أميرة الذوادي بالألوان تكتب حكايات المدينة والإنسان
يظل الرسم والتلوين من عوالم الفن حيث الذات التي تروم القول بما يعتمل في الدواخل تواصلا وكشفا واكتشافا مع عناوين هذا الفن الذي يفتح دروبه بوجه مريديه من الراغبين في الإبداع والابتكار وفي التواصل والنهل من الينابيع ... ينابيع الجمال الفني وتعبيراته المتعددة.
والفنان هنا بمثابة ذلك الطفل الذي يرتجي من منجزه بهجة ذاته الحالمة والآخرين وفق نظرته وأسلوبه وما حصله من تجارب يبدو معها الاشتغال الفني بمثابة اللعب مع التلوين والرسم بمختلف ضروب الفن الأخرى وصولا إلى نهاية العمل ما يجعله في خانة العلاقة مع المتلقي وانطباعاته وملاحظاته.
إنها حكاية الفن التي تتعدد عوالمها وشخوصها وملابساتها في مختلف فترات التشكل والتكوين. هذه الحكاية التي لها الأسرار والتجليات والنجاحات والخيبات .. والفنان هنا يتفاعل مع ممكنات هذه اللعبة والعلاقات معها وإدارتها بما هو متاح وممكن من الخبرات والرؤى تقصدا وحلما ونزوعا نحو الجمال والإقناع والإبداع ليكون كل هذا موكولا للعمل ذاته وللتجربة.
في هذه العلاقة بالفن ومنه الرسم والتلوين نمضي مع مجالات عمل الفنانة التشكيلية أميرة الذوادي التي تخيرت في عملها الفني النظر تجاه الأمكنة والمشاهد والمواضيع التي تشغل حلمها الفني حيث تنوعت لوحاتها ومنها تلك المتصلة بالجوهر والعمق من خلال التواصل بالرسم مع المكان ومنه مثلا المدينة حيث كانت لوحتها الزيتية "حكايات المدينة" معبرة عن جمال الأزقة والأقواس والسكينة والهدوء في مدينة ضاربة في القدم والتاريخ.. وفي ذات السياق كانت اللوحة الفنية التي جاءت مشحونة بمكونات مدينة تونس من أمكنة جميلة بخصائص ومميزات جعلت من المدينة مجالا للحكايات المعبرة عن تاريخ وحضارة ورموز وعنوانها "تونس… حكاية عشق"، وهي لوحة شاركتُ بها الفنانة أميرة الذوادي في معرض الجائزة الكبرى للفنون التشكيلية بمدينة تونس والذي دار موضوعه حول تونس بين التقاليد والحداث.
وتقول عنها صاحبتها "تجسّد اللوحة حوارًا بصريًا بين الماضي والحاضر من خلال شخصيتين رمزيّتين: الرجل بثيابه التقليدية، يعزف على العود، في رمزيةٍ للأصالة والجذور والمرأة بثيابها العصرية، تجسيدًا للحاضر والانفتاح ويدور بينهما حوار صامت يرمز إلى العشق والترابط، رغم المسافة التي تفصل بين عالميهما وفي خلفية المشهد، تتناثر مباني ومعالم مدينة تونس، إلى جانب المترو، وسيلة النقل الشهيرة، والساعة العملاقة 'المنقالة' في شارع الحبيب بورقيبة، في إشارةٍ إلى السفر عبر الزمن الذي يربط بين تونس القديمة وتونس الحديثة.. وهكذا تبقى العلاقة بين الماضي والحاضر حكاية عشق أزلية، لا يفصلها سوى الزمن ..".
وتتعدد أعمال الفنانة التشكيلية أميرة الذوادي بمواضيع مختلفة حيث تسعى للتعبير الفني من خلال شحنة من الحنين وما هو بين الأصيل والجديد في نزوع للقول بالفن في صلته بتجليات الذات الإنسانية ومتغيراتها وما هو قيمي ومعبر عن الأعماق وجواهر الأشياء ومن ذلك لوحة إلى صمود غزة وشهدائها وأطفالها الجياع حيث العدوان الصهيوني الأميركي والإبادة ليكون الفن هنا شاهدا على الظلم والبشاعة ومنتصرا للقيم الجميلة وللسلام والحق.. وهناك لوحة الطبيعة الميتة وغيرها...
هذا وتتعدد مشاركات الفنانة في المعارض الفنية الجماعية حيث تعد لمعرضها الفني الشخصي الذي يضم مختلف لوحاتها المنجزة من سنوات .. وفي هذا الجانب تقول الفنانة أمر الذوادي عن تجربتها الفنية وبداياتها "كان للرسم مكان مميز في حياتي وذلك منذ صغر سني، فخلال العطل المدرسية، كنت أشارك بشغف كبير في نوادي الرسم. ولم تفارقني هذه الرغبة في الفن أبدًا، وعندما اخترت التخصص العلمي في الجامعة، واصلت هذا الغرام بالرسم والألوان مكن خلال الانضمام إلى نوادي الرسم لتغذية إبداعي وبعد أن بدأت حياتي المهنية، وضعت هذا الشغف جانبًا بسبب مسؤوليات العمل والحياة الأسرية. لكنّ حاجة داخلية عميقة أعادتني تدريجيًا إلى عالم الرسم. بدأت أرسم بمفردي في المنزل، ثم انضممت إلى ورشة للرسم يشرف عليها الفنان الكبير حمدة دنيدن في قاعة عرض 'كاليستي' وذلك لمدة سنتين، قبل أن ألتحق بورشة أخرى بإشراف الرسام سالمى علية الصغير. وبمرور الزمن كانت أول مشاركة لي في معرض جماعي سنة 2018 في قاعة العرض 'صوفونيبه' بضاحية قرطاج. ومنذ ذلك الوقت، تعزز التزامي الفني، فالتحقت باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين، والرابطة التونسية للفنون التشكيلية، وكذلك بالجمعية التونسية للفنانين التشكيليين العصاميين. وقد شاركت في أغلب الفعاليات التي نظمتها هذه الجمعيات الفنية... وشيئًا فشيئًا، بدأت أدرك أن الرسم لم يكن بالنسبة إلي مجرد هواية أو شغف، بل كان شكلًا حقيقيًا من أشكال العلاج. قادني هذا الاكتشاف إلى تغيير مساري المهني. فبعد أن تحصلت على تكوين أكاديمي في التسويق من المعهد العالي للتصرف في قرطاج، ثم على ماجستير في التجارة الدولية من المعهد العالي للتصرف بتونس، اخترت أن أتوجه نحو العلاج بالفن. تابعت تكوينًا في هذا المجال، بالإضافة إلى التكوين في التنويم الإيحائي على الطريقة الإريكسونية. اليوم، يندرج عملي الفني ضمن مقاربة تعبيرية وعلاجية في الوقت نفسه. لقد منحني الفن طريقًا لاكتشاف الذات...".
هكذا هي العملية الفنية التشكيلية في سياق اشتغالات الرسامة أميرة الذوادي التي تسعى لمعرضعا الشخصي مع بدايات العام الجديد 2026 في لقاء مع أحباء الرسم و الألوان عبر ما تقترحه من أعمال فنية مختلفة.


