أركيولوجيا الذاكرة والخزف بوصفه سؤالًا جماليًا مفتوحًا
قراءة نقدية في تجربة أسماء عبداللاوي بين الطين، الذاكرة، والتحوّل الفني.
السبت 2025/12/27
الفن هذا الدرب القائل بالمغامرة والبحث والابتكار، تقصّدًا لما به الذات تمضي في سؤالها العميق المحفوف بالهواجس والأحلام والقلق. ثمة نهر من الحنين والرغبات، حيث العبارة الفنية والجمالية تنهض على ترجمانها وتوقها للقول البليغ تجاه العناصر والتفاصيل والأشياء، وكل ما به تسعد هذه الذات الفنانة، وهي تحاور المادة وتحاولها نحتًا للقيمة وتأصيلاً للجمال.. والسؤال.. والحلم..
في هذه السياقات، وضمن اللعب الجمالي بمادة الطين الأصل والحامل والموضوع، وبممكنات الخزف المشكَّل لهيئات مقيمة في إبداعية وحلم الفنان، وأي فنان يروم التوغل في كينونته لأجل الإدراك الإبداعي الجمالي، في حيز من طفولة العلاقة والتعاطي، حيث الفنان ذلك الطفل الفاعل، اللاعب، الحالم، وحاضن لبراءة الأشياء، يرى منها وبها ومن خلالها جمالًا ومتعة وسعادة.. تبدو اللعبة البديعة.. إنها لعبة الفن الجميلة، تجترح منطلقاتها ومراميها ومساراتها..
وهكذا هو الشأن مع الفنانة الدكتورة أسماء عبد اللاوي، التي تعيش تجربتها الجمالية الجديدة المتجددة ضمن معرض ممتاز في فكرته وشكله وتجليات عناصره، ونعني المعرض الشخصي الممهور بـ"أركيولوجيا الذاكرة"، المدعوم من صندوق التشجيع على الإبداع الفني والأدبي بوزارة الشؤون الثقافية، والمنتظم كمشروع تشكيلي متراكم بفضاءات العرض بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد.
حضور كبير بين طلبة الفنون الجميلة والأساتذة والنقاد وأحباء الفنون ورواد المعارض، للاطلاع بين النظر والتقبل والتأويل بشأن أعمال فنية مختلفة التلوينات والأساليب، وفق مشروع أسماء عبد اللاوي، الذي هو ثمار تجربة بمساراتها في البحث والمكابدة الجمالية المتشكلة منذ الانطلاقات الإبداعية والفنية والأكاديمية الأولى، وفق علاقة واعية ومتواصلة مع الطين، وما أدراك ما الطين مادةً وأصلًا ومرجعية، باعتبارها مادة لا تُستثمر هنا كوسيط تشكيلي فحسب، بل تُستعاد بوصفها الأصل الأنطولوجي، وما تمثله كذاكرة مادية حاملة للأثر والزمن.. جسدًا أولًا، وسطح كتابة، ومجالًا حيويًا تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع مسارات متعددة مختلفة متتالية التحول والتشكّل…
هذا المعرض، بعنوانه الدال واللافت، يمضي مفاهيميًا في الحفر الأركيولوجي في الذاكرة، لا باعتباره بحثًا في الماضي بوصفه معطًى مكتملًا، بل كآلية تفكيك وتأويل وإعادة تركيب للطبقات الدلالية التي راكمها الزمن داخل الوعي الفردي والجماعي. إنه حفر في المسافة الهشة بين الأثر والنسيان، وسعي إلى مساءلة ما يُنتجه الحاضر من صيغ ذاكرة جديدة، حيث تتشابك التجربة الحياتية بالسؤال الجمالي، ويتحوّل العمل الفني إلى مجال لاختبار العلاقة بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يؤسّس للمستقبل.
معرض ضمن سردية جمالية تتعدد تشكلاتها وزوايا تقبلها لدى الناظر بوعي تجاهها، حيث يغدو اليومي مادة اشتغال مفهومي وتشكيلي، لا بوصفه تفصيلًا عابرًا بل باعتباره حقلًا دلاليًا كثيفًا تختزن فيه الذاكرة أشكال حضورها الصامتة. لتبرز مدينتا سيدي بوزيد وسليانة جغرافيتين مرجعيتين داخل المشروع، لا من منظور تمثيلي أو توثيقي مباشر، بل بوصفهما فضاءين مشحونين بالتجربة والرمز. حيث تمثّل سليانة، على وجه الخصوص، لحظة تأسيسية في المسار الأكاديمي لأسماء عبد اللاوي، التي تتوزع بين ممارسة التدريس وتعميق الوعي بالمكان باعتباره بنية حاضنة للمعرفة والتكوين، ومجالًا لتشكّل العلاقة بين الذات والفضاء.
