First Published: 2017-12-04

ايران ووقاحة البقاء في سوريا

 

لن تكون إيران قادرة على تحقيق اختراق في العمق في ايّ بلد عربي ما دامت تتصرّف كقوّة استعمارية من منطلق انّها مرجعية للميليشيات المذهبية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

عندما يتحدّث وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في مؤتمر انعقد أخيرا في روما، يتبيّن ان ايران تعتبر نفسها القوّة العظمى الاخرى في العالم وانّها حلّت مكان الاتحاد السوفياتي، السعيد الذكر. ما يتبيّن أيضا بالملموس هو ان لا وجود لجناح معتدل وآخر متطرّف في النظام الايراني. هناك بكل بساطة نمط واحد لتعاطي المسؤولين الايرانيين مع بقية دول المنطقة. هذا النمط هو نمط الاستعلاء واعتبار كلّ دولة من دول المنطقة، خصوصا الدول العربية، مجالا حيويا لإيران. من حقّ ايران، من وجهة المسؤولين فيها، ان تمارس نفوذها حيثما تشاء وبالطريقة التي تشاء من دون حسيب او رقيب.

يوجد داخل النظام الايراني جناح واحد فقط يعمل بإمرة "المرشد" علي خامنئي الذي يؤمن بانّ ايران دولة عظمى يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها. لو لم يكن الامر كذلك لما كان وزير الخارجية الايراني يستطيع ان يسمح لنفسه في المؤتمر المتوسطي الذي استضافته روما بتجاهل العملية السياسية المتعلقة بسوريا والتي كان مؤتمر جنيف بنسخته الثامنة فصلا من فصولها. بالنسبة الى ظريف، الذي اتى على ذكر مؤتمر استانا ثلاث مرات في كلمته، لا وجود لجنيف الذي يستند البحث فيه الى القرار 2254 الصادر عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة. هناك مؤتمر استانا فقط، وهو مؤتمر يحصر الموضوع السوري بين روسيا وايران وتركيا.

من الواضح، انّ هناك تصميما إيرانيا يتّسم بالوقاحة على البقاء في سوريا. عندما سئل ظريف متى ستخرجون من المنطقة العربية، خصوصا من الجنوب السوري أجاب "لن نخرج ابدا" مستخدما كلمة never الانكليزية. اكّد أيضا ان ايران "لا تأخذ أوامر من روسيا" وانّها لن تخرج من العراق او غيره. قال بالحرف الواحد: "لن نغادر المنطقة. نحن من المنطقة".

هل صحيح ان ايران من المنطقة وانّها قادرة على التعايش مع اهل المنطقة... ام انّها قوّة استعمارية لا اكثر؟

الجواب بكل بساطة ان ايران تتصرّف كقوّة استعمارية. ما تغيّر منذ "ثورة" الخميني في العام 1979 ان التصرّف الايراني تطوّر نحو الأسوأ، وذلك مقارنة مع ما كان عليه ايّام الشاه. كان هناك حدّ ادنى من العقلانية في عهد الشاه الذي كان يعتبر نفسه "شرطي الخليج". احتلّ الجزر الاماراتية الثلاث (ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) في العام 1971 بعدما اكّد الشعب البحريني في الاستفتاء الذي جرى بإشراف الامم المتحدة تمسّكه بالاستقلال. بالنسبة الى الشاه، كانت الجزر الثلاث تعويضا عن رفض البحرين ان تكون محافظة إيرانية. المؤسف ان شيئا لم يتغيّر منذ 1971. تتمسّك "الجمهورية الإسلامية" بسياسة الشاه وما زالت تحتلّ الجزر الاماراتية الثلاث رافضة ايّ تفاوض في شأنها.

في مرحلة ما بعد "الثورة"، لم تعد هناك حدود للطموحات الايرانية. قد يكون ذلك ناجما الى حاجة النظام الى متابعة عملية هروبه الى امام في غياب القدرة على حلّ أي مشكلة داخلية يواجهها. كان الشعار الذي رفعته "الثورة الإسلامية" هو الاستغناء عن مداخيل النفط. مع مرور الايّام، صارت ايران تعتمد على النفط اكثر فاكثر، وذلك بدل توظيف إمكاناتها من اجل رفاه شعبها وتحسين مستوى المعيشة والعمل على تطوير قطاعات اقتصادية اخرى.

