First Published: 2017-11-13

وأخيرا،. طفح الكيل!

 

سعد الحريري سار بـ'التسوية' اكثر من اللازم تاركا حزب الله يسرح في لبنان بعد انتصاراته في سوريا ويمرح في اليمن الى درجة قصف المملكة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. صلاح ابو الحسن

سقطت التسوية التي أوصلت مرشح 8 آذار العماد ميشال عون الى سدّة رئاسة الجمهورية وسعد الحريري الى رئاسة الحكومة، وبعد ان انتهت مفاعيل التسوية أُسقط الحريري. وقد يُكمل الرئيس ميشال عون عهده بادارة الأزمة، حيث يصعُب ايجاد رئيس حكومة بديل و"قوي" من الطائفة السنية، واذا وُجد، فان تشكيل حكومة "وحدة وطنية" يُعتبر من سابع المستحيلات، خاصة في ظروف الإنقسام الحاد الذي يشهده لبنان اليوم. وفي أحسن الحالات قد نشهد حكومة تصريف أعمال، (بسبب عدم نيلها ثقة المجلس النيابي) تستمر حتى نهاية العهد "القوي"!

من هنا، يمكن القول اننا مقبلون على مرحلة فراغ طويلة وقاتلة. صحيح ان التسوية جاءت بمباركة سعودية - ايرانية، فالسعودية ارادت اختبار ايران في لبنان، ولطالما كان لبنان الساحة المفتوحة للآخرين، واختبار مدى جديتها في الوصول الى توافق في المنطقة الملتهبة أصلا، فيما اعتبرت ايران انها رابحة – رابحة بايصالها مرشح حزب الله الأول العماد ميشال عون.

وصل فعلا ميشال عون الى سدّة الرئاسة بالإنتخاب بما يشبه الإجماع، في 31/10/2016، وكلّف سعد الحريري بتشكيل الحكومة في 3/11/2016، وهذا متفق عليه.

لكن حساب "حقل" الرئيس الحريري لم يكن متوافقا مع "بيدر" الرئيس عون، الذي لم يصمد طويلا امام ما التزم وتعهد به في خطاب القسم.

ورد في خطاب القسم عناوين هامة ربما دفعت الحريري الى الإلتزام بانتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية رغم المعارضة الواسعة من محيطه السياسي والشعبي، لكنه قفز قوق كل المعارضات وغامر بانتخاب رئيس من فريق الثامن من آذار.

أبرز عناوين خطاب القسم:

- الاستقرار السياسي - احترام الميثاق والدستور والقوانين من خلال الشراكة الوطنية - تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني - الإبتعاد عن الصراعات الخارجية - احترام ميثاق جامعة الدول العربية - اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا - احترام القانون الدولي - تعزيز الجيش - رئيس الجمهورية هو ضامن الأمان والإطمئنان.

للأسف من كل هذه العناوين، لم يتحقق شيئا تقريبا. زيارة الرئيس عون الاولى في 9 كانون الثاني 2016، كانت للسعودية واستبشر اللبنانيون خيرا لجهة الإنفتاح على الخليج وبرزت نتائجها الاقتصادية في لبنان سريعا، لكن هذه الإيجابيات تبددت بعد شهر، حيث استبق الرئيس عون زيارته الى مصر، باجراء مقابلة مع قناة CBC المصرية، سببت جدلا داخليا بدفاعه عن حزب الله وتأييده اللنظام السوري. وقال ان "الدول المشاركة في مؤتمر استانة اعترفت ببقاء بشار الأسد في الحكم، ولا عودة للأمن إلى سوريا دون جيش سوري قوي". وقال ايضا: "سيبقى سلاح حزب الله طالما ان الجيش اللبناني لا يتمتع بالقوة الكافية لمواجهة اسرائيل، وسلاحه الا يتناقض مع مشروع الدولة". ودافع عن مشاركة حزب الله في القتال بسوريا إلى جانب نظام الأسد.

من هنا بدأت الهواجس من انقلاب العهد على قسمه والتنكر لتعهداته، صحيح ان الرئيس غير ملزم بأي "تعهد" قبل انتخابه، لكنه ملزم ومقيد حتما، بكل حرف ورد في خطاب القسم، وما قاله في مصر، انما يخدم مصالح إيران وحزب الله، ويمهد الطريق لعودة لبنان ساحة لحروب الاخرين.

لذلك قال سعد الحريري في بيان الإستقالة في 4 تشرين الثاني: "حاولت ترسيخ مبدأ النأي بالنفس ولقيتُ في سبيل ذلك أذى كثيراً، وللأسف لم يزد هذا إيران وأتباعها إلا توغلاً في شؤوننا الداخلية والتجاوز على سلطة الدولة".