المعرض يحفل بمكونات فنية هي منجزات جمالية لأسماء، حيث الفضاء الحاضن لتنصيبات خزفية ومنحوتات تعتمد تقنيات متعددة، من بينها تقنية الراكو، وتقوم على استراتيجيات تشكيلية قوامها التكرار والتضخيم والتحوير والتركيب والمزاوجة… ما يسمح بتحرير الشكل من مقياسه الطبيعي ودفعه إلى احتلال الفضاء بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى. والخزف في هذا المعرض الحدث لا يُطرح كموضوع مغلق أو كقطعة مستقلة، بل كممارسة مفتوحة تتجاوز منطق المفرد نحو بناء علاقات بصرية وإنشائية تُشرك المتلقي في تجربة العبور داخل العمل. هذا فضلًا إلى كون تجربة هذا المعرض تطرح مقاربة نقدية تستعيد العلاقة بين الفن والبيئة، وتعيد مساءلة موقع الإنسان داخل منظومات الاستغلال والتسخير. إنه اقتراح جمالي ذو بُعد إيكولوجي، يُعيد الاعتبار للأرض بوصفها أصلًا وذاكرة مشتركة، لا مادة خامًا فحسب، ويدعو إلى بناء علاقة أخلاقية وجمالية جديدة معها، قوامها الإنصات والحماية وإعادة التفكير في معنى الانتماء. ومن هنا يفتح معرض عبد اللاوي أفقًا تأويليًا تُستعاد فيه المادة كأثر حي، وتُعاد فيه صياغة الذاكرة بوصفها عملية ديناميكية، مفتوحة على التحول وعلى إمكانات المعنى المتجدد.
معرض بخلفية جمالية حضارية تطرح أسئلة وقضايا في جوهر المطروح الآن وهنا، حيث الإطار الجمالي مجال تأمل بوعي فني حارق، ولأجل إرساء مقابلات وعلاقات بصرية وإنشائية تُشرك المتلقي في تجربة العبور داخل العمل. الأعمال آسرة بفكرتها ومنطلقاتها وإبداعية التعاطي معها، وكذلك العناوين الدالة التي تعكس رؤية متكاملة ضمن المنجز الفني لعبد اللاوي. ومن عناوين المعروضات والتنصيبات الفنية نذكر: "أحلام وأطياف"، وهي تنصيبة بتقنيات الرسم بالطلاءات المعدنية على الخزف، و"رحى الزمن"، وهي تنصيبة خزفية بتقنية الراكو، و"مرج القمح"، تنصيبة خزفية بتقنية الطلاء بحك الأكاسيد بدرجة حرارة بين 980 و1050، و"اغتراب وتغريب"، تنصيبة خزفية بتقنية مزدوجة، و"بذور الأرض"، تنصيبة خزفية بست قطع خزفية، و"ذاكرة ميكانيكية"… وغيرها من أعمال أبانت فيها الفنانة أسماء عبد اللاوي عن سعة خيالها الإبداعي وبحثها الجمالي في مقاربات فنية تتقاطع فيها وتلتقي الأبعاد الفنية الوجدانية الإنسانية المتصلة بالذاكرة الحية القريبة والبعيدة، في استدعاء بليغ لخبرات الذات… هذه الذات القائلة بالجمال والإبداع.
هذا المعرض الشخصي الجديد الممهور بـ"أركيولوجيا الذاكرة" للفنانة أسماء عبد اللاوي، مجال جمالي ابتكاري ضمن تمشيها الفني الأكاديمي ولسنوات، حيث الفن عناوين وتلوينات شتى تذهب بالمهج، تقول ببلاغة الأشياء.. نعم، العناصر تشكل هيئاتها على إيقاع الرغبات.. رغبات شتى، منها رغبات الفنان وهو يدعك طين شؤونه وشجونه نحتًا للممكن وللقيمة، ولما به تستقيم الكائنات منشدة حلمها الموعود في فخار هائل. إنها لعبة التشكيل، تبتكر تواصلها وإيقاعها وخطابها، وتشير إلى الآفاق، تعلي من شأن الكائن وهو يعدد رؤاه. وهنا نعني هذا الدأب في كون الفن الشفاف الذي يمضي إليه الفنان، وفي قلبه شيء من خزف الحال. نعم، الخزف يقول إيقاعه هنا، وهو إيقاع الفنانة أسماء عبد اللاوي، الفنانة التشكيلية والدكتورة في مجالها العلمي والبحثي، الذي انتهى بها إلى كون مفتوح من البحث والدأب. الفن دأب وطريق غير آمنة إذا تخيّر الفنان المغامرة والذهاب خارج المألوف والمعهود. أسماء عبد اللاوي تخيّرت تقديم حيز من أعمالها ومنجزها الفني وفق عنوان مهم هو "أركيولوجيا الذاكرة"…
معرض وتجربة واستعادة شؤون وشجون اللاعب بالطين، ونعني الخزّاف. وهنا نحن تجاه فنانة خزافة استلهمت مما مضى والراهن كل ما هو فني وجمالي وإنساني وجداني في علاقة الإنسان بالخزفيات واقتراحاتها المبتكرة والمحيلة إلى الدهشة. معرض وأعمال فنية تضعنا بها أسماء عبد اللاوي في حقول من الدهشة و… النشيد.. نشيد الطين القديم، الملون بالآني، المحفوف بالسؤال. الفن في جوهره سؤال، بل أسئلة مفتوحة، تحيل الكلام هنا إلى طين الحال والجسد والشؤون والشجون، في سردية جمالية معمارها الذات الفنانة المبدعة، والذاكرة، ورهانات الحاضر، وممكناته التقنية والبيئية… والإبداعية.





