"أمل حياتي" والأدب السينمائي

تطبيق مصطلح الأدب السينمائي على هذا العمل، يكمن في التكنيك الذي كتبت به نهى عاصم روايتها.


الكاتبة حاولت أن تمزج النص الروائي بنصوص أو خواطر شعرية كون بطل الرواية "مراد" يحاول أن يكون شاعرا، ولكن الخواطر جاءت باهتة ومفتعلة


مصطلح "الأدب السينمائي" ظل مطروحا لدرجة أن الناقد د. عبدالقادر القط، بدأ يتحدث عن الأدب التلفزيوني وأهمية توجيه نقدنا إليه.

عندما نشر أحسان عبدالقدوس (1919 – 1990) روايته "بعيدا عن الأرض" في مجلة صباح الخير في بداية السبعينيات، وكتب أنها من الأدب السينمائي، أعتقدنا أن هناك من سوف يتأثر بهذا الاتجاه، ولكن لم يحذ حذو عبدالقدوس الكثيرون، وظلت مثل هذه الكتابة محصورة في كتَّاب السيناريو الذين يحولون الأعمال الروائية إلى سيناريوهات وحوارات وربما يضيفون أو يحذفون على النص الروائي الأصلي المطبوع بين دفتي كتاب، كما رأينا مع عدد من روايات نجيب محفوظ الذي كان يردد دائما أنه يتحمل مسئولية النص الروائي المطبوع في كتاب، أما بعد تحويله إلى عمل درامي فإن المخرج هو من يتحمل المسئولية كاملة.
وأعتقد أن أحسان عبدالقدوس أراد أن يوفر بعض الخطوات أو المراحل ما بين النص الروائي والعمل الدرامي السينمائي أو التلفزيوني، فبدأ يكتب أعماله من خلال شكل السيناريو والحوار، أو في شكل مَشاهد، فيكون جاهزا للإخراج السينمائي مباشرة دون تدخل كتاب السيناريو، على الرغم من وجود حلقات أخرى تسهم في خروج العمل إلى الشاشة، مثل التصوير والإضاءة والديكور والمونتاج والإنتاج والإخراج، إلى جانب الممثلين .. الخ.
يقول أحسان عبدالقدوس عن الأدب السينمائي في مقدمة روايته "بعيدا عن الأرض":  "لقد سبق أن أطلقت هذا التعبير لأرتقي بما يكتب لتصويره في فيلم سينمائي إلى مستوى ما يكتب لإخراجه على خشبة المسرح، أي أن أضع الأدب السينمائي الذي لم يعترف به بعد بين الفنون العربية في مستوى الأدب المسرحي الذي كان هو الآخر أدبا غير معترف به، ولم يعترف به كفن أدبي كامل إلا في أوائل هذا القرن، نقلا عن اعتراف الأدب الأوروبي به".
وهو يعترف في تلك المقدمة أن الأدب السينمائي المكتوب في روايته هو أدب لم بنقل بعد إلى مرحلة الإنتاج السينمائي. 

