First Published: 2017-10-16

تيان شويه يوان يؤكد أن الشيخوخة هي مأزق القرن الـ 21

 

كتاب 'التحول الديموغرافي في الصين ومأزق الدخول المتوسطة' يتناول الشيخوخة السكانية من كافة نواحيها ويفند الجوانب المختلفة لها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

لا بد أن نتعامل بشيء من العقلانية تجاه هذه المشكلات

تعد مشكلة الشيخوخة السكانية من أخطر المشكلات التي تواجه العالم حالياً، وتهدد مجتمعات كاملة بما فيها دول صناعية كبرى، فالأزمة هنا أزمة بقاء تتصل بوجود المجتمع من الأساس وتتعلق بقدرته على الحفاظ على أسباب نموه.

ومن هنا جاءت أهمية هذا الكتاب "التحول الديموغرافي في الصين ومأزق الدخول المتوسطة" للبروفيسور تيان شويه يوان عضو الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، والذي يتناول الشيخوخة السكانية من كافة نواحيها ويفند الجوانب المختلفة لها والأسباب التي تسرع من حدوثها أو تبطيء من تداعياتها، وكذلك يتناول الطرق التي اتبعتها الصين للتخفيف من وطأة تلك الأزمة على المدى البعيد.

وتتضاعف أهمية هذا الكتاب الذي يعد أحدث اصدارات سلسلة "قراءات صينية" التي يشرف ويراجعها مراجعة د. حسانين فهمي حسين الأستاذ المساعد بكلية الألسن جامعة عين شمس، وترجمه محمد عبدالحميد، عندما يتناول تلك الأزمة من وجهة نظر الصين، تلك الدولة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بنموذجها الباهر في التنمية الاقتصادية، فهي الدولة النامية الأكبر في العالم، وهي الدولة التي تزاحم مصاف الدول المتقدمة منذ الثمانينيات باقتصادها الذي بات اعتلاؤه قمة العالم مسألة وقت؛ وهي مضرب المثل في التعامل السليم مع المشكلات الاقتصادية والتنموية والسكانية؛ وبالتالي وبسبب كل هذا أصبح تعاطيها مع مشكلة الشيخوخة السكانية مثلاً تحتذي به الدول المتقدمة قبل الدول النامية، وإن كانت الدول النامية أكثر استفادة بحكم تشابه الظروف وتقارب التحديات، فمازالت الصين حتى الآن دولة نامية.

وكون الصين كما أوضح الكتاب الصادر عن دار صفصافة دولة نامية فقد فرض عليها أن تواجه الشيخوخة السكانية خلال القرن الواحد والعشرين بينما هي تبحث عن مخرج من مأزق الدخول المتوسطة، والتي تحتاج خلاله إلى أقصى الطاقات والقدرات لتجاوزه والتخلص من تبعاته، وبالتالي جاء أيضاً نموذج الصين في المواجهة المزدوجة للشيخوخة السكانية ومأزق الدخول المتوسطة، وكذلك توظيف الجوانب الإيجابية للشيخوخة السكانية في سبيل التخلص من ذلك المأزق بمثابة نموذج نادر يجب دراسته ووضعه موضع التنفيذ.

ويتكون كتاب "التحول الديموغرافي في الصين"، من مقدمة عامة، بالإضافة لسبعة مباحث تتكون من ثمانية وعشرين بابًا. وتبدأ المقدمة العامة بإجراء تحليل لسلسلة من مآزق التنمية خلال تاريخ التنمية البشرية، ومنها مأزق الدخول المتوسطة. ويتبين من خلال ملاحظة تاريخ التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم؛ أنه بالرغم من العوامل المتعددة التي تتسبب في انزلاق الدولة إلى براثن مأزق الدخول المتوسطة مثل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، إلا إن النقطة المشتركة هي عدم حدوث التغيرات في التركيبة العمرية السكانية، وظهور ما يعرف بظاهرة السن الذهبي، أو عدم الإدراك السليم لخصائصها ومميزاتها برغم الوصول إليها، وهي التغيرات التي تحدث في مرحلة التوجه للشيخوخة، أو في المراحل الأولى من الشيخوخة، والتي تتمثل - بشكل عام - في ارتفاع نسبة الشريحة العمرية القادرة على العمل وانخفاض نسبة الشريحة العمرية المعالة، سواء كبار السن أو صغار السن، وعدم استغلال الظواهر المتاحة في ذلك الوقت مثل الربح السكاني، والعائد السكاني في دفع التنمية.

والنتيجة ليس فقط الفشل في دفع التنمية، بل رفع معدلات البطالة مع ارتفاع نسبة القوى العاملة، وسيكون الأمر بمثابة حجر عثرة في طريق الاقتصاد الوطني، ومن ثم لا يمكن التوصل إلى حل للمشكلات التي تظهر أثناء الانتقال من مأزق الفقر إلى الدخل المتوسط، مثل التخلف الاقتصادي والتكنولوجي، وعدم منطقية الهياكل الإنتاجية، والاستقطاب الحاد بين الفقراء والأغنياء، والتمدن المشوه، وانتشار الفساد، وتفاقم الاضطرابات الاجتماعية، وغيرها من المشكلات، الأمر الذي يؤدي - في النهاية - إلى اندلاع تلك التناقضات المتراكمة، والسقوط في براثن مأزق الدخول المتوسطة.

