ألبرتو كاييرو: صوت البساطة الحسية في شعر فرناندو بيسوا

ترجمة حيدر الكعبي تقدم عملاً متأنيًا مستندًا إلى مصادر متعددة، كاشفًا أسلوبًا شعريًا نثريًا متعمّدًا يقوم على التكرار والوضوح، ويدعو إلى تأمل العالم كما هو، بالحواس لا بالعقل.

ألبرتو كاييرو، أحد الأسماء المستعارة التي ابتكرها الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، يُعدّ من أبرز شخصياته الشعرية و"المعلم" بينها، حيث يجسد رؤية شعرية فريدة تتمحور حول البساطة والارتباط الحسي بالطبيعة. قصائده، مثل "حارس القطيع" و"الراعي العاشق" والقصائد المتفرقة، تتسم بلغة واضحة خالية من الزخرفة، تعبر عن تجربة حسية نقية، رافضة التفلسف المعقد والميتافيزيقا.

يدعو كاييرو إلى تأمل العالم عبر الحواس، محتفيًا بالواقع المادي بأسلوب يبدو ساذجًا لكنه عميق، مما يؤثر على شخصيات بيسوا الأخرى مثل ريكاردو ريس بكلاسيكيته وألفارو دي كامبوس بحيويته. من خلال هذه الشخصية الخيالية، التي صورها بيسوا كراعٍ عاش في الريف وتوفي عام 1915 بمرض السل، يستكشف الشاعر تنوعًا أدبيًا يجمع بين الإيقاع الطبيعي والتأملات الفطرية في الوجود، الأشجار، والأنهار.

هذه القصائد، التي ترجمها وقدم لها حيدر الكعبي وصدرت حديثًا عن دار خطوط وظلال، تشكل دعوة للعودة إلى النقاء الحسي وتأمل الطبيعة ببساطة، مقدمةً فلسفة حياة تجمع بين تلقائية الطفل وحكمة الفيلسوف، وتدعو القارئ لرؤية العالم بعيون جديدة. يقول بيسوا عن ألبرتو كاييرو، إحدى ذواته الرئيسية الثلاث، إنه "ولد في لشبونة في 16 أبريل/نيسان 1889، وعاش مع عمته في بيت متواضع بقرية في شمال شرق لشبونة، وتوفي عام 1915". بعض التحليلات تشير إلى أوجه شبه رمزية بين كاييرو وماريو دي سا- كارنيرو، صديق بيسوا (1890-1916)، حيث يعني "كارنيرو" بالبرتغالية "الخروف"، وهو رمز قد يتصل ببرج كاييرو الفلكي (الحمل)، لكن هذا التفسير يبقى تأويليًا.

يكشف الكعبي في مقدمته تفاصيل ترجمته، موضحًا أنها استندت إلى كتاب "فرناندو بيسوا: قصائد ألبرتو كاييرو" (طبعة مزدوجة اللغة، برتغالية-إسبانية، منشورات آبادا، مدريد، 2011، تحرير خوان بارخا وخوانا إيناريخوس، وتُسمى "نسخة بارخا"). كما استفاد من ترجمة بابلو دل باركو (نسخة دل باركو)، وكتاب الأشعار الكاملة لكاييرو بالبرتغالية (تحرير فرناندو كابرال مارتينز وريتشارد زينت، نسخة مارتينز)، وكتاب بالإسبانية بترجمة أنجليكا رودريغس فارغاس (نسخة فارغاس). ويضيف: "القصيدتان الطويلتان 'حارس القطيع' و'الراعي العاشق' سبق أن ترجمتهما عن ترجمة دل باركو ونشرتهما في كتاب 'حارس القطيع' (منشورات غاف، دبي، 2023)، ثم راجعتهما بناءً على نسخة بارخا البرتغالية، مصححًا بعض الأخطاء ومجريًا تعديلات طفيفة. أما القصائد المتفرقة، فلا تحمل عناوين في الأصل، وقد رقمتها حسب تسلسلها في نسخة بارخا لتسهيل الإحالة إليها".