وأعتقد أن أحسان عبدالقدوس لم يكرر التجربة مرة أخرى، ولكن ظل مصطلح "الأدب السينمائي" مطروحا، لدرجة أن الناقد الدكتور عبدالقادر القط، بدأ يتحدث عن الأدب التلفزيوني وأهمية توجيه نقدنا إلى الأعمال السينمائية والتلفزيونية وليس فقط الأعمال الأدبية.
وتأتي رواية "أمل حياتي" للكاتبة نهى عاصم لتعيد إلى الأذهان محاولة أحسان عبدالقدوس من خلال روايتها الأولى "أمل حياتي" التي يحيل اسمها مباشرة إلى أغنية أم كلثوم الشهيرة "أمل حياتي" (كلمات أحمد شفيق كامل، وألحان محمد عبدالوهاب) ولكن نجحت الكاتبة في إبعاد هذا الخاطر عن الأذهان بأن هناك توظيفا ما أو استثمارا ما لتلك الأغنية في العمل، إلا من خلال أن بطلة الرواية واسمها "أمل" وحبيبها وزوجها مراد كان يطلق عليها "أمل حياتي"، واختار نغمة موبايله من موسيقى الأغنية، لكن الأغنية نفسها لم تلعب دورا في العمل نفسه، خاصة عندما نكتشف أن هناك أخرى في حياته غير زوجته وأمل حياته.
أما عن تطبيق مصطلح الأدب السينمائي على هذا العمل، فيكمن في التكنيك الذي كتبت به نهى عاصم روايتها، حيث لجأت إلى تكنيك السيناريو والحوار واقتطاع المشاهد دون إملال أو افتقار. فمن الوهلة الأولى تضعنا الكاتبة في خضم الأحداث من خلال مقطع بعنوان "أمل والدرج" حيث وقعت أمل من على درج البيت وأصيبت بارتجاج في المخ وهي على وشك الولادة، وكانت تكره هذا الدرج الملتوي كثعبان فتصعد عليه متعبة وتنزل عليه مصابة بالدوار، وكانت ترجو زوجها أن يسرع في إصلاحه، لكن وقعت الواقعة، ونقلت أمل إلى المستشفى لتبدأ أحداث الرواية وتبدأ النقلات المكانية والزمانية – داخل المستشفى وخارجها - في مشاهد متتابعة لا يفصلها عن بعضها البعض سوى العناوين التي تضعها الكاتبة على مشاهدها. والرواية بهذا المفهوم تمثل سيناريو جاهزا لفيلم يعاين هواجس الإنسان عند فقدان الذاكرة، أو أثناء غيبوته، ولو بطريقة جزئية.
وتتوالى الأحداث وتظهر شخصيات جديدة في العمل، ولكن تظل البطلة الرئيسية "أمل" هي المهيمنة، وهي مركز الرواية الرئيسي.
ومن أهم الشخصيات الأخرى إلى جانب زوج أمل، حبيبته الأولى "نغم" التي عاودت الظهور في حياة مراد بعد طلاقها وعودتها من الكويت، فيؤكد لها مراد أنها لن تضيع من يديه مرة أخرى قائلا لها: "لن تضيعي من يدي مرة أخرى"، ليخلق بذلك مشكلة مع زوجته الوفية التي يحبها وتحبه "أمل"، فيتشوق القارئ لمعرفة كيف سيحل مراد تلك المشكلة أو العقدة في الرواية، وكيف ستتعامل معها زوجته "أمل" بعد أن تبدأ في استرداد وعيها تدريجيا بمساعدة من حولها من أسرتها وجيرانها وزملائها في العمل، هل ستوافق أمل على زواج زوجها من أخرى، هل ستطلب منه الطلاق، هل ستضحى من أجل سعادته؟ ويتمسك مراد بالمثلث المكونة أضلاعه منه ومن أمل ومن نغم، قائلا: "نحن مثلث يا أمل، كتب الله علينا هذا، والمثلث لم يكن أبدا من ضعلين، سأكون قاعدة المثلث لكما سويا وأنتما ضلعان متساويان دوما".
وتترك الكاتبة النهاية مفتوحة ليكملها القارئ كل حسب وجهة نظرته وثقافته ورؤيته، ولكي تتحول الرواية من رواية ورقية إلى رواية تفاعلية تقول الكاتبة في الخاتمة: "سأرسل الرواية إلى المسابقة، وبعد فترة سأقوم بعمل صفحة (على الفيس بوك) عن الكتاب، وليناقشوني".
وكنت أرى أن تنتهي "أمل حياتي" عند هذه الفقرة، لكن الكاتبة وضعت لائحة من الشكر الخاص لعدد كبير من الشخصيات الذين تحملوا تقوقعها إلى جوار الكمبيوتر، أو الورق والأقلام "كما لو كنت أكتب روايتي لجائزة نوبل"!
أيضا الإهداء لم يكن – من وجهة نظري – موفّقا حيث تهدي الكاتبة الرواية لنفسها، فهل هو نوع من النرجسية الزائدة، خاصة أنها تربط بين اسمها "نهى" ونهى (عقول) التي ورد ذكرها في القرآن مرتين في سورة طه "إن في ذلك لآيات لأولى النهى"، ولم أدر ما علاقة هذا بالنص الروائي؟ إنه افتتان الكاتبة باسمها، ليس أكثر، فالقرآن مليء بالأسماء غير نهى، ويتصاعد الأمر عندها في الإهداء عندما تقول: "نهى التي هي بالفعل العديد والعديد من العقول التي تعتمل معا في جسد واحد".

غلاف رواية بعيدا عن الأرض
أدب لم ينقل بعد إلى مرحلة الإنتاج السينمائي.

يبدو أنه الافتتان بالعمل الأول الذي يصدر للكاتبة، فتهديه لنفسها بطريقة مزعجة للقارئ الذي لا يهمه كثيرا مثل هذا الأمر، بقدر ما يهمه العمل الروائي نفسه، ومدى نجاحه كرواية أو كنص أدبي بعيدا عن نرجسية الكاتب.
وقد حاولت الكاتبة أن تمزج النص الروائي بنصوص أو خواطر شعرية كون بطل الرواية "مراد" يحاول أن يكون شاعرا، ولكن الخواطر جاءت باهتة ومفتعلة، وكنت أرى اختصارها أو تكثيفها لتعطي دلالات فنية أكثر، وهي تترواح بين العامية والفصحى، ومنها قصيدة "فرحة" التي جاءت باللهجة الصعيدية، فكانت أكثر افتعالا من نصوص الفصحى بالرواية. لقد ضربت الكاتبة فكرة السيناريو والمشاهد القصيرة في مقتل، عندما ضمنت الخواطر الطويلة في صفحات روايتها، فهي – كما أرى - لا تناسب فكرة المشاهد السينمائية والنقلات الزمنية السريعة التي اعتمدت عليها الكاتبة خلال العمل ككل، وهو ما كان يميزها.
أيًّا كان الرأي، فرواية "أمل حياتي" لنهى عاصم تعد الأولى لكاتبتها، ودائما هناك أخطاء العمل الأول (ومنها الأخطاء اللغوية والإملائية)، وما يحسب لتلك الرواية أو ما يميزها هو التكنيك الذي كتبت به، فهو تكنيك سينمائي بامتياز، يخبرنا أن الكاتبة درست فن كتابة السيناريو وحاولت استثمار معرفتها تلك في كتابة عمل فيه من الرومانسية وفيه من الواقعية، كما فيه الكثير من التشويق، وإن كان جانبها التوفيق، في بعض الأحيان.

ما يحسب لتلك الرواية هو التكنيك الذي كتبت به، فهو تكنيك سينمائي بامتياز، يخبرنا أن الكاتبة درست فن كتابة السيناريو وحاولت استثمار معرفتها تلك