وقد أوضح البروفيسور تيان أن الإحصائيات والتوقعات السكانية للأمم المتحدة بينت أن القرن العشرين هو قرن الانفجار السكاني، وأن عدد سكان العالم - خلال مئة عام - قد ازداد من مليار و650 مليون نسمة إلى ستة مليارات و120 مليون نسمة، أي بمعدل زيادة قدره 2.7 ضعف، كما أن القرن الواحد والعشرين هو قرن الشيخوخة السكانية، وسترتفع نسبة كبار السن فوق الخامسة والستين في العالم من 5.2% إلى 19%، أي إنه ارتفع بمقدار 13.8 نقطة مئوية، وستكون الصين في مقدمة دول الشيخوخة بسبب سرعة ومستوى الشيخوخة السكانية بها، كما سيتزامن "مأزق الدخول المتوسطة" مع المراحل الأولى من الشيخوخة، كما أن تحقيق الصين الخروج الآمن من "مأزق الدخول المتوسطة" ستلعب فيه المواجهة العلمية لتحديات الشيخوخة السكانية دورًا حاسمًا.

وقال "ما زالت الصين - حتى الآن - الدولة الأولى في عدد السكان في العالم، ولكن طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن الهند يمكن أن تحوز هذا اللقب قبل عام 2030، وسنكون سعداء لزوال هذا اللقب، والسبب في ذلك - طبقًا لآخر التحليلات - يرجع إلى الانخفاض المستمر - على المدى البعيد - في معدلات المواليد والمعدلات الإنجابية، وسيكون هذا بمثابة نتيجة التغيرات في التركيبة العمرية للسكان.

المترجم

وتعد شيخوخة التركيبة العمرية السكانية بمثابة اتجاه كبير في التغيرات السكانية في العالم خلال القرن الواحد والعشرين، وهو الاتجاه ذو التأثير والدور الأعمق والذي يستوجب الاهتمام في التغيرات السكانية الصينية، وستؤثر الشيخوخة السكانية في الصين- خلال القرن الواحد والعشرين- تأثيرًا مباشرًا تجاه التنمية والتغير في جميع النواحي السكانية والاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية، وستحمل كلها وسم الشيخوخة السكانية، ومع مستوى الدخل المتوسط- والذي وصلت إليه الصين حاليًا - فإن تحقيق الخروج الآمن من "مأزق الدخول المتوسطة" يستوجب عدم إهمال تأثير ودور الشيخوخة السكانية، وهذا هو الهدف من كتابنا "التحول الديموغرافي في الصين"، حيث إن توضيح الفرص والتحديات التي تتيحها الشيخوخة السكانية لتجاوز "مأزق الدخول المتوسطة"، يقدم خيارات مناسبة لاتخاذ القرار تنطلق من الواقع وتستوعب - بشكل تام - التجارب السلبية والإيجابية للمجتمع الدولي، كما تقدم لـ "الخطة الخمسية الثانية عشرة" وللتنمية الاجتماعية والاقتصادية والسكانية نتائج بحثية لها قيم عملية وواقعية.

وكشف البروفيسور تيان أن نتائج مسح بالعينات الذي شمل 1% من عموم سكان الصين بينت أن 15.2% من كبار السن الذين بلغوا سن الستين وأكثر غير قادرين على إدارة شؤون حياتهم بأنفسهم، ويشغل الذكور 17.1%، بينما يشغل الإناث 12.9%، وقد بينت نتائج تحليل قدرات الآباء والأمهات كبار السن على إدارة شؤون حياتهم بشكل مستقل والتي قدمها الأبناء خلال المسح الذي شمل سبع مقاطعات عام 2010 إن 46.42% من الآباء والأمهات قادرين على إدارة شؤون حياتهم بشكل مستقل وقادرين على العمل، وإن هناك 45.65% من الآباء قادرين على إدارة شؤون حياتهم بشكل مستقل وليسوا قادرين على العمل، وهناك فقط 7.93% ليسوا قادرين على إدارة شؤون حياتهم بشكل مستقل ويحتاجون للرعاية، وبينت كذلك أن 34.55% من الأمهات قادرات على العمل وعلى إدارة شؤون حياتهن، وإن 55.1% من الأمهات قادرات على إدارة شؤون حياتهم، ولسن قادرات على العمل، وإن هناك 9.28% من الأمهات لسن بقادرات على إدارة شؤون حياتهن وبالتالي يحتاجون للدعم والرعاية، وعلى المستوى الكلي، ترتفع قدرة كبار السن من الذكور على إدارة شؤون حياتهم عن قدرة كبار السن من الإناث.

