أهداف إسرائيل وسيناريو تقويضها

ما مدى إمكانية نجاح غالبية دول العالم، على رأسها قوى عظمى غربية وغير غربية بردع إسرائيل ومن يقف وراءها وحماية الفلسطينيين ومستقبلهم في هذه اللحظات العصيبة؟

يبدو التصعيد ضد الفلسطينيين في غزة والضفة متواصلاً دون هوادة من قبل حكومة الاحتلال. ويعكس ذلك التصعيد، سواء من خلال حربها في غزة أو الإجراءات الأخيرة في الضفة، حقيقة أهداف هذه الحكومة بجلاء، والتي تتمثل في تقليص الوجود الفلسطيني في غزة، وإحكام السيطرة عليها، وتقطيع أوصال الضفة وإضعاف الفلسطينيين وإخضاعهم، وحصر وظيفة السلطة الفلسطينية بمهام توجيهية إدارية مدنية محدودة، بعد إضعاف صلاحياتها ومكانتها. وتسعى إسرائيل بذلك لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وذلك بتعطيل عوامل دعم قيام الدولة الفلسطينية.

ولتعطيل وجود دولة فلسطينية، يركز الاحتلال على تشتيت الشعب الفلسطيني، ومصادرة أرضه، وتقطيع أوصالها وضمها، وإضعاف مكانة وسلطة وقدرة السلطة الفلسطينية، وتحويل قرارات اعتراف باقي دول العالم بالدولة الفلسطينية إلى حبر على ورق. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتقاطع تلك الإجراءات والسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة مع قرارات الولايات المتحدة مؤخراً تجاه الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية، الأمر الذي يعكس توافقاً فريداً بين الحكومتين، وإن لم يكن جديداً، لتحقيق أهداف إسرائيل، رغم "بلطجتها"، أي عدم واقعيتها وتحديها للمنظومة السياسية والقانونية الدولية.

ورغم تصريحات المنظمات الدولية والإقليمية وغالبية دول العالم الرافضة للسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ومواقف القوى الدولية المركزية الرافضة لتلك السياسات والإجراءات الإسرائيلية، وعلى رأسها دول غربية بالإضافة إلى روسيا والصين والدول العربية، وتطور تلك المواقف بالتهديد بفرض عقوبات على إسرائيل أو فرضها فعلاً من قبل عدد من تلك الدول، يلوح السؤال: ما مدى إمكانية نجاح غالبية دول العالم، وعلى رأسها قوى عظمى غربية وغير غربية، في ردع إسرائيل ومن يقف وراءها، وحماية الفلسطينيين ومستقبلهم في هذه اللحظات العصيبة؟

تتصاعد القرارات والإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة، وكذلك ضد السلطة الفلسطينية، بشكل غير مسبوق، وهو ما يعد إعلان حرب شاملة على شعب أعزل يخضع فعلياً لسلطتها، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال. وعرض نتنياهو في شهر شباط من العام الماضي وثيقة مبادئ لليوم التالي للحرب في غزة، لم تتغير ركائزها حتى اليوم، وهي تعكس رؤيته لمستقبل غزة. وأهم ما عرضته الوثيقة هو سيطرة أمنية إسرائيلية مستمرة ومفتوحة زمنياً، ونزع السلاح التام للفصائل في غزة، وتوفير إدارة مدنية محلية، وتشديد السيطرة على الحدود. وهو تماماً ما يجري العمل به في الضفة الغربية، ويمنع تلقائياً قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويعد التصعيد الإسرائيلي الأخير في الضفة إعلان حرب على السكان العزل القابعين فعلياً تحت سيطرتها وحكمها، وقراراً معلناً بتغيير واقعهم الحالي، بحرمانهم من حقهم في تقرير المصير، وإخضاعهم بشكل نهائي لرؤية إسرائيل لمستقبلهم السياسي. فقد صادقت اللجنة العليا للتخطيط في الإدارة المدنية لسلطات الاحتلال نهاية الشهر الماضي على مخطط "E1" الذي يمنع تواصل أراضي الضفة الغربية، وقد اعتبره سموتريتش بأنه "يدفن فكرة الدولة الفلسطينية". كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن مساعٍ حكومية لاستبدال نفوذ السلطة الفلسطينية في منطقة الخليل بقيادة محلية لعزل الخليل عن سياقها الفلسطيني الحالي، بهدف تفتيت التمثيل الفلسطيني في الضفة، وإضعاف أكبر للسلطة الفلسطينية وشرعيتها، في إطار مخطط أوسع يهدف إلى نزع شرعية السلطة ومكانتها كممثل للفلسطينيين.

