'إن أمطرت' مجموعة شعرية للشاعرة سوزان عون

سوزان عون تطرح في عملها إشكالية القصيدة القصيرة ذات النكهة الفكرية، وتستمد أفكارها من النص الصوفي ومن العلاقات الإنسانية.


لغة تتجاوز التقريري المباشر إلى اعتماد الكثافة الرمزية والإيحائية


اختيار الشاعرة عن وعي التداخل بين الخطاب الشعري والسردي


المعنى الذي يكتشفه المتلقي خلف الفكرة المطروحة لا يأتي من اللغة بل من دلالة الصورة

ينهضُ عالم هذِهِ المجموعة الشعرية المؤلفة من "إن أمطرت" مجزوء مقتطع من تركيب محذوف والذي يفتح فجوة المحاورة بين الذات الشاعرة والذات الشعرية الافتراضية على صراع مجازي عميق بين اليقين والحدس.
هذا ما يبدو واضحا في مجمل المجموعة، رسالة موجهة (للآخر) كـ"تقنية" شعرية ذات أبعاد ذاتية وتضميناتها الإبداعية.
ومن العنونة نبدأ مسار البحث المضني عن المعنى المخبوء، فالعنونة بدأت بتساؤل عن ماهية الخلاص، (المطر) عندما يكون ضارا، وهنا يظهر خطاب حجاجي في اللفظ واحد، ويراد منه معنى الجماعة.
على الغلاف الخارجي كتبت الشاعرة:
(اقتباس) 
وأكفرُ عن سنين مضت
عن عمري المدفون 
عن غربتي
عن ابتعادي، 
به.
ما باع صوتي بثمن بخس
طوبني نجمة لعينيه
وأسكنني عرشه.
العنونة:"إنْ أمطرت"
(إن أمطرت فاحمدي الله وإن لم تمطر فاحمدى
لله).
تطرح المجموعة الشعرية للشاعرة سوزان عون والمعنونة "إن أمطرت" إشكالية القصيدة القصيرة ذات النكهة الفكرية، إذ أن قصائدها مكتنزة بالأفكار المستلة من النص الصوفي ومن خلال العلاقات الإنسانية، تنقل إلى ذهن المتلقي من حالة السكون إلى حالة البحث عن شيء ما خلف ما يقرأ من شعر، إنّه نص المعنى، إلا أن المعنى الذي يكتشفه المتلقي خلف الفكرة المطروحة في القصيدة لا يأتي من اللغة، بل إنه يأتي من دلالة الصورة.
الإهداء "إلى النساء -الأيام -الحياة"

 سوزان عون تجمع بين الوظيفة البلاغية والوظيفة الإبلاغية
تجمع بين الوظيفة البلاغية والوظيفة الإبلاغية

