أم وابنتها.. وجها لوجه على باب ثلاجة الحياة

رواية أليس كويبرز تأخذ نصيبا كبيرا من تقنيتها عبر رسائل مفعمة بالأحاسيس والمشاعر الصادقة والصريحة.


تفصيل صغير في حياة أسرة من خلالها نعرف كل شيء عنها


رسائل تتبادلها ابنة شابة وأمها المشغولة دوما بسبب عملها، على باب الثلاجة

تأخذ هذه الرواية "حياة على باب الثلاجة" للكاتبة الانجليزية أليس كويبرز نصيبا كبيرا من تقنيتها، فعبر رسائل مفعمة بالأحاسيس والمشاعر الصادقة والصريحة، نعيش حالة جمالية وفنية وإنسانية فريدة، حيث إن الرسائل تتبادلها ابنة شابة وأمها المشغولة دوما بسبب عملها، وأن هذا التبادل يتم على باب الثلاجة، الأمر الذي يأخذ دلالات عدة تتجلى على لغة الطرفين وصراحتهما وجرأتهما على المواجهة وأيضا التباسات الفهم؛ فهم كل منهما للأخرى. وربما كان لتخصص المؤلفة في علم النفس أثر واضح فهي تكتب انطلاقا من رؤية واضحة لما يعتمل داخلها من جدل حول طبيعة العلاقة بين الأم وابنتها.  
إن "حياة على باب الثلاجة" التي ترجمتها هدى فضل وصدرت عن دار العربي للنشر ليست مجرد رواية عادية، وفي الوقت نفسه، هي ليست مجرد رسائل قصيرة تتركها الأم لابنتها والعكس، تتعاتبان فيها أو تعترفان أو تتبادلان من خلالها الأخبار، بل هي تفصيل صغير في حياة أسرة من خلالها نعرف كل شيء عنها.
تقول فضل إن الرواية تحكي قصة أم وابنتها في شكل رسائل تتركانها لبعضهما البعض على باب ثلاجة المنزل. فهما لا تجتمعان كثيرًا في المنزل، بسبب عمل الأم الذي يستغرق معظم وقتها. الرواية مؤلمة وخطيرة للغاية، لأن علاقة كعلاقة أم بابنتها لا يجب أن تُبنى اعتمادًا على رسائل صغيرة لا تتعدى السطرين، وكل ما بها هي: "لا تنسي شراء كذا وكذا". 

ما الفائدة من امتلاككِ تليفونًا محمولًا وأنتِ لا تتركينه مفتوحًا أبدًا؟ اضطررتُ للاتصال ببيت "إيما"، وقالت لي أمها إنك لم تكوني هناك. قلقت عليكِ للغاية. أين كنتِ؟

وتشير "هناك دائمًا حالة من سوء التفاهم بين الأم وابنتها المراهقة، لأن الرسائل لا توصل المشاعر ولا تعبيرات الوجه، فربما تفهم الابنة ما كتبته لها أمها بطريقة خاطئة والعكس. ولكن، في الوقت نفسه، كانت الرسائل نوعًا من الصلة التي ربطت الأم بابنتها. والتي جعلتهما تتابعان أخبار بعضهما البعض بطريقة منتظمة، ونحن نرى كيف أن أفراد عائلة واحدة يعيشون معًا، وربما يصل بهم الحال إلى عدم تبادل أي نوع من الحوار. 
المؤلم في الرواية أيضًا، هو المرض، وكيف تسلل إلى حياتهما فكان سببًا لتقريبهما لبعضهما البعض، ولكن في مقابل ثمن غالٍ للغاية. جعل الابنة تنضج قبل أوانها، وجعل الأم تبدأ بمحاولة فهم ابنتها والحياة التي كانت تقودها قبل إصابتها بالمرض. 
وترى فضل أن الرواية في كتابتها لا بد وأنها كانت صعبة للغاية، لأن الطبيعي عند كتابة أي رواية هو الإسهاب في التفاصيل، لذا فإن تكتب مثل تلك الرسائل القصيرة، ومع ذلك تنجح في إيصال الرسالة التي تريدها، وأن تجعلنا كقراء نتخيل حياة كاملة لشخصين لا نعرفهما، هو دليل على مهارة أليس كويبرز في الكتابة.
وتضيف في بداية ترجمتي للرواية لم أستوعب فكرة أن رواية كاملة ليس بها أي حوار مباشر بين الشخصيات أو سرد كما هو معروف عن الروايات، لذا فعندما قرأتها أولًا كان فقط لأعرف كيف قدمت المؤلفة حكايتها في قالب رسائل تتركها الشخصيتان الرئيسيتان على باب الثلاجة.  أما الترجمة نفسها كانت سهلة في بعض الأجزاء، لكنها شكلت تحديًا عندما بدأت العلاقة بين الأم وابنتها تتطور وبالتالي تطورت رسائلهما من مجرد طلبات يجب شراؤها للبيت إلى مشاعر واعترافات لا تستطيع الشخصيتان البوح بها وجهًا لوجه.
وأليس كويبرز كاتبة إنجليزية. وُلِدت عام 1979، وتقيم الآن في كندا. حصلت على بكالوريوس في علم النفس من جامعة مانشيستر، وبعدها حصلت على الماجيستير في الآداب من الجامعة نفسها. "حياة على باب الثلاجة" (2007) هي الرواية الأولى لها، تُرجمت إلى أكثر من 28 لغة. رشحت الرواية في 4 جوائز؛ في القائمة القصيرة لجائزة "كوفينتري" للكتابة الإنجليزية، وفي القائمة القصيرة لجائزة "أوكسفوردشاير" الأدبية الإنجليزية، وفي القائمة القصيرة لجائزة "مكتبة سالت ليك العامة" الأميركية، وفي القائمة الطويلة لجائزة "كارنيجي ميدال" الإنجليزية. 
كما نالت 9 جوائز منها: جائزة مكتبة نيويورك العامة، وجائزة "ريدبريدج" الإنجليزية، وجائزة "مكتبات شيفيلد" الإنجليزية، وجائزة "ساسكاتشوان للعمل الأول" الكندية، وجائزة "سوين بارك" الأدبية الإنجليزية، وجائزة "جراند بري دو فيرام" الفرنسية.
مقتطفات من الرواية  