ولا تنفصل تلك الإجراءات والمساعي الإسرائيلية عن إلغاء إسرائيل الإعفاء أو الضمان المصرفي قبل ثلاثة أشهر، والذي كان يسمح للبنوك الإسرائيلية بالتعامل مع البنوك الفلسطينية، وهو ما وصفه خبراء اقتصاديون بأنه خطوة تعرض النظام المصرفي الفلسطيني للشلل وخسائر كبرى، وتضعف قدرة السلطة على السداد والاقتراض ودفع الرواتب، معتبرين أنها خطوة عالية المخاطر، وتهدد استقرار مالية السلطة وتفكيك وظائفها. بالإضافة إلى خطورة القرار الحكومي المتعلق بتسجيل أراضي الضفة الغربية في المنطقة "ج"، والذي جاء في شهر أيار الماضي، ويوسع السيادة الإدارية والمدنية في تلك المناطق، وبالتالي ضمها.

ويأتي ذلك استكمالاً لإجراءات بدأت بها الحكومة الحالية منذ صعودها. ففي العام 2024 اتخذت الحكومة الإسرائيلية مجموعة من الإجراءات التصعيدية في الضفة الغربية؛ فقد ناقشت الحكومة المصغرة خطوات لتصعيد الاستيطان في سياق الرد على تحركات دبلوماسية دولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وصادقت الحكومة المصغرة أيضاً على شرعنة بؤر استيطانية، كما فرضت عقوبات على مسؤولين في السلطة واقتطاعاً من أموالها. وتوسعت عمليات جيش الاحتلال التي تراوحت بين الإغارة والاقتحامات والهجوم والاعتقال، خصوصاً في شمال الضفة الغربية، في جنين وطولكرم ونابلس، وإن لم تسلم باقي مناطق الضفة من ذلك التصعيد.

لا يمكن التغاضي عن حقيقة أن حكومة نتنياهو الحالية، منذ وصولها إلى السلطة، قد بدأت بإشعال الشرارة الأولى لتلك الحرب، والتي تحولت حالياً إلى حرب ضروس مكلفة جداً للفلسطينيين. فقد وقع نتنياهو في 23 شباط 2023 مع وزير "الدفاع" والوزير الجديد في تلك الوزارة، بتسلئيل سموتريتش، "وثيقة تفاهمات" تعيد تقسيم الصلاحيات داخل الوزارة، بما يشمل تمكين الوزير الجديد سموتريتش من إدارة ملفات استيطانية ومدنية مركزية في الضفة الغربية عبر "مديرية الاستيطان" الجديدة. وتعد تلك الخطوة توسيعاً لصلاحيات الإدارة المدنية في الضفة الغربية ذات الطابع السياسي، على حساب الطابع العسكري التقليدي للاحتلال، وهو ما يعد شكلاً من أشكال الضم وتجاهلاً لواقع الأراضي الفلسطينية الخاضعة فعلياً للاحتلال العسكري.

وفي العام ذاته، صوت الكنيست على إلغاء حظر الدخول والمكوث في أجزاء من شمال الضفة الغربية، الذي فُرض ضمن "خطة الانفصال" في العام 2005، الأمر الذي سمح باستئناف التواجد الإسرائيلي في مناطق أُخليت سابقاً. ويصب ذلك التصعيد، خصوصاً ما يحصل خلال الأشهر الأخيرة الماضية، من إعادة توزيع الصلاحيات المدنية، وتسريع التسويات والاعتمادات الاستيطانية لتكييفها قانونياً، والضغط السياسي والمالي على السلطة، وتكثيف القبضة الأمنية على الضفة، في تثبيت سيطرة إسرائيل الأمنية الدائمة على مجمل أراضي الضفة الغربية، وتقليص قدرة ومكانة السلطة الفلسطينية سياسياً ومالياً وحتى إدارياً، وحصرها في مجالات محددة، بهدف تقويض مسار الدولة الفلسطينية. وقد صرح نتنياهو صراحة بأن إسرائيل لن تتنازل عن السيطرة الأمنية على الضفة الغربية، وحظي ذلك بدعم أغلبية أصوات الكنيست في شهر شباط من العام الماضي.

