First Published: 2017-09-06

أضحية كانت .. أم ضحية؟

 

الأمر يحتاج لتدابير عقلية أكثر منها فقهية، يحتاج لرؤية إنسانية تتغلب على القهر السياسي والفقر الاجتماعي والانحطاط الأخلاقي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: مي فاروق

التفكير بنبرة عالية

مرت أيام الحج بروحانياتها وتكبيراتها وتهليلاتها عظيمةً، ليبقى في ذاكرة كل مسلم زار الحرم وأدى الفريضة أم لم يؤدها صورة لحلقات بطول الشوارع لحيوانات تنتقل في العربات تجول بسرعة هائلة، ولحمل وديع مربوط بحبل غليظ يساق به، حوافره تنقر في الأرض، نظرته عميقة وهادئة ومستسلمة في آخر لحظاتها، تبث في القلوب الصغيرة حزناً واستسلاماً مشابها، ليفكر دون حل كيف غدا هذا الرقيق سميناً تطمع فيه العيون، وتشتاق لالتهامه البطون.

نعم كل مرة من كل عام يذهلني استسلامه حد الغياب حتى أُفيق على صوت صغير يجهش ببكاء إنساني عظيم.

فقررت التفكير معكم بنبرة عالية وبمنهج تحليلي لا يخلو من التساؤلات والمحاذير أحيانا، في تلك التجربة التي ارتبطنا بها منذ الصغر بسنوات وسنوات وهي تجربة الذبح والنحر أو بالأحرى "أضحيَّة العيد" (بفتح الياء وتشديدها) والتي تُعد إحدى شعائر الإسلام يتقرب بها المسلمون إلى الله بتقديم ذبح الأَنْعَام من أول أيام عيد الأضحى حتى آخر أيام التشريق، وهي من الشعائر المشروعة والمجمع عليها سواء أُعتبرت سنة مؤكدة أو واجبة أو مستحبة استحباب مؤكد.

عندما أقرأ تعليقات الكثير من غير المسلمين، وأحياناً بعض منهم، على هذه الأضحية والتي يرونها ضحيةً للبطون جائعة، وسكينا شرها، بل ويربطونها بمنهج السيوف والنصال الحادة، لتتمثل أمامنا شراهة الدماء التي تكسرت من أجلها النصال على النصال.

الأمر الذي يجعلني أخرج من مأمأة الخروف إلى عجز العقول، المتسبب في افتقاد الرؤية المتكاملة والذوق الفقهي الذي كثيرا ما يبتعد عن آليات الاستنباط وقواعده فيأتي ضعيف الحجة والبرهان.

أعلم أن كل دم يذكرنا بما وصلنا إليه من قبح، وقتل بلا ثمن، يتشابه فيه أحيانا القاتل والمقتول، فيقفز إلى أذهاننا الإرهاب و العنف المستباح، خاصة وانه محور السياسات والنقاشات في منطقة الشرق الأوسط منذ أحداث سبتمبر/أيلول ٢٠٠١ وحتى الآن.

وبعيداً عن لغة التعميمات وطوباوية الكلمات والصورة الذهنية التي غدت راسخة في الأذهان عن العنف المخصوص والموصوف بالعنف الإسلامي الذي يسيطر على المشهد الآن.

وحتى لا يكون الحديث مستهلكاً أو حتى متعصباً، سأستغل دماء الأضحية في التدليل عليها وعلى الضحية معاً.

وسأتذكر وسط هذا الجنون، الأنواء والصبر الجميل والحزن النبيل، وقهوة بني هلال، ونجد الرجال، وتهامة التلال، وجمال كل الأنبياء الذي لم يشخ مع العمر أبداً، ولن أنسى ان كل سعي لله مأجور ولغيره زائل. ولن أنسى أيضا المحظورات والكثير من الاحتياطات والالتزام بالتوازن وفقا للمفردات المعرفية حتى لا نخسر.

الأضحية ذبيحة المسلم بنية التقرب لله، يتم توزيع جزء منها على الفقراء والمساكين بنية إسعادهم وإطعامهم، وتعويد المسلم على البذل والتضحية، ويسمى الذبح في الشريعة (الذكاء) وهو تمام الشيء، وثمة طريقة للذبح تجعله حلالاً يشترط فيها الرفق بالحيوان، وتتشابه مع (كوشر) بالعبرية التي يستخدمها اليهود للدلالة على الطعام المطابق للديانة اليهودية من (أهلية الذبح، البسملة، الذبح بآلة حادة، قطع الحلقوم والمريء ليعطي فرصة لانسياب الدم خارجاً للحصول على لحم صحي وطاهر، الخلو من العيوب) وبعيداً عن السنن المتبعة فيه، أو أحكامه المتبعة، وفقه الأضاحي لا أراه إلا قرباناً لله يشبه قربان هابيل.

نعم سأكتفي بمنهج القرآن نفسه الذي لا يهتم بالتفاصيل الجزئية اهتمامه بالعبرة والموعظة {وفديناه بذبح عظيم} الأمر الذي يجعلني أطرح سؤالين {لماذا، وماذا بعد}.