ويضيف "القصيدتان الطويلتان "راعي القطيع" و"الراعي العاشق" سبق أن ترجمتهما عن الترجمة الإسبانية لبابلو دل باركو، ونشرتهما في كتاب "راعي القطيع" الصادر عن منشورات غاف، دبي، سنة 2023. وقد راجعتهما في هذا الكتاب على الأصل البرتغالي في نسخة بارخا، وصححت بعض الأخطاء التي وقعت فيها في النسخة السابقة، كما أجريت عليهما تعديلات أخرى ثانوية. والقصائد المحتواة في القسم المسمى "قصائد متفرقة" لا تحمل عناوين في الأصل، وقد رقمت القصائد جميعا، بحسب تسلسلها في نسخة بارخا، لتسهيل الإحالة إليها عند الحاجة.

ويؤكد الكعبي أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن أسلوب ألبرتو كاييرو الشعري، لكنني سأكتفي هنا بما يتعلق منه بترجمتي هذه. قصائد ألبرتو كاييرو قائد نثرية، وهي نثرية بشكل مقصود وواع. ففي القصيدة رقم 14، مثلا، يقول الشاعر (أو المتكلم) "القوافي لا تعنيني، فنادرا ما نرى شجرتين متماثلتين تقفان جنبا إلى جنب". وفي القصيدة رقم 28 يقول "أنا أكتب قائدي نثرا وأنا مقتنع". وهي قصائد نثرية لا بمعنى أنها تخلو من الوزن والقافية فقط، بل نثرية بالمعنى الأعم للكلمة. فمن يبحث عن المجاز أو الاستعارة أو التشبيه أو الانزياح، أو التكثيف أو الصورة الشعرية أو الرمز ـ من يبحث عن هذا أو غيره مما ينسبه العرف الثقافي السائد إلى لغة الشعر، فلن يجد الكثير مما يبحث عنه. ليس هذا فقط، فقصائد كاييرو النثرية هذه ليست نثرا فنيا عاليا مما اعتاد عليه القارئ العربي من نثر أدبي رفيع، بليغ، يمتاز بالايقاع والايجاز والكلمات الفخمة المنتقاة من بطون القواميس، كنثر مصطفى صادق الرافعي، أو أحمد حسن الزيات، أو إبراهيم المازني، أو عباس محمود العقاد أو طه حسين، مثلا، لا، إنه أبعد ما يكون عن هذا، أعد هذا فضيلة لا منقصة، لأن اللغة عندي (وكذلك اللغة الشعرية التي هي، في آخر المطاف، جزء من اللغة) نظام من الأصوات، اجتماعي، أساسه التفاهم، وأعزو جزءا من شعبية فرناندو بيسوا (وألبرتو كاييرو) إلى هذه المزية.

ويرى أن لغة كاييرو تتصف بالتكرار تكرار الكلمات أو تكرار العبارات. ففي القصيدة رقم 5 نلاحظ تكرارا متواصلا لكلمات مثل ميتافيزياء وجبال وأشجار، وأزهار، ومعنى، ولغز، وقمر، وشمس، وفي القصيدة رقم 20، التي تتكون من واحد وعشرين بيتا، تتكرر كلمة "نهر" أربعَ عشرةَ مرة، وعبارة "نهر التيجو" ثماني مرات، وفي القصيدة رقم 35 التي تتألف من سبعة أبيات تتكرر عبارة "ضوء القمر عبر الأغصانِ العالية" خمس مرات. وفي القصيدة رقم 58، التي تتألف من عشرين بيتا، تتكرر كلمة "الطريق" اثنتى عشرة مرة، وكلمة "منعطف" إحدى عشرة مرة. وأكثر الكلمات تكراراً هي تلك المتعلقة بالحواس ومشتقاتها، وخصوصاً حاسة البصر كـ "العين، الرؤية، النظر، الضوء، اللون، العطر، ويحس، ويرى..." إلخ. ولعل كلمة "أشياء" هي الكلمة الأكثر تكراراً على الإطلاق.

