إشكالية الردع العربي الإسلامي في مواجهة إسرائيل

أغلب التحالفات والمعاهدات الأمنية الحالية هي مجرد مبررات لأغراض الحرب النفسية الدعائية أكثر من كونها عامل ردع حقيقي.

ما تزال التحالفات الثنائية العربية الإسلامية لم تتوصل إلى صيغة عربية إسلامية لمواجهة أكبر تحدٍ يواجه العرب والعالم الإسلامي، وهي إسرائيل، التي امتلكت من معالم القوة التكنولوجية والإمكانات التقنية الإلكترونية والعسكرية المتفوقة على الدوام. فهي لا تنظر إلى الأحجام المضادة على أنها بمقدورها أن توقف توسعها الجيوسياسي في المنطقة، وصولاً إلى هدفها في تحقيق "إسرائيل الكبرى" التي تحلم بالوصول إليها علنًا وبلا استحياء أو خجل، وهي تطرح برنامجها للشرق الأوسط الجديد في مسعى للوصول إلى هذا الهدف الاستراتيجي الذي لم تتخل عنه في يوم من الأيام.

وهنا لسنا في معرض التقليل من شأن التحالفات في الإطار الإسلامي العربي التي أقيمت مؤخرًا، كالتحالف الأمني السعودي الباكستاني الذي يُعد تطورًا مهمًا في مسار قوى الردع، وبخاصة في جانب امتلاك باكستان للقوة النووية وإعلان وقوفها بكل ما تمتلك من قدرات عسكرية ونووية لمواجهة أي اعتداء على المملكة العربية السعودية. وكذلك التحالفات الإقليمية التي تتمثل في سعي تركيا إلى التحالف مع روسيا والصين لمواجهة العربدة الإسرائيلية، حيث تشعر تركيا هي الأخرى بأنها دخلت في قائمة التهديد الإسرائيلي، وقد أفصحت إسرائيل أكثر من مرة عن نواياها تجاه تركيا.

وهناك أحاديث عن تحالفات ثنائية لم تظهر إلى العلن بين مصر والسعودية مع دول الخليج مجتمعة، وبعض دول المنطقة عدا إيران، لمواجهة التحديات الإسرائيلية التي شكَّلت رعبًا لدى دول المنطقة، وبخاصة بعد التوغل العدواني الإسرائيلي داخل أراضي قطر واستهداف قيادات حماس، بالرغم من أن قطر دولة لديها علاقات متطورة مع إسرائيل، وهي من تقوم بمهام الوساطة في أغلب قضايا الفلسطينيين، وبخاصة في الأزمة الحالية مع حماس وأحداث غزة الدامية.

وفي منظور قوى الردع، ليس بمقدور تلك التحالفات أن تشكل عبئًا مرعبًا لإسرائيل؛ إذ إن لباكستان أعداء مجاورين لها، وبخاصة الهند، ولديها مشاكل كثيرة معها، وبمقدور إسرائيل أن تُحرك الجانب الهندي لافتعال أزمات حادة مع باكستان وثنيها عن الذهاب بعيدًا مع السعودية. كما أن باكستان، بالرغم من تفوقها العسكري النووي، إلا أنه ليس بمقدورها أن تتحول إلى قوة ردع لمواجهة عربدات إسرائيل في المنطقة. ما يجعل التحالف الأمني السعودي الباكستاني سياسيًا أكثر من كونه تحالفًا أمنيًا استراتيجيًا، وليس بمقدور دولة مثل باكستان أن تغامر باستخدام قوة نووية في مواجهة تحالف أمريكي إسرائيلي نووي يمتلك أكبر ترسانات المنطقة التدميرية، حيث ليس لدول المنطقة بما تعيشه من صراعات وتمزق داخلي وقلة موارد وأزمات اقتصادية وأمنية متعددة أن تصل الأمور إلى حد مشاركة قواتها في حروب خارج بلدانها.

كما أن التحالف السعودي الباكستاني هو قديم وليس جديدًا، ومعروف أن بمقدور السعودية الاستفادة من القدرات النووية والعسكرية الباكستانية متى أرادت دون تحالفات، فالعلاقات بينهما متطورة أصلًا على أكثر من صعيد منذ عقود طويلة، وربما كان التحالف الأمني الأخير بين الرياض وإسلام آباد عملًا استعراضيًا في وقت تشعر السعودية بأنها بحاجة لأي إعلان لتحالفات أمنية تدفع عنها شرور إسرائيل، في وقت تُدرك السعودية بالمقابل أنها ليس بمقدورها الاستغناء عن تحالفها الاستراتيجي الكبير مع الولايات المتحدة، وبخاصة في الجوانب الاقتصادية وحجم الأموال الهائلة ومجالات الاستثمار التي تمتلكها السعودية في بنوك أمريكية وأوروبية، التي تشعر أن خسارة تحالفها مع الولايات المتحدة قد تعود عليها بكوارث لا تُحمد عقباها.

بل إنه حتى إذا تحالفت السعودية مع روسيا والصين، فبالبلدان ليس بمقدورهما أن يشاركا بقوات عسكرية خارج بلديهما للدفاع عن دول أخرى، وبخاصة الصين التي لم تدخل في تحالفات عسكرية إلا في نطاق محدود ولأغراض الحرب النفسية، وبخاصة مع روسيا وكوريا الشمالية وبعض دول جنوب شرق آسيا، حيث تدرك الصين من جانبها أنها لن تسعى إلى المشاركة في صراعات وحروب لأنها تعتمد على التفوق الصناعي التجاري الاستراتيجي في إرباك القوى الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة التي تحسب للصين ألف حساب في موازنات التفوق التكنولوجي-إلكتروني.

وما نراه من تمزق عربي بين مجموعة الدول العربية، وعوامل الصراع العربي-الإيراني، وضعف العراق وتدهور إمكاناته العسكرية، وما تُعانيه الدول الإسلامية من صراعات وحالات ضعف اقتصادي وتراجع في الموارد والإمكانات المادية والعسكرية، عامل يزيد في محنة العالمين العربي والإسلامي؛ حيث ليس بمقدورهما مواجهة تحديات خطيرة وبهذا الحجم من الردع غير المتوازن.

وما نريد أن نتوصل إليه في خاتمة هذا الاستعراض أن أغلب التحالفات والمعاهدات الأمنية الحالية هي مجرد مبررات لأغراض الحرب النفسية الدعائية أكثر من كونها عامل ردع حقيقي يوقف أطماع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في الهيمنة على مقدرات دولنا الإقليمية. فما يزال بوسع واشنطن وتل أبيب أنهما يمتلكان من وسائل الردع بكل أشكاله ما يشكل علامة رعب للآخرين، لم يكن بمقدور أية دولة أن تُحجمه أو أن تقلل من أهميته حتى وإن كانت دولة عظمى، كونها قوة مهيمنة على العالم وبلا منازع.