لماذا؟

أي ما الحكمة من هذا الذبح؟ هل مجرد إحياء لذكرى وحوادث الأنبياء؟ ولو كان كذلك فلماذا لا نحيي ذكرى ناقة صالح مثلاً؟

الحكمة لا تحتاج لبلاغة بل لفهم للرسالة التي تحمل الرحمة وترى الحب رزقاً، فالذبح هنا فرصة لتأمين اللحوم الحمراء للناس لما تحويه من معادن كالحديد والفيتامينات المغذية المفيدة.

وماذا بعد؟

إذا كان الهدف بهذا السمو فلماذا يبدو المشهد بهذه القسوة والفقر معاً، ماذا لو عرفنا ان مداخيل الحج وحده تصل ٢٠٥ مليارات دولار، والرقم قد يكون أكبر من ذلك، فلم لا توزعه السعودية على فقراء المسلمين، أليست مكة للمسلمين جميعاً، فلماذا المقاطع والشعائر والوجوه واحدة والنتائج صفر، ولم مازالت صحراء العرب يشتد هجيرها؟

نعم كل هذا الغنى ينتج كل هذا الفقر، ألا لعنة الله على الوباء.

ألا تنتج هذه الأضاحي فكرة بنك الطعام؟ لتخليص العالم من الجوع، فماذا لو عرفنا ان ٣٧٪‏ من سكان المسلمين يعيشون تحت خط الفقر اَي حوالي ٥٠٤ ملايين شخص، وماذا لو عرفنا أيضاً ان ٣٤٪‏ من نسبة هدر الطعام بالعالم موجودة بالسعودية تقدر بنسبة ٢٠٥ أطنان لكل شخص، ماذا بعد ذلك؟

لقد أضحى هدر الطعام نفسه اقتصادات تذهب عوائده إلى المزابل، مما يمثل مشكلة في الوعي والإدراك.

فأين {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} وأين سياسة الاكتفاء الذاتي التي إذا التزمنا بالذكاء فيها والزكاة معا لم نعد نرى جائعا أو محروماً.

الأمر إذا يحتاج لتدابير عقلية أكثر منها فقهيه، يحتاج لرؤية إنسانية تتغلب على القهر السياسي والفقر الاجتماعي والانحطاط الأخلاقي، حتى نستطيع التفريق بين الأضحية والضحية، ولنعلم جميعا أن منطقتنا الإسلامية بما فيها من محن وتمزق وخلافات هي الضحية لا غيرها . فإلى متى نزرع الأوطان أفئدة، ومنجل الشر بالإرهاب يحصدنا.

 

مي فاروق

كاتبة مصرية

الاسم عصام الدين عبد الرازق
الدولة مصر

ليس باللحوم فقط نعالج فقر المسلمين ولكن بعدالة التوزيع لعائدات البترول ومناجم الذهب ومما تنبت الأرض مع التأكيد ان المسلمين ليسوا بإرهابيين وإنما هم الضحية لإرهاب النظام العالمى المتعصب والمتعنصر

2017-09-09

الاسم يوسف زيدان
الدولة مصر

المقال غني و رائع بيد ان الانتقادات المقروءة أراها دالة على ما اشارت اليه الكاتبة

نحن حقا بحاجة لوعي وادراك نابه

تحيتي لك مي فاروق

2017-09-07

الاسم حسونه إبراهيم العزابي
الدولة ليبيا

حوّلنا العبادات بجوهرها إلى عاداتٍ بمظهرها .. فأسأنا إلى تعاليم ديننا السمحة بتكليف أنفسنا ما ليس في وسعها ... صارت أعيادنا عبئًا وانكفاءً داخل أنفسنا , بدلاً من غايتها السامية كمساحة للفرحِ والتامل في ملكوت الله ونعمه ... تحيتي وتقديري استاذة مي .

2017-09-07

الاسم yaser
الدولة ksa

يذبح البشر في ارجاء الارض ويقتلوا ولا تتحرك ماكينة الاعلام.. وتأتي قضية الاضاحي فيهب الاعلام وصفا للمسلمين بالوحشية...

ثانيا .. هناك مشروع سعودي يعمل على الاستفادة من لحوم الهدي والاضاحي من الحجاج يجهز اللحوم ويجمدها وترسل لاغلب بلاد المسلمين ..

2017-09-07

الاسم يوسف حسين
الدولة الامارات

ماشاءالله عندك أفكار اقتصاديه زين خلي افكارك علي بلدك اول تستفيد منها مثل للزراعه والنيل والصناعة شبه المتوقفة عندكم حركيهم بأفكارك النيره .

2017-09-07

الاسم علي محمد
الدولة الكويت

الدخل من الحج 205 مليار او اكثر حادث العاقل بما لايعقل فأن صدقك فلا عقل له . ههههه رقم خرافي فما تنفقه السعوديه من خدمات علي الحج والعمرة والمسجد الحرام والنبوي يفوق مداخيلها منهما وهو شرف عظيم للسعوديه . فتاكديمن مصادرك .

2017-09-07

 
مي فاروق
 
أرشيف الكاتب
أضحية كانت .. أم ضحية؟
2017-09-06
الجنية الزرقاء وحبة القمح
2017-05-09
تنويعات على جسد مصري لا متجانس
2017-03-27
المزيد

 
>>