إريك فروم واللغة المنسية

إريك فروم يتحدث في كتابه عن اللغة الرمزية التي يرى أنها هي اللغة الإنسانية الوحيدة الجامعة والتي يجب أن تدرس في المدارس والجامعات.


الشعوب المختلفة ابتكرت أساطير مختلفة مثلما أن الأشخاص المختلفين يبصرون أحلاما مختلفة


الأحلام تعبر عن جميع أشكال النشاط الذهني الممكنة

يتحدث إريك فروم في كتابه عن اللغة الرمزية التي يرى أنها هي اللغة الإنسانية الوحيدة الجامعة والتي يجب أن تدرس في المدارس والجامعات، ويقدم مدخلا لفهمها متطرقا لدراسة نظرية فرويد  لكن فيما يخص علم الأحلام فقط.
الفصل الأول تمهيد لأحد الشواهد على شمولية وعالمية هذه اللغة وهي الأحلام وكيف أنها لا تخضع لقوانين المنطق التي تحكم فكرنا أثناء اليقظة، كما أنها تجهل مقولتي الزمان والمكان جهلا مطبقا فهي ترينا الأموات أحياء يرزقون، ويضعنا الحلم إزاء حدثين يجريان في لحظة واحدة في حين أنهما لايمكن أن يحدثا في وقت واحد. أما عن مراعاته لقواعد المكان فهي لا تكاد تذكر قد نجتاز في لحظة واحدة مساحة شاسعة أو قد نوجد في مكانين في وقت واحد أي أن الفرد في حلمه يبدع عالما لا يقيم وزنا للزمان والمكان 
ويربط بين الحلم كشكل من أنواع الإبداع الخلاق يبتكره الفرد أثناء نومه بالأساطير التي هي أحد أقدم أشكال التعبير التي ابتدعها الإنسان، وأن بعض الأحلام تشبه الأساطير، ففي الأسطورة نجد أحداثا دراماتيكية لا تخضع لقواعد الزمان والمكان، نجد بطلا يغادر موطنه ليخلص العالم كما نجد طائرا أسطوريا يحترق ويولد ثانية من رماده.
وطبيعي أن الشعوب المختلفة ابتكرت أساطير مختلفة مثلما أن الأشخاص المختلفين يبصرون أحلاما مختلفة، لكن الأساطير والأحلام تظل تتمتع بصفة مشتركة؛ أنها كتبت بلغة واحدة هي اللغة الرمزية.

فرويد حاول في الأسطورة - كما في الحلم - مجرد تعبير عن النوازع اللاعقلانية واللامجتمعية التي تسكن البشر، بصرف النظر عما في الأسطورة من حكمة مختزنة من القرون الماضية وناطقة بلغة خاصة هي اللغة الرمزية