وأضاف أن بيانات مسح المقاطعات السبع لعام 2010 كشفت أن كبار السن أنفسهم يضعون ترتيبًا للأكثر مساعدة لهم في شؤون حياتهم اليومية كالآتي: الزوج ثم الابن ثم الابنة ثم زوجة الابن، ونسبهم بالترتيب هي 41.2%، و33.3%، و13.6%، و4.7%، ثم يأتي زوج الابنة، وباقي الأقارب، وكذلك تنخفض النسبة التي تشغلها المؤسسات الحكومية لرعاية المسنين، ومن زاوية النوع فإن ترتيب الأكثر مساعدة في شؤون الحياة اليومية بالنسبة لكبار السن الذكور والإناث يضع في المقدمة الزوج والابن، وترتفع أهمية زوجة الابن والابنة بالنسبة لكبار السن من الإناث بشكل طفيف عن أهميتهما بالنسبة للذكور. كما كشفت بيانات مسح المقاطعات السبع لعام 2010 أن كبار السن يعتمدون في أوقات مرضهم حسبما يقولون على الزوج ثم الابن ثم الابنة ثم زوجة الابن بترتيب الأهمية، وقد كشف تقرير الأبناء أنه في أوقات مرض كبار السن فإنهم يعتمدون على الابن ثم الابنة ثم زوجة الابن بترتيب الأهمية.

وأكد البروفيسور تيان أن تحليل بيانات مسح المقاطعات السبع لعام 2010 بخصوص كبار السن في سن 65 وما فوق بأنفسهم حول مساعدة أبنائهم لهم في قضاء المهام المنزلية يظهر بشكل عام إن 20.5% من الأبناء والبنات يساعدون الوالدين يوميًا في قضاء المهام المنزلية، وإن 7.2% من الأبناء والبنات نادرًا ما يفعلون ذلك، بينما 21% من الأبناء والبنات لا يساعدون الوالدين إطلاقًا، أما النسبة الباقية فتأتي عدة مرات كل أسبوع أو كل شهر أو حتى كل عام لقضاء المهام المنزلية، ومن زاوية الحضر والريف، تقل نسبة مساعدة الأبناء والبنات للوالدين في الريف عن الحضر في القيام بالمهام المنزلية بشكل يومي وفي الحضور الأسبوعي للمساعدة، أما نسبة من يعزفون نهائيًا عن المساعدة فهي أكبر في الريف عنها في الحضر.

ورأى إن حل الشيخوخة السكانية في مرحلة الدخول المتوسطة وما يتعلق بها من مشكلات يكمن بشكل كبير في الاعتماد على تفعيل الإجراءات الاجتماعية. وقال "إن مشكلات تعميم انتقال العمالة الريفية إلى مجالات غير ريفية، وتسارع التمدن السكاني، وانكماش المجتمع الزراعي، وارتفاع مستوى الشيخوخة السكانية وعدم اكتمال نظم الضمان الاجتماعي الخاص بالمعاشات، هي مشكلات عامة تشترك فيها الصين مع العديد من الدول ذات الدخول المتوسطة، بينما يكمن الاختلاف في البروز النسبي لسمات ازدواجية الريف والحضر في نظم الضمان الاجتماعي في الصين، ويضع نظام تسجيلات الأسر العوائق أمام الانتقال السكاني، ولذلك توجد بكثرة ظاهرة الفصل الجغرافي بين أفراد الأسرة الواحدة المباشرين، ومن ثم توجد قيود كثيرة أمام قيام الأبناء بواجباتهم في رعاية الآباء، كما أن سياسات تحديد النسل، لا سيما التطبيق الواسع لسياسات الطفل الواحد، قد تسببت في عجز للموارد البشرية للعناية الأسرية بكبار السن، ولا بد أن نتعامل بشيء من العقلانية تجاه هذه المشكلات، سعيًا للوصول إلى حل:

أولا: تلبية متطلبات تحول المجتمع، ودفع الجهود الرامية لبناء نظام موحد لضمان المعاشات في الحضر والريف.

ثانيا: ترتيبات رعاية كبار السن للآباء ذوي الطفل الواحد والاهتمام الكامل بمطالب الخدمات الاجتماعية.

ثالثا: إقامة نظم متعددة لخدمات وضمان المعاشات.

رابعا: حماية مصالح كبار السن على مستوى النظام.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
يمنى طريف الخولي: هل يفترض التحرر من الموروث للبحث عن موروث آخر؟
2017-12-03
مهند النداوي يحذر: إسرائيل تعمل إلى إقامة دولتها العظمى في المنطقة العربية - النيلية
2017-12-01
خبير صيني يؤكد أن الإصلاحات الكبرى ساعدت على رفع مستوى معيشة الشعب
2017-11-30
باحث يمني يرصد دينامية التحولات البنيوية ومستوياتها في حركة التنوير الأوروبية
2017-11-28
دارة الفنون تحتفي بأول مصوّرة عربيّة فلسطينيّة
2017-11-27
المزيد

 
>>