءا ربما لا نراها لدى شعوب أخرى أكثر تنافرا وتناحرا.

كأن حروب داحس والغبراء لم تفارقنا لحظة، موجودة في السياسة والاقتصاد والأمن، والعلاقات الاجتماعية لم تسلم من هذه اللعنة حتى الآن، فكل تجمع عربي، كان كبيرا أم صغيرا، يبدأ بالتفاؤل والود والتراحم وينتهي بالتشاؤم، فالمختلفون العرب يتخلون عن المظاهر الحضارية وينقلبون إلى ما يشبه أصحاب الحروب الأهلية، التي تسعى فيها كل جماعة للانتقام من الأخرى وبلا مبررات منطقية.

الغيوم التي خيمت على العلاقات العربية، دفعت البعض إلى البحث عن وسائل طبيعية تقرب بين الشعوب، واهتدى عدد من حسنّي النية إلى تطوير اللقاءات المشتركة، على مستويات فنية وثقافية وعلمية وهكذا، والتي لم تعد تخلو من المناوشات التقليدية، وبعد فترة من التوقف دعا من تصوروا أن الرياضة تصلح كدبلوماسية إلى استئناف البطولة العربية لإذابة الجليد المتراكم، وهي وسيلة تمت تجربتها وحققت أهدافها بين دول عدة.

بطولة الأندية العربية لكرة القدم التي أقيمت في مصر أخيرا، كانت مدخلا لفتح باب الأمل لاستعادة التضامن، ولو من باب الرياضة، لكن لأن الطبع يغلب التطبع رأينا حساسيات تفوق الوصف، احتكاك غير مبرر بين اللاعبين، وخلو معظم المباريات من اللعب النظيف والخروج عن الروح الرياضية والتحرش بالحكم في كل مباراة كان مسألة أساسية.

تخيل أن أحد الفرق يدرك أن تعادله مع الفريق المنافس يخرجه من البطولة، ورأيناه يدافع حتى لا يُهزم على يد خصمه العربي، لكنه بدا مرتاحا للخروج بدون هزيمة منه، المهم عنده ألا يخسر من هذا الفريق العربي، حتى لو كان تعادله يخرجه تماما من البطولة ويكبده خسائر مادية.

كانت هذه الملامح واضحة لكل من تابع مبارايات البطولة العربية، لكن معظمنا كذب نفسه واعتبر أن العصبية سمة رئيسية في الكرة، وربما تكون دليل غيرة على الفريق وليس خروجا عن الروح الرياضية، فقط من لديهم خبرة بطبيعة الشخصية العربية فطنوا إلى خطورة ما يجري على أرض الملعب، وأرجعوا جذوره لعوامل نفسية، فهناك دول صغيرة تعتقد أنها حققت انجازات رياضية ويجب أن تتبوأ مكانتها في الصفوف الأولى، على مستوى الأندية والمنتخبات.

وهناك دول كبيرة تدهور حالها في الرياضة وغيرها، ومن الضروري أن تعترف بالهزيمة الجديدة وتبتعد عن التمسك بميراثها الحضاري، الذي لا يتناسب مع واقعها الحالي، وقد يكون هذا التقدير بابا مناسبا لتفسير أحد أهم أسرار الخلافات التي تدور بين ممثلين لدول عربية متباينة وفي مجالات مختلفة، فالتفوق على الدوام استنادا للبعد التاريخي ليس مقبولا، والتفوق استنادا للإنجاز الراهن أصبح عملية مرفوضة.

المباراة النهائية بين فريقي الترجي التونسي والفيصلي الأردني وطاقم تحكيمها المصري، كفيلة بتسليط الضوء على عدد كبير من العيوب التي تنخر في الجسد العربي، فالفريق الأردني أثبت نظرية الخلل في الجينات العربية، التي أعتقد فيها وليس عندي دليل علمي عليها، لكن المشاهدات والتجارب كفيلة بزيادة قناعاتنا.

الخروج عن كل الأعراف الرياضية والأخلاقية، تجلى على ملعب استاد الإسكندرية الذي استضاف المباراة، ولعل عددا كبيرا منا شاهدها مباشرة، أو رأى على منصات التواصل الاجتماعي لقطات منها، أو على الأقل سمع وقرأ عن أحداثها.

نعم الحكم إبراهيم نورالدين ارتكب خطأ فادحا باحتساب هدف للترجي من تسلل أحد لاعبيه، وهذا يحدث في مباريات كثيرة، وأحد عوامل الإثارة في لعبة كرة القدم، ويستخدم هذا السبب كمبرر لرفض الاستعانة بتكنولوجيا الفيديو للحفاظ على عنصر الإثارة في الكرة.

هناك مباريات كبيرة حفلت بأخطاء من هذا النوع وأكثر، ولم نر فيها الطاقم الإداري ينهال ضربا على حكم الساحة، ولم يقم اللاعبون بركله بذريعة أنه أخطأ في التقدير، والغريب أن الفيصلي نفسه فاز على الأهلي مرتين ووقعت أخطاء في التحكيم صبت في صالحه، بل وارتكب أخطاء فادحة وتفنن في إضاعة الوقت ولم ينزل على لاعبيه عقاب يتناسب مع حجم أخطائه.

السؤال هل لو الفريق الذي فاز غير عربي، كان الفيصلي سيرتكب كل هذه الحماقات؟ وهل لو الحكم غير مصري، قام إداريوه ولاعبوه وجمهوره بما فعلوه من تصرفات تعاقب عليها القوانين الرياضية والجنائية؟ الإجابة واضحة، ولست بحاجة إلى تكرار ما ذهب إليه زملاء آخرون.

القيادة السياسية في البلدين تصرفت بحكمة فتم تسكين الأزمة مؤقتا، لأنها كادت تتسع معالمها عقب انتقالها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وكان أطرافها مواطنون من مصر والأردن وتونس، وهذه الحكمة منعت تكرار سيناريو مباراتي مصر والجزائر الشهيرتين عام 2009 في كل من القاهرة والخرطوم، والتي لم تتوارَ تداعياتهما السياسية إلا بعد سنوات ورحيل أحد النظامين الحاكمين.

المثير للانتباه، أن هناك إدراكا بالتباعد الكبير بين الشعوب العربية في الرياضة مثل السياسة، حتى لو تعمدنا إخفاء مراراتنا وبدا لكثيرين أن العلاقات على ما يرام بين هذه الدولة وتلك، فالاختبار الحقيقي يكون عند وجود خلاف وخروجه للعلن.

هنا تفشل أدوات الدعاية في تطويقه وينفجر، ويتسابق أنصار كل طرف في دعم رؤية بلدهم مهما كانت خطأ، ويغيب العقل وتتقدم العاطفة والحساسية المفرطة، ويتحول الخلاف إلى أزمة، والأزمة لحرب خفية، لأن الاعتراف بالخطأ أصبح جريمة عربية، فكم من الأزمات اندلعت جراء غياب هذه الثقافة؟

مطلوب إعادة بناء الشخصية العربية الجماعية وتعليمها فنون وقواعد التقدم وقبول الآخر والاعتراف بالهزيمة، قبل أن نتراكض وراء تدشين منافسات يعلم القائمون عليها أنها وسيلة للتفريق بدلا من التقريب، بعد أن تحولت الرياضة والثقافة والفن وغيرهم إلى مفسدة للعلاقات العربية وكنا نحسب أنها المدخل لتحسينها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>