First Published: 2017-11-02

البعد الغائب لحل الأزمة الليبية

 

جهات ليبية تريد اثبات وجودها في المعادلة السياسية، وأخرى تسعى للحصول على جزء من الكعكة، وثالثة وكيلة عن قوى تقدم التأييد والدعم والتمويل اللازم لخلط الأوراق كلما اقتربت الأزمة من الحل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الحوارات والمفاوضات والتحركات التي تشهدها الأزمة الليبية، لم تتمخض حتى الآن عن خطوات ملموسة لحلحلتها سياسيا، لأن غالبية الأطراف المنخرطة في الأزمة تبحث عن مصالحها، وتصر على التعامل معها من منطلق التهدئة وعدم التصعيد فقط، ويبدو أن ميل دوائر كثيرة لتأييد صيغة عدم وجود غالب ومغلوب، أصبحت مريحة لها.

اللف والدوران والإيحاء أن هناك عملية سياسية جارية، تحول إلى هدف في حد ذاته، ومبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة مصمم على عدم استكمال المسيرة من حيث انتهى سلفه مارتن كوبلر، الذي استغرق وقتا طويلا ليضع يده على المفاتيح الرئيسية للأزمة، ولم ينتبه لها سلامة جيدا، وأدار حوارا مع أطراف ليبية عديدة في تونس لتعديل اتفاق الصخيرات، دون أن يتمكن من الوصول لنتيجة إيجابية، لأن من شاركوا انصب همهم على اثبات الحضور وليس التوصل إلى حلول تتفق مع طبيعة التشابكات التي دخلتها الأزمة.

مشكلة المبعوث الأممي أنه يتعامل مع الأزمة باعتباره لبناني عربي وقادر على فهم المكونات والأطياف أكثر من أي جهة أخرى، ويصمم على معرفة كل كبيرة وصغيرة بنفسه، ويفتح مجالا للنقاش مع أطراف ليس لها وجود طاغ على الأرض، لكن لها امتدادات داخلية وخارجية معطلة ومعلومة، ويصمم على تجاهل هذه المحددات ويبتعد عن الضغط على الخيوط التي تحرك هؤلاء.

الاجماع الدولي الذي حظي به اتفاق الصخيرات أصبح على المحك، وعملية تمديده لمدة عام لادخال بعض التعديلات (ينتهي في 17 ديسمبر المقبل) لم تسفر عن التوصل لصيغة تلبي رغبة الأطراف الليبية الفاعلة، بما يسمح باضفاء صبغة قانونية جديدة، لأن لقاءات تونس تحولت إلى ما يشبه "حوار طرشان".

ولا توجد حوافز أو جهود ضاغطة تجبر الجهات المشاركة على الالتفاف حول تعديل الاتفاق، ولا حتى رؤية واضحة من المبعوث الأممي تقنعهم بجدوى التفاهم حول طريقة توقف مشكلة صلاحية الصخيرات، لأن الفراغ الناجم عن عدم تطويره يمكن أن يفضي إلى زيادة نسب الانسداد السياسي والأمني والقانوني.

الدكتور غسان سلامة لديه خبرة تؤهله للقيام بدور مؤثر في حل الأزمة، شريطة الاستفادة من الدروس والاتجاه مباشرة نحو الجهات المحلية والإقليمية والدولية التي تملك شفرات للتسوية، لأن فتح قنوات اتصال مع كل صاحب ميليشيا أو انتماء قبلي صغير سيدخله دوامة طويلة من الحوارات.

الحاصل أن هناك جهات تريد اثبات وجودها في المعادلة السياسية، وأخرى تسعى للحصول على جزء من الكعكة في مرحلة لاحقة، وثالثة وكيلة عن قوى تقدم التأييد والدعم والتمويل اللازم لخلط الأوراق كلما اقتربت الأزمة من الحل.

المفترض أن يتجه المبعوث الأممي إلى الوكلاء مباشرة وليس من ينوبون عنهم، لأنهم لن يتخذوا موقفا أو يؤيدوا قرارا ما لم تمنحهم الجهة أو الجهات التي توفر لهم الغطاء والحماية الموافقة صراحة.

