إبداع يتحدى الزمن.. أمجد توفيق يتحدث عن الرواية، الجوائز، والذكاء الاصطناعي

رؤية فلسفية عميقة للحياة والكون تتجلى في أعمال الروائي العراقي أمجد توفيق.

الشخصيات الثقافية التي لها إسهامات كبيرة في الإبداع الروائي والثقافي والمعرفي عمومًا تحتاج إلى حوارات من نوع خاص، تكاد تكون غير تقليدية، يكون بوسع القارئ والمتتبع لتلك الشخصيات أن يجد في إجاباتهم ما يرتقي إلى المكانة الرفيعة التي يحتلها هؤلاء المبدعون الكبار من أمثال الروائي الكبير أمجد توفيق، الذي هو بالإضافة إلى أعماله القصصية والروائية الكثيرة والمتميزة والتي حظيت بالثناء والتقدير والتكريم من جهات ثقافية وأدبية كثيرة، لكن إسهاماته الأخرى كانت في مجال الإعلام والرؤى الفلسفية للحياة، التي تجد في أغلب رواياته أنه يعبر من خلالها عن مكامن شخصيته وما يريد إيصاله من أفكار ورؤى والارتقاء بالذائقة الفنية والأدبية إلى أعلى المراتب والقيم العليا، وهو يريد من خلالها أيضًا إرسال رسائل تعبّر عن مكنوناته في نظرته للمجتمع والحياة والكون بإطار فلسفي ومعرفي متعمق، وكيف يرتقي بقرائه ومتابعيه إلى الأعالي.

إنها فرصة ثمينة لكل من يريد أن يبحر في شواطئ أمجد توفيق أن يجد فيها رحلة ممتعة، فكانت إجاباته غاية في التوهج التعبيري النابع من شخصية حفرت لها مكانة كبيرة وتريد أن يبقى وهجها يضيء في السماء الدنيا، ليس حبًا بالحياة فقط، ولكن لأنه منح الحياة وكونها ومعارفها ما يستحق أن يكون أحد صناعها، ومن كانت لهم إسهامة كبرى في غرس قيم الوفاء للقيم العليا وللإنسان وللكون. فكانت إجابته بلسمًا ستجدون فيها ما يروي ظمأكم وما تحلمون به من أمنيات وارتقاء سلالم المعالي إلى حيث ترتفع رايات الإبداع لتبقى تصهل بخيلها وفرسانها الأوفياء.

فتعالوا معنا لنغوص في أعماق هذا الحوار الشيق مع أمجد توفيق... أيها الأحبة.

  • الرواية ما تزال تحتل المراتب الأولى من الأعمال الأدبية. هل ترى أن الجيل الجديد، برغم كل مشاغل العصر وتعقيداته، ما يزال يمتلك القدرة على القراءة للأعمال الروائية؟

السؤال على أهميته يثير أسئلة أخرى، فكيف نحدد المرتبة الأولى؟ هل بعدد الروايات المنشورة؟ أم بحجم القراءة وسعتها؟ أم بالاهتمام الإعلامي؟ أم بملاحقة أخبار المسابقات والجوائز؟ أم بأسباب أخرى؟

نعم، مشاغل العصر أفسدت الذائقة، وسادت قيم هدفها الانتشار وتحقيق الأرباح على حساب الجودة والعمق، لكن كل ذلك لا يمنع من الاحتفال بالعمل الإبداعي الجيد برغم قلة القراء، وانحسار الكتاب الورقي لصالح الفضاء الإلكتروني بسعته وسرعته، وغياب القدرة على التدقيق في محتواه.

  • كنتَ دومًا تؤكد أن أي عمل روائي سردي يعتمد على عنصرين أساسيين هما الزمان والمكان، لكن علماء الكون يشيرون إلى أن أبعاد الكون أربعة: الزمان والمكان والعرض والارتفاع، وهناك من يذهب إلى أن الكون يحتمل من ستة إلى سبعة أبعاد كونية. ماذا ترى أنت في نظرة الكاتب الروائي إلى موقع الكون أو مسرح العمل الروائي الذي يعتمده الكاتب ضمن مساحة انتشاره الفضائي الكوني؟

عنصر المكان يتضمن كما تعرف أبعادًا أخرى هي العرض والطول والارتفاع، ويُضاف الزمن ليصبح بُعدًا رابعًا، لذلك لا تناقض في الكلام، ونختصر كل ذلك بمصطلح "الزمكان" بأبعاده الأربعة. والنظريات الحديثة تضيف إلى هذه الأبعاد أبعادًا أخرى قوامها أن الزمن نفسه ليس مصطلحًا موحدًا، فقد يختلف بين مكان وآخر، وهذا يرتبط بأسطورة السفر عبر الزمن.

عمومًا، السرد يعتمد على الزمان والمكان والحركة، ودون ذلك لا سرد هناك، وهذا ما يفرقه عن الشعر الذي يعتمد على الكينونة، بينما السرد يعتمد على الصيرورة.

ويضيف: الرواية الجيدة تفتح آفاقًا جديدة، تزيد من سعة العالم، وفي بحثها عن القيم الجمالية تؤكد انتصارها للإنسان وللحياة باعتبارها تجربة تستحق أن تُعاش.

