اثنان أربع ستات والسلطة المقلوبة

رواية عبدالرحيم درويش تناقش فكرة ماذا يحدث إذا تولت المرأة زمام الأمور وخرج ما بداخلها من قمع تجاه الرجل.


الرواية تقارب فكرة السلطة المقلوبة بشكل فانتازي


الكاتب بنى روايته على سلطة متوحشة للمرأة التي تضرب زوجها وتهينه بكل أنواع السباب

هناك مبدأ من مباديء التفكير الإبداعي يسمى مبدأ القلب، وهو أن تفكر بطريقة مقلوبة لتنتج أفكارًا أكثر إبداعية وتفردًا. وهناك أيضا الطريقة الأمثل لفهم الآخر وهو أن تضع نفسك مكانه لتعرف كيف يشعر وبمَ يفكر لتحكم على الأمور بطريقة صحيحة. 
وهذا ما حاول الروائي عبدالرحيم درويش أن يفعله في روايته "اثنان أربع ستات" حيث حاولت الرواية مقاربة فكرة السلطة المقلوبة بشكل فانتازي، وتناقش فكرة ماذا يحدث إذا تولت المرأة زمام الأمور وخرج ما بداخلها من قمع تجاه الرجل على مدى أزمنة بعيدة، حيث تتولى المرأة زمام الأمور فتسحق الرجل وتحوله إلى عبد لها وهي تقيم مملكتها على أنقاض خراب روحي وجسدي لرعيتها فتخضعه لسيطرتها وتبقيه معزولا في المنزل، مطيعا لأوامر سيدته الأنثى التي تمارس عليه أقسى أنواع الجبروت من انهاك لكرامته وسلبه كل مساحة للحرية. وإمعانا في ذلك تحرمه من التعليم الذي قد يكون نافذة تتحرر من خلالها العقول لتنادي بالمساواة والتمرد، فيحرم الرجال من دخول الجامعة، ويتعلمون في المدارس الخياطة وأعمال المنزل وتربية الأبناء وخدمة السيدات الزوجات.
بنى الكاتب روايته على سلطة متوحشة للمرأة التي تضرب زوجها وتهينه بكل أنواع السباب، وتتعدى عليه بالضرب، فكل الزوجات تضربن أزواجهن، وبفانتازية عالية نجد الزوج لا يحسن التصرف، ولا يعرف شيئا غير التزين وفنون المتعة لتتمتع به السيدة.
كذلك صور الكاتب بقصدية مخيفة، عالم المرأة الموحش من متحرشات لا يأمن الرجل على نفسه عند الخروج من المنزل.
ورصد في عالم المرأة كثيرا من الفساد في المنظومة السياسية والإقتصادية والأخلاقية، إيماء خفيا لفساد الأمر إذا تولت المرأة الأمر يوما ما. يلمح السرد طول الوقت لهذه الفكرة حتى يتم التصريح بها في مشهد من مشاهد الرواية، عندما سجن بطل الرواية "علي حسام شرف" حيث يصرح رجل الدين ويردد الحديث الشريف "وقال في همس: الاقتصاد يغرق والدولة تغرق. اللهم الطف بنا. فعلا لعن الله قوما ولوا أمورهم امرأة". 

novel
كمون فكرة التعالي على المرأة 

كذلك روجت الرواية لفكرة تعدد الزوجات للرجل وأنه حل لمشكلة العنوسة، فحرم انفراد أنثى واحدة برجل واحد، وذلك عندما قررت الصديقات الأربع الزواج من علي حسام.
"طبعا. سيصير زوجا لي أنا الصحفية حنان يسري، وزوجا للمذيعة الشهيرة اللامعة صديقة صبحي، وزوجا لعالمة الاجتماع الرائعة المتيزة جنات لطفي وزوجا للعميدة عنايات المصري" (صـ 133).
نلاحظ تعدد صفات الأربع صديقات وتنوع مستواهم الثقافي بقصدية من الكاتب لفكرة التعددية، وكذلك ظهرت الفكرة أيضا ويتكرر الموقف نفسه، عندما تطلب منيرة من ثائر الزواج من ابنة خالته إيناس لأنها تحبه، ويتزوجها هي أيضا وتسمح له بالزواج من ثالثة ورابعة.
"لم أجن يا ثائر وسأدع لك الحق في أن تتزوج من ثالثة ورابعة، ومن حق سمر ابنة زميلة والدتك في العمل أن تنعم برجل رائع مثلك يا حبيبى. هذا حقكم أيها الرجال وهو محفوظ لكم. الله يقول في القرآن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع. لا يمكن أن نحرمكم حقا وهبه الله إياكم". (صـــ 155).
ولكن، سيكون الأمر أكثر تشويقا لو استمر مبدأ القلب في كل الأمور لتختل الموازين، فالرجل يحمل ويرضع ويقوم بأعمال المنزل، ويتزين بألوان الزينة، ويلبس على الموضة، لكن مع ذلك ظل الكاتب محافظا على حقه في التعدد. 
وتلك قصدية قصد إليها الكاتب بأن المرأة مهما امتلكت من قوة وسلطة تظل تحتاج لرجل حتى ولو تشاركها فيه أخريات. 
وينهى الكاتب روايته بالفعل، وقد تحققت هذه الفكرة بنجاح الثورة، يتزوج الأب من الأربع صديقات، ويتزوج سائر من أربع هو أيضا ليكونا اثنين لكل منهما أربع.
وهنا تظهر الخديعة التي أوقعنا فيها السرد؛ فالرواية تبدو من الوهلة الأولى انتصارا للمرأة وإيمانا بقضيتها، وأن ما وصلت إليه من توحش هو نتاج ظلم الرجل لها لقرون طويلة من القمع والتسلط في مجتمع ذكوري.
لكن بما انطوت داخلها من إشارات للتعدد والتنديد بفساد الأحوال، إذا تولت النساء زمام الأمور، فهي دلالات قوية على كمون فكرة التعالي على المرأة وهذا هو التناقض الذي وقع فيه الكاتب.