The English Novel
أليس كويبرز 

"كلير"،
ما الفائدة من امتلاككِ تليفونًا محمولًا وأنتِ لا تتركينه مفتوحًا أبدًا؟ اضطررتُ للاتصال ببيت "إيما"، وقالت لي أمها إنك لم تكوني هناك. قلقت عليكِ للغاية. أين كنتِ؟
اتصلتُ بالمدرسة، وأخبروني بأنكِ في حصة اللغة الإنجليزية. على الأقل أعرف الآن أنكِ على قيد الحياة. هل تعرفين مدى الإحراج الذي شعرت به وأنا أخبر سكرتيرة المدرسة بأنني أبحث عن ابنتي لأنني لستُ متأكدة مما إذا كانت في المدرسة أم لا؟ أنتِ لا تسمعين كلامي يا "كلير"، وأنا أتمنَّى حقًّا ألا تكوني قد قضيتِ الليلة مع "مايكل".
بما أنني متأكدة الآن من أنكِ على قيد الحياة، سأذهب للعمل. العمل الذي أحصل منه على النقود التي نأكل بها ونشتري بها الملابس التي نرتديها وتحافظ على وجود سقف فوق رؤوسنا.
إذا لم أجدكِ في المنزل عند عودتي في السابعة مساءً، سأعاقبكِ. سأعاملكِ كفتاة صغيرة يا "كلير" إذا استمررتِ في التصرف كواحدة. 
وأفرغي غسَّالة الأطباق عندما تعودين.
ماما
***
مرحبًا ماما،
وجدتُ صعوبة في فهم كثير من الأشياء في خطابكِ. أردتُ أن أقرأ عن كل الأشياء التي قمتِ بها بالفعل في حياتكِ، لكن بدلًا من هذا كتبتِ عن الأشياء التي لم تقُومي بها. حينها أدركتُ أنني بالكاد أعرف أي شيء عن حياتك. كيف كنتِ وأنتِ في مثل عُمري؟ ما كنتِ تتكلمين عنه مع أبي؟ أين التقيتما؟ هل تزوجته فقط لأنكِ كنتِ حاملًا فيَّ؟ لماذا انفصلتما؟ هل كان صعبًا عليكِ تربيتي وحدكِ؟
كل هذه الأسئلة جعلتني أبكي يا ماما، وأنا حتى لا أعرف لماذا أبكي. ربما لأنها فتحت عالمًا جديدًا لم أستوعب وجوده قبل ذلك، وأنني بدأت باستيعاب حجمه الآن فقط. عالم الكبار. إنه مخيف، وأنا لا أحبه.
***
"كلير"،
يجب أن أتحدث معكِ. يجب أن أفتح قلبي لكِ وأعاملكِ كامرأة ناضجة. كنت أمسك نفسي لأحافظ عليكِ صغيرة ومليئة بالأمل والنور، لكنني كنت أضركِ بهذا. إذا تركتكِ لتصبحي ناضجة، فستصبحين هكذا، وأنا يجب عليَّ أن أكون قادرة على مساعدتكِ لتصبحي هكذا.
لفترة وأنا أشعر بالإحباط والخوف الشديد. كنتُ أتساءل عن معنى حياتي. كل تلك السنوات التي ظننتُ فيها أنني عليَّ أن أعيش أحلامي، ولكن يبدو أن تلك السنوات أصبحت خلفي الآن؛ إنني - بطريقة ما - أضعتُ كل تلك السنوات، وأنني لم أفهم المغزى منهم. أنتِ كل ما لديَّ يا فتاتي الجميلة. 
هل كنت أُمًّا جيدة؟ إنه سؤال تريد كل أُمٍّ أن تسأله، لكن الفرصة لا تُتاح لنا أبدًا. أو أننا فقط لا نجرؤ على طرحه.