وهذه اللغة الرمزية تعبر بواسطتها الخبرات الحميمية والمشاعر والأفكار كما لو كانت خبرات معاشة في العالم الخارجي، ولهذه اللغة قواعدها ونحوها الخاص بها ينبغي أن نفهمها إذا كنا نتوخى فهم معنى الأساطير والأحلام وحكايات الجنيات.
غير أن الإنسان الحديث نسى هذه اللغة خلال القرون القليلة التي مضت على تاريخ الحضارات الغربية، حيث اعتبرت الأساطير بمثابة تراكيب ساذجة اصطنعها الفكر في مرحلة ما قبل العلمية، وكان للأحلام أيضا حكم يستهين بها ويعتبرها خالية من المعني خلوا تاما وأنها لا تستحق أن تحظى باهتمام الرجل الراشد الذي أصبح مهموما بصنع الآلات والذي يعتبر نفسه واقعيا. 
وتغير هذا الموقف من الأحلام مع فرويد بعد أن عكف على دراسة الحلم بوصفه ظاهرة بشرية جامعة ومشتركة بين الإنسان السليم والإنسان المريض. وتبين له أن الأحلام لم تكن تختلف عن عالم الأساطير وعالم الجنيات، وأن فهم الكلام الذي تقوله هذه يعني فهم الكلام الذي تقوله تلك، والأحلام هي رسائل ترسلها ذاتنا إلى ذواتنا لذا تحتاج إلى فهم لغتها الرمزية. 
ومن هنا ينتقل بالحديث إلى الفصل الثاني: طبيعة الكلام الرمزي، حيث عرف الرمز بأنه شيء يمثل شيئا آخر وهذا الرمز يقع خارج ذواتنا غير أن ما يشير إليه قابع داخل ذواتنا، فاللغة الرمزية لغة نعبر بها عن تجربتنا الداخلية، كما لو كانت تجربة خارجية، بمعنى أوضح الكلام الرمزي كلام يكون العالم الخارجي من خلاله رمزا للعالم الداخلي، رمزا للنفس وللذهن. 
لكن ماهى الصلة بين الرمز والمرموز؟
هنا ميز إيرك فروم بين ثلاثة أنواع من الرموز: الرمز الاصطلاحي، والرمز العرضي، والرمز الجامع.
الرمز الاصطلاحي: هو الشائع لدينا الذي نستخدمه في لغتنا اليومية. فإذا شاهدنا مثلا طاولة أو سمعنا من يتلفظ بالكلمة، فإننا نعلم أن حروفها (ط ا ول ة) تمثل شيئا غير ذواتها، إنها تمثل هذا الشيء الذي هو الطاولة الماثلة أمامنا. هل هناك علاقة بين الشىء الذي هو الطاولة والكلمة، بالطبع لا لكن الشىء الوحيد الذي جعل الكلمة ترمز إلى الشىء هو الاصطلاح الذي قرر تسمية الشيء المعين بهذا الاسم، والكلمات ليست الرموز الاصطلاحية الوحيدة، فالصورة أيضا قد تكون رمزا اصطلاحيا مثل العلم شعار الأمة، فهو شيء متعارف عليه للدلالة على أمة بعينها ثم درج الناس على ترجمة انطباعهم البصري حين يرون هذا العلم للدلالة على  مفهوم الدولة التي يرمز إليها .
أما الرمز العرضي: لنفترض أن شخصا عاش في بلد معينة تجربة بائسة فمجرد استدعاء اسم المكان يقرن بين اسمه وبين حالة البؤس التي عاشها هنا، فالاقتران بين الاسم والحالة اقتران عرضي .
أما الرمز الجامع: فهو على العكس، هناك صلة جوانية بين الرمز، وما يرمز إليه، فالرموز الجامعة متجذرة في تجربة كل كائن من الكائنات البشرية، لنأخذ مثلا رمز النار توحى بالمقدرة والحيوية، فإذا استخدمنا رمز النار فنحن نصف تجربة تمتاز بالحيوية والطاقة والخفة والحركة والكلام عن الرمز الجامع تبلور للغة المشتركة بين سائر البشر نجمت عن تجارب حسية وانفعالية واحدة معاشة. مع الأخذ في الاعتبار أن دلالة بعض الرموز قد تختلف من حضارة لأخرى. 
طبيعة الحلم
يذكر أن فرويد هو من أحيا في بداية القرن العشرين المفهوم القديم للأحلام، وأنها مداليل غنية بالدلالات، وأنه لا يسعنا أن نحلم بشيء ما لم يكن تعبيرا مهما عن حيواتنا العميقة، وأن كل الأحلام قابلة للفهم شريطة أن نمتلك مفتاحها، فنحن أثناء النوم لا نخضع لقوانين الواقع، فالنشاط الذهنى أثناء النوم يخضع لمنطق مختلف تماما عن منطق اليقظة، فالتجربة التي يواجهها النائم لا شأن لها البتة بخصائص الأشياء التي لا تهمنا إلا عندما نواجه الوقع. فإذا كنت أعتقد مثلا أن شخصا ما يتصف بالجبن، فإننا نستطيع أثناء النوم تحويله إلى دجاجة .
في الفصل الرابع يعرض لأراء فرويد ويونغ فيما يخص الأحلام، فرويد يرى أن الأحلام تعبر عن طبيعة الإنسانية اللاعقلانية واللاخلاقية، بينما يرى يونغ أن الأحلام إلهام يأتينا من حكمة لاواعية مفارقة للفرد ومتعالية عليه .
وأما عن فروم، فيذهب إلى أن الأحلام تعبر عن جميع أشكال النشاط الذهني الممكنة فهي تعبر عن أفضل ما فينا وأسوأ ما فينا سواء بسواء. 
تاريخ تفاسير الأحلام
التفسير غير النفساني: يرجع الحلم إلى أنه نوع من الخبرة الفعلية من خبرات النفس إبان مفارقتها للجسد، أي يعتبره بمثابة أحداثا فعلية يعاقب عليها مثلا . 