قد يقول البعض، ان هذا الكلام سعودي وليس حريريا. قد يكون هذا صحيحا ولكنه واقعي.

التسوية الرئاسية التي ذهب فيها سعد الحريري بعيدا، تأخر كثيرا في التصدّي لها، خاصة ان ايران وحلفاءها في لبنان تمادت في انتهاك مبادىء التسوية ونصوص القسم، ولم تتقدم خطوة واحدة تجاه الرئيس الحريري الذي بات من دون غطاء محلي او اقليمي او عربي وخاصة خليجي، وبالعكس شعر العالم ان الحريري بات غطاء شرعيا ورسميا ودستوريا واقتصاديا لفريق 8 آذار، وهذا صحيح، فالعلاقات اللبنانية الجليجية ازدادت سوءا، وازدادت اكثر تدخلات ايران وحزب الله والحوثيين في اليمن وطفح الكيل بقصف السعودية بصواريخ باليستية.

سعد الحريري سار بـ"التسوية" اكثر من اللازم تاركا حزب الله يسرح في لبنان بعد انتصارته في سوريا ويمرح في اليمن الى درجة قصف المملكة، فيما بالغ الرئيس ميشال عون بالتفاني في ميايعة حزب الله وانحيازه الى فريق 8 آذار، اما سعد الحريري فمارس لعبة "عين لا ترى قلب لا يُوجع"، بانتظار الفرج الذي لم يأت ولن يأتي ابدا، وصمت صمتا "مريبا" عندما طمأن فخامة الرئيس كل اللبنانيين بأن حلّ مسألة حزب الله تنتظر "حلّ قضية في الشرق الأوسط"، "وعيش، لينبت الحشيش".

والإطمئان زاد حتما بعد تصريحات حسن روحاني وعلي اكبر ولايتي الذي قال: "الإنتصارات التي تحققت في لبنان وسوريا والعراق ضد الإرهابيين والإتفصاليين تشير الى ان محور المقاومة قد حقق انتصار على مستوى المنطقة". والغريب ان يصدر كلام ولايتي من السراي الحكومي بعد إجتماعه بالرئيس الحريري، قبل يوم من تقديم اسنقالته، وربما يكون قد "طفح الكيل" سعوديا وحريريا، بعد هذه النصريحات "المهينة"!

والأغرب كيف ان كلام السبهان استفز الدولة و"أقلامها"، فيما لم نسمع تصريحا واحدا من الجهات الرسمية على كلام روحاني وولايتي.

المشكلة ان سعد الحريري رقص وحيدا ومنفردا على وهم التسوية، التي كان عليه ان يقرأ عنوانها يوم قال الرئيس ميشال عون: "ضعف الجيش اللبناني يحتّم الحاجة الى حزب الله"، وانه يتفهم "مبرّرات تدخّل ومشاركة إيران وحزب الله في الحرب السورية". ويوم خطف حزب الله انتصار الجيش اللبناني في معركة "القاع" والتسوية المشبوهة مع تنظيم داعش، لم نشهد أية حماسة من الجهات الرسمية لإبراز بطولات الجيش.

أغرب الغرائب، غزارة الحب والغرام الى درجة الإباحية، تجاه "المخطوف" الرئيس سعد الحريري، من قبل السيد حسن نصرالله وكل فريق 8 آذار وفريق "الممانعة، سبحان الله القادر وحده على تحويل الشياطين الى ملائكة وعملاء اسرائيل الى مناضلين وأبطال، هذا الغرام المريب يبقى موضع شبهة، فاذا كان الإخراج السعودي للإستقالة سيئا، فالإخراج الممانع اكثر سوءا!

 

د. صلاح ابو الحسن

كاتب لبناني

 
د. صلاح ابو الحسن
 
أرشيف الكاتب
وأخيرا،. طفح الكيل!
2017-11-13
'كأنه حُكم على اللبنانيين أن يحكمهم دائما الجهال'..
2017-10-20
إنتصار 'الأوهام' الكاذبة
2017-10-12
صنّاع الإرهاب هم صنّاع تقسيم سوريا
2017-09-21
حقيقة تؤلمك خير من كذبة ترضيك
2017-09-12
هل يُطلب دمج الجيش اللبناني بـ'حزب الله'؟
2017-09-04
من قانون 'الستين' الى قانون الفرز الطائفي
2017-06-12
'وثيقة عهد حوران' مشروع اسرائيلي خطير
2017-05-07
الجهل خلاّق أوهام في لبنان
2017-05-03
هل انتهى 'العهد' قبل ان يبدأ؟
2017-03-27
المزيد

 
>>