First Published: 2017-09-29

البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر

 

لن ينجو مجلس التعاون الخليجي بنسخته المعروفة من تداعيات الأزمة مع قطر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لا يغيب عن بال الخليجيين أنهم يعيشون مفترقاً مفصلياً في تاريخ البيت الخليجي، وربما لا سابق له منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي. ولا يغيب عن بال العواصم الخليجية، لاسيما تلك المنخرطة بقوة وهمّة داخل الأزمة الحالية مع قطر، أن إدارة الأزمة القطرية تستدعي كفاءة ومواهب، إضافة إلى وعي لكافة تعقيدات عالم هذا اليوم. يكتشف الخليجيون أن حدّة النزاع الحالي لا تنفع معه توليفات علاجية بيتية تنتهي بتطييب الخواطر، وأن مخارج الأزمة يصعب استشرافها كلما امتد زمنها، لا سيما أن العالم بات دون شك متموضعا مع مأزق طويل الأمد.

اعتاد أهل الخليج في السجالات السابقة التي شهدها البيت الخليجي على إدارة للأزمات وفق مواقف متبادلة تقتصر على أصحاب المواقع الرسمية ومنابر الدول الإعلامية. غير أن ما يجري هذه الأيام، ومنذ قرار المقاطعة في 5 يونيو الماضي، تمدد باتجاه النسيج الإجتماعي لكافة الدول الخليجية، لا سيما تلك المعنية مباشرة بالصراع، ليس تعصبا بالمعنى البدائي، بل لأن مآلات هذا الصراع ستتداعى مباشرة على مصائر العامة كما على مصير المنظومة السياسية الخليجية.

قد تكون أزمة هذه الأيام امتدادا للأزمة الخليجية "البيتية" في عامي 2013-2014، لكن مواطن المقارنة ضيقة إذا ما قورنت بالأسقف العالية للازمة الراهنة وبالانخراط الواسع لكافة عواصم القرار الكبرى، لا سيما لجهة الكشف، من جديد، عن أهمية منطقة مجلس التعاون بالنسبة للعالم أجمع.

أماطت الأزمة اللثام عما كان معروفا، لكنه بات واضحا، من تشعب العلاقات الخليجية مع دول العالم. هي علاقات مع إحدى اهم المناطق الاستراتيجية للطاقة في العالم، وهي علاقات مالية واقتصادية واستثمارية متبادلة مع كافة دول الخليج، وبالتالي للعالم مصلحة مباشرة في بقاء وضمان وحدة واستقرار المجلس، ذلك أنه بنى وفق "حتميتهما" واستشرف خططه الاقتصادية على أساس كونهما ثابتين نهائيين داخل فضاء الدول الست.

على أن الأزمة التي داهمت الخليج أظهرت للعيان نظاماً دولياً مربكاً ركيكيا يمارس كالجميع دور المتفاجئ. كشفت الازمة ظاهرة لافتة تكمن في عجز العواصم الكبرى عن فرض رؤيتها وأجندتها على بلدان المنطقة. كانت أعراض هذا العجز قد ظهرت مع اندلاع "ربيع" العرب، حين قاومت المنطقة بأدواتها الرسمية والشعبية انتشار الاسلام السياسي رغم تواطؤ أو رضى ظهر في مقاربات مرتجلة لهذه العاصمة الكبرى أو تلك.

بدا أن المنطقة، أنظمة وشعوبا، تقاوم الارهاب فيما بان أن المقاربة الدولية بطيئة انتقائية تخضع لوجهات نظر. كان جلياً أن العالم لم يستطع، وهو يسعى بصعوبة، لفرض اجندته في ليبيا وسوريا واليمن، فيما يتولى لاعبو المنطقة بأنفسهم ترتيب الملفات وفق مواقيت محلية لا تلتقي بالضرورة مع مواقيت الخارج. وفي ظل هذا المشهد أبرزت أزمة قطر عجز كافة العواصم عن فرض حل كنا نتصور انه كان من اليسر فرضه قبل عقود.

تكشف الأزمة أيضا زيف ولبس الموقف الدولي من مسألة العلاقة مع الإسلام السياسي. استخدم الغرب جماعات الإسلام السياسي تاريخيا في مقارعته للاتحاد السوفياتي وأنظمة العالم الثالث اليسارية الثورية. رعت العواصم نمو الجماعات لتحصين الشرق، لاسيما العربي-الإسلامي، من أي إختراق ترتكبه "أمبراطورية الشر" بزعامة موسكو. توافد برلمانيو أوروبا كما شيوخ الكونغرس الأميركي لالتقاط الصور مع "المجاهدين" (وفق التسمية الغربية آنذاك) في أفغانستان. وعلى الرغم من تحوّل الجهاديين إلى إرهابيين (وفق التسمية الغربية أيضا)، وعلى الرغم من إسقاط المنطقة لتوسّع وهيمنة الإسلاميين في موسم "الربيع العربي"، إلا أن هذه العواصم ما زالت مترددة خجولة في القطع مع سلوكيات سابقة احتضنت الإسلاميين بصفتهم خيارا من خيارات هذه العواصم في العالم.