philosophy
إريك فروم

التفسير النفساني للأحلام: يسعى إلى تفسير الحلم بوصفه تعبيرا عن ذهن الحالم، ويقدم عرضا تاريخيا لتفسير المنامات، والتي تتلخص في احتمالين: إما أن يكون الحلم تجليا لطبيعة الإنسان الحيوانية – فالحلم باب الوهم - وإما أن يكون تعبيرا عن أشد الملكات عقلانية – وهو هنا باب الحقيقة.
وهناك مفكرون يعتقدون، مثل فرويد، أن جميع الأحلام تشترك في ما بينها بكنه لاعقلاني. بينما يعتقد مفكرون آخرون، مثل يونغ، أنها رؤى تتكشف عن حكمة رفيعة المستوى. لكن معظم المفكرين يرجعون الأحلام إلى طبيعة الإنسان اللاعقلانية تارة، وإلى طبيعته العقلانية تارة أخرى.
فن تفسير الاحلام
يقدم فروم هنا خطوات أولية لكل مهتم وغير متخصص في هذا المجال من خلال عرض لنماذج من الأحلام بغية تفسيرها والوقوف على بعض مبادئ تفسير الأحلام من خلالها. 
وبعد أن أوضح ماهية الرمز والكلام الرمزي يذهب فروم في الفصل السابع إلى تفسير الكلام الرمزى في الأساطير والحكايات والطقوس والروايات.
تروى لنا الأسطورة، كما يروي الحلم، خبرا يتم في الزمان والمكان. إنها ضرب من الحكاية التي تعبر بكلام رمزي عن أفكار دينية أو فلسفية، عن خبرات معاشة من قبل النفس، تكمن فيها دلالة الأسطورة بمعناها الصحيح. فإذا نحن لم نستطع إدراك المعنى الحقيقي للأسطورة، فإننا نقع عندئذ بين أمرين: إما أن تكون الأسطورة إرهاصا سابقا على العلم يتناول العالم والتاريخ بصورة ساذجة ويكون في أحسن أحواله نتاجا لمخيلة شعرية صافية، وإما أن تكون الحكاية الظاهرة التي تسردها الأسطورة حكاية حقيقية - هذا موقف المؤمن بها - فيكون علينا في هذه الحال أن نؤمن بها باعتبارها إحياء صحيحا لأحداث كانت قد حصلت "في الواقع" فعلا، فبعد أن كان يبدو من المستحيل، في الحضارات الغربية، وحتى القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أن يخرج المرء من هذين الاحتمالين، أخذت تتضح معالم طريقة جديدة في فهم الأسطورة كما أخذت هذه الطريقة تترسخ شيئا فشيئا. 
فصار التشديد يتم على الدلالة الدينية والفلسفية التي تحملها الأسطورة، كما صارت روايتها الظاهرة تفهم بوصفها تعبيرا رمزيا عن ذلك المعنى العميق. حتى أن هناك من أخذ يعتبر هذه الرواية الظاهرة نفسها لا تقتصر على كونها نتاجا من نواتج المخيلة الخصبة لدى الشعوب البدائية، بل إنها تحتوي على ذكريات ثمينة تعود إلى أزمنة سحيقة القدم. 
كان باشوفن وفرويد على رأس أولئك الذين شقوا الطريق باتجاه هذا الفهم الجديد للأسطورة. إذ قام الأول بأبحاث معمقة وميسرة تتناول الأسطورة سواء من حيث معناها الديني والنفساني أو من حيث دلالتها التاريخية، وساهم الثاني في إدراك معنى الأسطورة بأن طرح منهجا معينا في فهم اللغة الرمزية مبنيا على تفسير الأحلام.
وكان ذلك بالنسبة للأسطوريات، عبارة عن مساعدة غير مباشرة أكثر مما هي مباشرة: إذ أن فرويد حاول في الأسطورة - كما في الحلم - مجرد تعبير عن النوازع اللاعقلانية واللامجتمعية التي تسكن البشر، وذلك بصرف النظر عما في الأسطورة من حكمة مختزنة من القرون الماضية وناطقة بلغة خاصة هي اللغة الرمزية.
وتطرق لتوضيح بعض الرموز والدلالات في أسطورة أوديب حيث قدم في كتابة فكرة أخرى تقود العقل إلى الجنون وهي النظام الأبي والنظام الأمي، وهي مخالفة لرؤية فرويد المشهور بتقديمه لـ "عقدة أوديب وأسطورة الخلق، وحكاية القلنسوة الحمراء والطقس السبت، وأخيرا إحدى روايات كافكا.  .