ينمّ كلام وزير الخارجية الايراني عن وقاحة ليس بعدها وقاحة واستخفاف بالعرب عموما والشعبين السوري والعراقي على وجه التحديد. استند ظريف لتبرير الوجود العسكري الايراني في سوريا الى "دعوة" من "حكومة شرعية". منذ متى هناك حكومة شرعية في سوريا. هل يمتلك النظام السوري القائم على أجهزة امنية مهمّتها قمع الشعب، شرعية من ايّ نوع؟

في سياق القاء ظريف لكلمته في روما، اعترض عدد من الحضور على استخدامه عبارة "الخليج الفارسي". ردّ على المعترضين بان طلب منهم "قراءة التاريخ". لعل افضل ردّ على تمسّك ظريف بالوجود العسكري الايراني في سوريا دعوته الى قراءة التاريخ أيضا. يقول التاريخ ان لا مكان لإيران في سوريا ولا في ايّ دولة عربية، بما في ذلك العراق ولبنان. استطاعت ايران تغيير طبيعة قسم لا بأس به من المجتمع الشيعي في لبنان. لكنهّا لن تستطيع تغيير طبيعة المجتمع اللبناني، حتّى لو بدر عن بعض المسيحيين ما يشير الى جهلهم في ايران ومشروعها التوسّعي.

ليس هذا الكلام نابعا من شعور ذي طابع شوفيني بمقدار ما انه يستند الى واقع يتمثّل في ان الاستثمار في اثارة الغرائز المذهبية لا يمكن ان يبني علاقة بين ايران وايّ شعب عربي. كلّ ما هناك انّ ايران لن تكون قادرة على تحقيق اختراق في العمق في ايّ بلد عربي ما دامت تتصرّف كقوّة استعمارية من منطلق انّها مرجعية للميليشيات المذهبية التي اسستها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتّى في البحرين.

اذا كانت ايران تريد ان يكون لها بالفعل وجود في هذه الدولة العربية او تلك، يفترض بها التخلي عن الذهنية التي تحكّمت بالنظام منذ العام 1979. هناك للمرّة الاولى إرادة عربية واضحة في التصدي للاطماع الايرانية، خصوصا بين دول الخليج، على رأسها المملكة العربية السعودية. صحيح انّه لا يمكن تجاهل الحرب العراقية – الايرانية بين 1980 و1988 واضطرار الخميني الى "تجرّع كأس السمّ في نهايتها"، لكن الصحيح أيضا ان صدّام حسين أضاع كلّ ما كان يمكن تحقيقه من مكاسب في تلك المرحلة بعدما ارتكب جريمة احتلال الكويت من جهة وبسبب عجزه عن فهم المعادلات العربية والإقليمية من جهة أخرى.

هناك حاليا وعي عربي شامل لخطورة المشروع التوسّعي الايراني. هناك استيعاب لدى الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد السعودي لمعنى ان يتصرّف خامنئي مثل هتلر. من يسعى الى ان يكون في سوريا والعراق بحجة "اننا من داخل المنطقة وليس من خارجها"، انّما يتصرّف كما تصرّف هتلر في مرحلة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية ان تجاه النمسا او تجاه بولندا.

من المفيد ملاحظة انّ المجتمع الدولي بدأ يعي ابعاد اطلاق ايران صواريخ باليستية من اليمن في اتجاه الأراضي السعودية. لم يعد الاوروبيون والأميركيون اسرى عقدة الملفّ النووي الايراني. صاروا يميّزون بين أهمية المحافظة على الاتفاق في شأن الملفّ النووي الموقع صيف العام 2015 وملف الصواريخ الايرانية ونشاطاتها التخريبية في المنطقة من جهة أخرى.

يمكن ان يكون هذا التمييز الاوروبي والأميركي بين الملف النووي والصواريخ الايرانية ما دفع وزير الخارجية الايرانية الى كشف حقيقة السياسة الايرانية ومدى خطورتها. حقيقة هذه السياسة انّ الايرانيين موجودون عسكريا في العراق وسوريا ولبنان ويعتقدون انّ لاشيء يمكن ان يخرجهم من البلدان الثلاثة.

هل هذا رهان إيراني في محلّه؟ من يقرأ التاريخ ومن يتمعّن بإمكانات ايران، لا بدّ ان يكتشف انّ ليس في استطاعة ايّ دولة لعب دور اكبر من حجمها. روسيا نفسها التي استعانت بها ايران كي يبقى بشّار الأسد في دمشق، بدأت تستوعب انّ ليس في استطاعتها فرض حلّ في هذا البلد من دون تفاهم ما مع الإدارة الاميركية... هذه الإدارة التي يبدو انّها تتّجه الى سياسة اكثر تصلّبا تجاه ايران وما تمثّله وما تطمح اليه في المنطقة.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
الاستنجاد بـ'العدوان الثلاثي'
2018-04-20
قمّة الوضوح والواقعية
2018-04-18
ايران وروسيا... بعد ضربة سوريا
2018-04-16
ضربة مرّت بسلام
2018-04-15
ضربة تعني الكثير... وقد لا تعني شيئا
2018-04-13
لبنان امام امتحان 'سيدر'
2018-04-11
متى تنتهي مهمّة النظام السوري
2018-04-09
لماذا استهداف المغرب
2018-04-08
قمة ثلاثية لسوريا... بل خماسية
2018-04-06
مأساة الشرق الاوسط
2018-04-04
المزيد

 
>>