بالطبع ثمة دوائر ليبية فاعلة وتملك قوة مادية ومعنوية ومن السهولة التحاور معهم، بعد أن وصلوا إلى قناعة تشي بأن استمرار الأزمة سوف تنعكس تداعياتها عليهم، ولدى معظمهم رغبة للانخراط في تسوية تتوافر لها شفافية كافية، تحرص في النهاية على التوصل لصيغة تضمن وحدة الدولة الليبية، وتنهي عصر الميليشيات الذي انتعش في غياب التفاهمات الداخلية وتعدد الولاءات الخارجية.

من المهم أن يبدأ سلامة بالقوى التي تقف وراء استمرار هذا العصر، بالتواطؤ والتقاعس والتراخي، أو وضع العصي بين عجلات العربة للحفاظ على جمودها، وتوجد دول غربية تتدخل لتخريب التسوية طالما لا توفر لها الحد الأدنى من تحقيق مصالحها، ودول تتعامل مع الأزمة كأداة لتفريخ الهجرة غير الشرعية وتسعى لفرملتها في هذا الاتجاه، ودول ترى أن محاصرة الإرهاب داخل ليبيا وعدم امتداده إليها هدف مركزي وتتغافل عن أي افرازات على دول الجوار.

غياب الرؤية الشاملة للوصول إلى تسوية عادلة وعلاج أزمة الهجرة ومكافحة الإرهاب وفقا لآلية موحدة، مدخل مناسب للتخلص من عدد كبير من الشرور التي تجتاح ليبيا، وعلى المبعوث الأممي البدء من هذه الزواية وعدم الرضوخ لتقديرات قوى تعتقد أن الحل يأتي من الداخل فقط.

تجربة الأزمة السورية أثبتت أن التدخلات الكثيفة كانت سببا لتعقيد الأزمة، ولم يتم وضعها على طريق الحل إلا بعد أن اقتنعت قوى كثيرة أن عبثها لعب دورا مهما في وصولها إلى المستوى الدرامي الذي وصلت إليه، وبدأت المعارضة في تليين مواقفها عقب رفع الغطاء عنها، وتمكنت المؤسسة العسكرية من فرض إرادتها على معظم الأراضي السورية.

نعم تم ذلك بمساندة روسية، لكن يبقى أن القوى الإقليمية والدولية أضحت مقتنعة بأهمية انتهاء مهزلة تنوع وتشتت الولاءات، والتي أفرزت تيارات متعددة، بعضها يميل للعنف بقسوة، وتحول هؤلاء إلى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في وجه قوى مختلفة.

الحال في ليبيا ليس بعيدا عن سوريا من حيث الابتزاز والاستقطاب والتفسير والتوصيف والعلاج، ومن الضروري تمكين الجيش الوطني من فرض سيطرته على الأجزاء الباقية من ليبيا، والضغط على الميلشيات والقوى الخارجة عن الشرعية للقبول بفرض سيطرته على جميع الأراضي، والانتهاء من تعديل اتفاق الصخيرات، بما يمنح المشير خليفة حفتر ضمانات تمكنه من الحفاظ على وحدة الجيش والدولة، واختيار حكومة تمثل الأطياف الليبية الأساسية، وفقا لمعادلة تأخذ في حسابها الأوزان النسبية للقوى السياسية والعسكرية والقبلية والمناطقية.

البعد الغائب في تعامل المبعوث الأممي مع الأزمة الليبية يكمن في أهمية التعجيل بالتوصل إلى صيغة شاملة للتفاهم، من الداخل والخارج معا، لأن التركيز على جناح واحد يضاعف من صعوبة التسوية، ويجعلها عرضة لمزيد من التجاذبات وتهيئة الأجواء لانتعاش سوق الإرهاب، لذلك يمثل سد الثغرات نقطة البداية، إذا أراد سلامة حفر اسمه ويصبح العربي الذي وضع الأزمة الليبية على طريق التسوية الصحيحة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>