  • كيف تنظر إلى من يتم تقييمهم كمبدعين يحصلون على جوائز أدبية إبداعية، في حين سطرتم أنتم من الأعمال الروائية ما يستحق أن تكونوا بين أولئك الرواد الذين يستحقون أرفع الجوائز على مستوى دولي؟ كيف ترى تقييمات من يحصلون على تلك الجوائز وهم ليسوا بأكثر منك عطاءً على المستوى العراقي والعربي على الأقل؟

من يحصل على جائزة أدبية يستحق التهنئة، وهذا موقف ثابت لي. أما معايير هذه الجوائز وما يقف خلفها من أهداف، فلي وجهة نظر قوامها ما يأتي:

في المسابقات الرياضية هناك معايير محترمة؛ ففي الركض يقف الزمن المتحقق معيارًا، وفي كرة القدم الزمن وعدد الأهداف المسجلة، وفي المصارعة والملاكمة هناك نقاط للجولات، وهناك ما يسمى بالضربة القاضية، وهكذا بالنسبة إلى بقية الألعاب.

أما في الأدب، فلا شيء يمكن اعتباره معيارًا يصمد في المناقشة؛ فهناك لجان، وقرار كل شخص في اللجنة يعتمد على ذائقته النقدية، فاللجنة التي تختار رواية بين مئات الروايات وتمنحها الجائزة الأولى يمكن، وبكل بساطة، لو غُيّرت اللجنة بأخرى، لاختلفت النتيجة، بالرغم من كل العبارات البليغة التي تسوقها كل لجنة للدفاع عن قرارها.

لماذا يحدث ذلك؟

أرى أن تجربة كل مبدع مختلفة عن تجربة مبدع آخر، وليس من السهل الوصول إلى معايير متفق عليها كي نحدد أية رواية تستحق الجائزة الأولى.

وعلى مستوى شخصي، فليس لي شكوى من ذلك لأنني أفهم آلية العمل التي تجري، وقد حازت روايتي "برج المطر" على الجائزة الأولى في العراق، وحصلت روايات أخرى لي على جوائز أولى، لكن كلمة الحق ينبغي أن تُقال، برغم أنها مُرّة كالدواء.

أمجد توفيق
المبدع الحقيقي يشق طريقه دون إسناد أو ولاءات
  • ألا ترى أن اتحاد الأدباء في العراق له دور في عدم إيلاء أهمية لمن يمارسون أعمالًا روائية وحتى أدبية أخرى، ولا يسهم كمنظمة ثقافية أدبية في إيصال صوت الرواد لجهات التقييم الدولية ومن يحصلون على جوائز كبرى؟

أظن أن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ينأى بنفسه عن الدخول في هذا المعترك نتيجة حساسيات بعض الأدباء وصعوبة الوصول إلى قرار خالٍ من ضجة لاحقة. يكفيه أنه يدعم الأدباء ويتيح لهم فرص النشر وعرض نتاجاتهم في المعارض الدولية.

  • ألا تشعر بخيبة أمل من أن المهتمين بالثقافة عمومًا يميلون إلى حالات انحياز لمن يرون أنه لا بد من رفع شأنه لكي يحظوا بكسب ولائه لهم والاستفادة منه في المناصب العليا، أو يستدرجونه ضمن توجهاتهم السياسية؟

لم يمر زمن أو فترة دون انحيازات لأسباب يصعب الإحاطة بها، والحركة الثقافية عمومًا، وفي أي مكان، تشكو من أمراض لا أحد ينكرها، لكنني أقول إن المبدع الحقيقي ينبغي أن يشق طريقه دون إسناد، ومهما بلغت التضحيات، وبغير ذلك فإنه سيبقى أسيرًا لرغبات واشتراطات لا تخدم تجربته بل تسيء إليها.

  • لكنك تحصل على ثنائهم وإشادتهم في كل تجمع أدبي أو ثقافي دون أن يسهموا مع الجهات الأدبية والمتنفذة في إيصال صوت المبدع العراقي إلى الجهات المهتمة بمنح الجوائز، حتى على صعيد عراقي؟

كل ثناء وتقدير لتجربتي يسعدني ويضعني أمام مسؤولية مضاعفة في تعميق بصمتي الإبداعية، وأنا لا أنتظر دعمًا أو إسنادًا من جهة أو شخص لإيصال صوتي بهدف الحصول على جائزة، وهو أمر لا يلقى صدى في قلبي، فعلى رواياتي وقصصي وجهدي الإبداعي أن يفعل ذلك دون منّة أو رجاء.

  • هل ترى من مخاطر لتدخل الذكاء الاصطناعي في الأعمال الروائية بعد أن وجد فيها ضالته في إحداث عمليات "أكشن" وإثارة كبرى للانتباه تصل إلى حد الصعقة؟ وهل أن كاتب السيناريو هو من يحول الأعمال الروائية إلى أعمال خارقة للذكاء الاصطناعي لكسب الشهرة والإمتاع والإثارة القصوى للعمل الفني السينمائي، ولم يكن لكاتب الرواية دور أساسي في الترويج لإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي؟

نعم، أتفق أن هناك مخاطر قوامها انتهاك الأصالة والبحث عن أعمال هجينة لا أب لها.

ويضيف: الذكاء الاصطناعي إنجاز بشري قد يساعد كثيرًا في مختلف شؤون الحياة، وهو يعتمد على خوارزميات قيمتها تكمن في السرعة والإحاطة الشاملة بما سبق من جهود. أما استخدام إمكانيات الذكاء الاصطناعي في الأعمال الإبداعية، فإنه يطعن القيمة الأساسية لبصمة المبدع، وهو أمر يشبه كثيرًا ما نعرفه عن السرقات الأدبية.

ويختتم الروائي المبدع أمجد توفيق حواره بالقول: المبدع نتاج تجربته وفهمه للعالم وبصمته الخاصة في الحياة الإبداعية، ولا يمكن مشاركة الذكاء الاصطناعي في تكوينها، وإن حصل ذلك فهو شارة أخرى لنظام التفاهة الذي نعيشه.