ويوضح "قلت إن اللغة عندي نظام من الأصوات، اجتماعي، أساسه، فذلك لأن التفاهم هو جوهر اللغة. صحيح أن وظيفة اللغة لا تقتصر على التفاهم، لكن صحيح أيضا، وبالقدر نفسه، أنه إذا زال التفاهم زالت اللغة، وزالت اللغة الشعرية. وهذا يعني ضمنا أنني لا أترجم ما لا أفهمه، ولا أتظاهر بفهم ما لا أفهمه. لكن الفهم درجات، وكذلك عدم الفهم. فمثلاً، هناك قصيدة بدت لي مضطربة البناء، غير مترابطة الأجزاء، وبالتالي غير مفهومة بأكملها. إضافة إلى أن البيتين العاشر والحادي عشر جملتان ناقصتان، هذا عدا عن أن نسخة مارتينز تشكك في أبياتها الخمسة الأخيرة، لهذا كله قررت استبعادها وأن أضعها في نصها البرتغالي في ملحقٍ بآخر الكتاب، مرفقًا بما يشبه الترجمة الحرفية، لكي يكوّن القارئ فكرة عما ستبدو عليه لو "تُرجمت" إلى العربية. وهناك قصائد أخرى أشكل عليَّ جزء صغير منها ـ كلمة، عبارة، أو جملة ـ بحيث لم أرَ المعنى يستقيم إذا ألزمت نفسي بترجمتها ترجمة أمينة، لكن حجم المشكلة، في تقديري، أصغر من أن يسوغ إلغاء القصيدة بأكملها. وفي هذه الحالة اكتفيت بترجمة تأويلي أو فهمي لمقصود الشاعر، ثم إضافة هامش يوضح الكيفية التي تدخلت فيها لحل المشكلة.

من القصائد المتفرقة


ـ أنا لا أشبه نفسي دائماً في ما أقول وأكتب

أنا أتغير، لكنني لا أتغير كثيراً

إن لون الأزهار تحت الشمس

ليس هو نفسه حين تمر غيمة

أو حين يحلُّ الليل

فتصبح الأزهار في لون الظل

ولكنَّ من ينظرْ جيداً يرَ أنها ذاتُ الأزهار

ولهذا فحين أبدو كأنني لا أتفق مع نفسي

تمعنّوا فيَّ جيداً

فإذا كنتُ متجهاً إلى اليمين

فقد اتجهتُ الآن إلى اليسار

لكنني أنا نفسي دائماً، أقف على نفس القدمين

أنا نفسي دائماً، شكراً للسماء وللأرض

وشكراً لعينيَّ اليقظتين وأذنيَّ المنتبهتين

وشكراً لبساطة روحي الصافية.

***

ـ وراءَ منعطَفِ الطريق

ربما كانت هناك بئرٌ، أو ربما كان قصرٌ

وربما لا شيء سوى بقيةِ الطريق

لا أعرف، ولا يهمني أن أعرف

فحين أمشي في الطريق قبل المنعطف

لا أنظر إلا إلى الطريق قبل المنعطف

لأنني لا أستطيع أن أرى غيرَ الطريق قبل المنعطف

ولن ينفعني أن أنظر إلى جهة أخرى

أن أنظر إلى حيث لا أرى شيئاً

فدعُونا نهتم بالمكان الذي نحن فيه

فهناك ما يكفي من الجمال في المكان الذي نحن فيه

لا في أي مكان آخر

وإذا كان هناك أناسٌ وراء منعطف الطريق

فَلَهُمْ هم أن يهتموا بما وراء منعطف الطريق

فذلك الطريق طريقُهم هم

وإذا تحتَّم علينا أن نصل إلى ما وراء منعطف الطريق

فحين نصل إلى هناك، سنعرف ما وراء منعطف الطريق

أما الآن فما نعرفه هو أننا لسنا هناك

وهنا يوجد الطريق قبل المنعطف

وقبل المنعطف يوجد الطريق بلا منعطف.