تأتي تلك الإجراءات الإسرائيلية بدعم وتأييد كامل من الولايات المتحدة، الأمر الذي يزيدها زخماً. فقد صعّدت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة إجراءاتها ضد الفلسطينيين، انسجاماً مع التصعيد الإسرائيلي، رغم تزايد توجه الرأي العام الأميركي بشكل ملحوظ لدعم حقوق الشعب الفلسطيني ورفض الإجحاف بها. فقد أعلنت الولايات المتحدة قبل يومين تعليق معظم أنواع التأشيرات لحملة جواز السفر الفلسطيني، بما يشمل الزيارة والدراسة والعمل وحتى العلاج، الأمر الذي يُعتبر عقوبة جماعية للفلسطينيين، ويبدو وكأنه إعلان حرب على شعب بأكمله يرزح تحت الاحتلال، وخطوة في طريق سحب الاعتراف بالسلطة الفلسطينية أو التهديد بذلك.

جاء ذلك الإعلان بعد أيام من قرار الإدارة الأميركية سحب تأشيرات مسؤولي السلطة، قبل أيام من انعقاد جلسة الجمعية العامة المنوي عقدها خلال الشهر الجاري، لمنع حضورهم الجلسة، دون تحديد الأسباب، متهمة السلطة الفلسطينية بالتحريض وتقويض السلام. ويأتي ذلك الموقف الأميركي رغم إخلاله بالتزامات الولايات المتحدة مع الأمم المتحدة في إطار اتفاقية المقر لعام 1947، التي تلزم السلطات الأميركية بتسهيل وصول وفود الأمم المتحدة، وعدم إخضاع دخولهم لقوانين وقرارات الدولة الأميركية. وكانت الولايات المتحدة قد منعت وفد منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات من دخول أراضيها في العام 1988.

كما تحدثت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام عن تسريب وثيقة حول خطة وصاية أميركية على غزة لمدة عشر سنوات، ونقل للفلسطينيين عن وطنهم، وتقديم حوافز مالية لهم، بهدف تحويل غزة إلى مركز سياحي وصناعي تحت إشراف وإدارة الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل. ويعد ذلك إعادة لما طرحه ترامب عند وصوله إلى السلطة، ويتقاطع مع تصريحاته الآنية، رغم عدم إقرارها رسمياً، إلا أن مجرد طرحه من قبل ترامب يعد موقفاً سياسياً أميركياً غير مسبوق، رغم المعارضة الشعبية الواسعة لذلك في الولايات المتحدة. ويكشف عن تجاهل تام من الإدارة الحالية لحق الشعب الفلسطيني وللقوانين وقرارات الشرعية الدولية التي تحمي ذلك الحق، وهو ما يتعارض مع موقف غالبية دول العالم.

تُعتبر تلك القرارات الأميركية الأخيرة تصعيداً إضافياً لما بدأته تلك الإدارة منذ استلامها السلطة مطلع العام الجاري.

لم يعد خافياً أن إسرائيل ترفض الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وتسعى لضم الأراضي الفلسطينية المحتلة لإسرائيل، وتعمل على السماح بوجود سلطة فلسطينية ضعيفة وظيفياً لإدارة شؤون الفلسطينيين، بينما تعجز قانونياً عن إرساء شروط وجود الدولة الفلسطينية. أي أن إسرائيل تعمل على تعميق فكرة وجود سلطة فلسطينية بدون سيادة، الأمر الذي يقوض أحد الركائز القانونية لشروط قيام الدول.

فالضغط المالي على السلطة، وكذلك السياسي، والذي تجلّى بمنع وصول ممثلي السلطة للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة، يعد تقويضاً دبلوماسياً لمكانتها دولياً، بهدف حجب صوتها عن المحافل الدولية، ومحاولة لإضعاف قانونية تمثيلها، خصوصاً بعد الزخم الذي حصدته القضية الفلسطينية بعد حرب غزة. ويواجه الموقف الإسرائيلي والأميركي انتقادات أوروبية علنية، ورفضاً عربياً، وتنديداً تركياً، ومعارضة صينية وروسية، وتململاً أممياً، مما يرفع تكلفة العزلة على إسرائيل، خصوصاً في لحظةٍ تتجه فيها عواصم غربية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وتمتلك تلك الأطراف الدولية، سواء كانت منظمات أو دولاً، أدوات مهمة، كدعم الفلسطينيين والسلطة مادياً وسياسياً وقانونياً، لمواجهة مخططات إسرائيل والولايات المتحدة، والتي من شأنها تعطيل تلك المخططات والتأثير عليها، ورفع تكلفتها الاقتصادية والقانونية والسياسية على إسرائيل. وقد تتمكن تلك المساعي بالفعل من منع تهجير الفلسطينيين في غزة، ووقف الحرب، ولكن ذلك يحتاج إلى عمل دولي جماعي منظم.