لم يكن الدور القطري لينجح لو لم تكن البئتين الدولية والاقليمية تسمح وربما تحتاج له وترعاه. كان "الاستثناء القطري" يقوم على أساس استعداد الدوحة لأداء وظائف مطلوبة من هذه العاصمة او تلك، او جهوزيتها لاقتراح دور لا يرى العالم مانعاً من التعامل معها. لكن اهمية الوظيفة القطرية تكمن في انها صادرة عن دولة خليحية عضو كامل في مجلس التعاون الخليجي. وبالتالي فإن الأزمة الحالية التي شلّت حالياً هذه العضوية وقد تصل إلى حدود انهائها من المنظومة الخليجية، يفقد قطر أهم مزاياها وبالتالي قد يقوّض كافة وظائفها.

لكن مهما كان الموقف الدولي، فإن منطقة الخليج دخلت في أزمة تتجاوز مسالة الاختلاف والتميّز والتفرد وخصوصية الدول الأعضاء في مجلس التعاون. هي أزمة وجود وبقاء للمنظومة الخليجية، ولا يمكن أدراك المعضلة إلا وفق كونها صراع إرادات يروم إنهاء "الاستثناء القطري"، سواء بأعلى السقوف التي تتمناها دول المقاطعة أو بسقوف تسووية محتملة تؤمّن اتساق قطر مع المزاج الخليحي العام

تتأسس مسارات الازمة على قاعدة التعايش مع حالة قطيعة طويلة الامد تتأكد يوما بعد يوم ويتأكد العالم من حقيقتها. أوقفت العواصم الكبرى التبرع بآرائها في أمر النزاع الحالي باتجاه تعايش مع الامر الواقع الجديد متذرعة بالتحصّن وراء الوساطة الكويتية. ووفق هذه الحقيقة بات كل ما تم ارتجاله دبلوماسيا واعلاميا، محلياً ودولياً، يتجه للتمأسس ليصبح من أبجديات العلاقة الجديدة مع قطر. وفي الكلام الذي صدر عن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من أن المقاطعة قد تستمر لسنوات ما ينم عن تموضع حقيقي بات معتمداً.

لن ينجو مجلس التعاون الخليجي بنسخته المعروفة من تداعيات الأزمة مع قطر. ربما يجب التذكير بأن حوافز إنشاء المجلس تاريخيا كانت لأسباب أمنية، وبالتالي لم يكن المجلس في كينونته الأصلية إلا منظومة أمن استراتيجي، فيما أن الأزمة الحالية هي أزمة امن استراتيجي. فدول المقاطعة، ومن خلال اعتبارها أن قطر تشكل خطرا استراتيجيا على أمن واستقرار دول الخليج، تعتبر أن ما كان خطرا خارجيا برر إنشاء المجلس، بات خطر داخليا يضع علامات استفهم على نجاعة المجلس في شكله ومنظومته الحالية.

وفي امتداد المقاطعة لتشمل دولة من خارج المجلس، هي مصر، ما يؤشّر إلى أن هذا الامن الخليجي المهدد بات يحتاج الى امتدادات إقليمية تتجاوز دول المجلس الست، وهو أمر سيبدل من قواعد العمل الحالي باتجاه احتمالات أخرى يرفدها جدل سابق أثير قبل سنوات حول نجاعة ضم الأردن والمغرب إلى المجلس لتحصين مناعته ودفاعاته.

ومع ذلك فإنه حري، حتى لو بات احتمال التمدد وارداً، صيانة وترميم الوحدة بين الدول الخمس الأخرى (أي بغض النظر عن الخلاف مع قطر)، لإرساء واقعية جديد تأخذ بالاعتبار عدم نضج المجلس لخوض غمار مغامرات من نوع "الاتحاد" و"الوحدة النقدية" و"الجيش الخليجي"، والتي لطالمات ولّدت تحفّظات ورفض يظهر أن السرعات الوحدوية لا ولن تتناسب مع خصوصيات وحساسيات الدول الأعضاء.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
الدولة والدويلة في صلح حماس والسلطة!
2017-10-06
البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر
2017-09-29
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
المزيد

 
>>