يعتبر الإهداء من المناصات، حسب تعبير جنيت، شأنها شأن الإهداء والافتتاحية والعنوان، والعناوين الفرعية.
ذلك أنّ هذه المجموعة الشعرية، "عناوانات ومتون" كُتبت على هيئة نصوص قصيرة على شكل رسائل مما يدفعنا إلى البحث عن العلاقة الجامعة بينها وبين باقي المتعاليات النصية الأخرى.
قصائد الشاعرة تمتاز بمفردات لغتها المنتقاة من قاموس خاص بها، وهو منتخب من الواقع اليومي الذي تعيشه، حيث منه تبني قصيدتها ذات الفكرة، وقاموس لغتها هذه والتي تتصف بالهدوء والرومانسية في بعض الأحيان، وتظل متوهجة في ذاكرة الملتقي ولا تنطفئ أو تتلاشى.
(اقتباس)
"يراقص العيون"
متحايل على الحضور
يلبس الشمس ثوب الاخفاء
يجلل الشمس بسحاب من دخان رئتيه
يمسك الهامه
ساحر يراقص العيون بعصاه
يخفي تحت قبعته 
ألف عام من الغزل
في فمه مبسم طائر
يغرد ويغرد...ص 19
إنها لغة تتجاوز التقريري المباشر إلى اعتماد الكثافة الرمزية والإيحائية والصور البلاغية، لتصبح لغة تجمع بين الوظيفة البلاغية والوظيفة الإبلاغية.
تتحقق شعرية اللغة في تلك النصوص من خلال خرقها للمتداول وانزياحها عن المألوف.
(اقتباس) 
"صراخ"
رثة ملامح الماضي
متسول على قارعة النسيان
يمد يده بقلب واجف 
ثم يبتعد...ص 45
إن اختيار الشاعرة هذا التداخل بين الخطاب الشعري والسردي تم استخدامه عن وعي له ما يسوغه، فالكتابة هي استجابة لرغبة ذاتية، فنصبح أمام نصوص متناصة شكليا، ذلك أنه عندما لا تطاوع القصيدة التقليدية ذائقة الشاعرة قد تستعيض عنها بقصيدة النثر مثلا، فنكون أمام سرد تحضر فيه الشعرية، وهذا دليل على حضور مكونات سردية في النص الشعري.
(اقتباس)
"ولو مرة"
أغمض عينيك أمام الحزن
خذ نفسًا عميقاً
اذكر الله بقوة في قلبك
حلّق بعدها إلى الفضاء الرحب
الذي يتسع كلما سمونا بفكرنا وعقلنا 
فيصبح ذكر الله في قلبك
شعلة متوهجة تنير لك أياما طويلة إن كنت حزينا ...ص97
في نصوص أخرى تسعى الشاعرة للتحرر من العزلة عبر البحث عن دفء مفقود من أكنّة لا زالت ماثلة في الذاكرة ومن خلال إحالات رمزية تتخذ منها حوارا ذاتيا مرتكزا أساسيا للنص الشعري.
وبعيدا عن الزخرفة اللغوية أو الافتعالات المجازية ينهض النص وبقدر اعتماد الشاعرة على الاستدعاء للأمكنة تنهض قوة التصور، لذا جاءت اللغة الشعرية سلسة دون تكلف متممة للفكرة والرؤية ومنسجمة مع وظيفة الشعر.
(اقتباس)
"فلسطين"
الجدران حولي محايدة
لابصيص لاي متنفس
الحزن بلغ رشده
وجهي أخرس كوجعي...ص53
الشاعرة في نص آخر حاولت أن تفرغ ما في داخل ذاتها، وقد تكون متأثّرة من تراكمات نفسيّة داخليّة وأخرى اجتماعيّة، أظهرت احتقانا نفسيا داخليا، والذي ربما ينعكس حيرة وقلقا وتوترا وتقلبا في المزاج..
إذن التعبير عن النفس وعن الذات يعتبر متنفّسا عاطفيا.
(اقتباس)
"عهدتكَ أكثر حبا"
أناديك 
فما بالك لاتسمعني
ولا تأتي 
أجراس مملكتي علاها الشجن
تعزف قداساً قديماً
عهدتك أكثر حباً 
وكنت مسافرة فيك 
فأعدتني...ص61 


أقول الشاعرٍة متمكنٍة من أدواتها، منحازٍة لشاعرية قصيدتها، وتنوع موضوعاتها وربما هي جزء من الحالة الإنسانية التي تفتقدها الشاعرة من خسارات الأصدقاء والأمكنة معا.
 

وهنا تحتفي الشاعرة بالنصوص الصوفية كمعادل موضوعي عن المفقودات من الأشياء وبالأحلام غير المتحققة بوصفها مادة الحياة الموازية التي فيها يجد الشعر ضالته ومبتغاه.
وهو ما يبدو جليا في معظم قصائد الشاعرة وأن ما يعوض عن خسارة الحياة هو متعة الكتابة ومسراتها غير المحدودة.
(اقتباس)
"رسالة للأمام الحسين ع"
إمامي،
بماذا تتوضأ عندما 
كنتَ تنوي اللقاءَ والسكون؟
أين تسجد،
عندما كنتَ تحلّقُ بالروحِ عالياً، 
وأين كنتَ تضعُ جبهتك؟
ص72
وأخيرا، أقول أن هذه المجموعة الشعرية تنتمي إلى التأملات الشعرية المكثفة نصا، المتميزة بإبداعها ورؤيتها، فهي تحمل الكثير من الرؤى، استطاعت الشاعرة أن تنسجها في بناء القصيدة بطريقتها الخاصة ولونها وتميزها، كما تحضر الرموز المستلة من النص الصوفي بقوة في نسيج القصائد، مانحا إياها جماليةً عاليةً لم تأت على حساب شاعرية النص أو انسابيته، بل إضافة جمالية رغم التكثيف العالي في شكل النص وتكنيك بنائه.
وكما تنحاز الشاعرة بشكل واضح لمضمون القصيد وبنائها الفكري.
أقول الشاعرة متمكنة من أدواتها، منحازة لشاعرية قصيدتها، وتنوع موضوعاتها وربما هي جزء من الحالة الإنسانية التي تفتقدها الشاعرة من خسارات الأصدقاء والأمكنة معا.