اقليم كُردستان ودراويش السياسة في العهد البرمكي

كان على الاخوة في بغداد أن يكونوا أكثر حرصا ومرونة في كيفية تعاملهم مع المطالب والاستحقاقات المشروعة لاقليم كُردستان وأن لا يحصروا ويعصروا مطالب شعب كُردستان.

كُردستان في قلبك وانت في قلب كل كُردي! خداع الناس أسهل من إقناعهم ولغرض في نفس يعقوب وبهذا الشعار الموروث من عهد الرئيس الاسبق صدام حسين نبدأ رحلتنا مع أبجدية الكتابة والوقائع حتى نقود إنقلاباً على شريعة التفسير الخاطئ لبعض المفاهيم المتداولة في تاريخ العلاقة بين بغداد وأربيل خاصة عندما غابت أو غُيبت على أذهان بعض القيادات والشخصيات العراقية حقيقة ان الجانب الكُردي هو أول من قدّم لهم التسهيلات والدعم اللوجستي لعودتهم الى العراق في السبعينات والثمانينات والتسعينات وفي خضم الايام الاولى لسقوط النظام في نيسان 2003 مما يؤكد قدرة القيادات الكُردية على رسم خريطة النفوذ والامر والسيادة في العراق قبل 2003 وما بعد سقوط النظام؟

لكننا اليوم، وعندما تستمر بعض الجهات النافذة في مجلس النواب العراقي وداخل الحكومة العراقية كوكلاء لإملاءات إقليمية، باعطاء الحق لانفسهم وتمرير القوانين واتخاذ القرارات الأحادية كخطوة طبيعية في العملية السياسية دون أي اتفاق أو توافق مع الكتل الكُردية والاطراف السُنية، وعندما تكون التجاذبات والجمود والخلافات حائلاً بين الطرفين بحيث تستمر حالة التلكؤ والمساس بحقوق اقليم كُردستان بعيداً عن بنود الدستور آنذاك نفتح نوافذاً محررة من كل العقد مهما كلفنا الامر واعقبنا الرماح المسمومة بسنامهم وتقاريرهم ومهما توزع بصماتنا على أقبية المخافر حينما يقف دعاة الأمية وأصحاب الامر والسلطان ودراويش السياسة في العصر البرمكي ضدنا ونحن نكشف ما في نفسية بعض صناع القرار في بغداد من حقد دفين وحسد يملأه الغرور ونية غير مبررة تجاه حكومة اقليم كُردستان، علما أنهم لا يملكون الجرأة أن يعترفوا أمام الملأ جهراً من الجاني ومن الضحية؟ من منا باع الثاني وتنكر للجميل بعدما وجد البديل؟

أزمة شك عميقة لم نستطيع اجتيازها بعدما أثبت الواقع أن كل الحلول العاطفية والترقيعية لا تجدي نفعاً؟! فضلاً عن عدم قياس المسافة الصحيحة بيننا كنقطة لارضاء الرغبات الملتوية والاجندات الخارجية؟ ولاننا شعب نحصد حقوقنا عندما نحلق فوق تيجان الملوك وننفض الغبار عن كاهل شعبنا ونصور وجه الوطن بكل أمانة فمن الطبيعي أن يشعلوا ضدنا آلاف الحرائق؟! وأن يرعدوا خارج النصوص والطقوس ولكن قطعاً لا يمطرون.

نحن الان أيها السادة نخوض غمار الحديث عن حقبة فاصلة من الزمن السابق بهشاشة وعظمة احلامها وبقياس الدقائق والثواني والغطاريف الاوائل حتى يبلغ البدر تمامه ويتعرى الشر من كل كرامة زائفة وهذا هو السلُ والسمُّ القاتل الذي يفتك بجسد العراق ما بعد 2003؟ عراق كان عبر تاريخه جمجمة العرب وكنز الرجال ورمح الله في الارض؟ واليوم عراق فقط يكدس في راحتيه النفط والذهب والجَرَبْ ومالا يليق بماضي العرب؟ عراق يُعلك فيه جلودنا كل شهر! ونحن نقف مثل اعشاب الخريف في طوابير المالية الاتحادية بانتظار الرحمة والرأفة لصرف رواتبنا وتحت وعيد الصَلب والمقصلة. مرة بحجة التوطين ونقص السيولة وتارة بتهمة القوافل الذاهبة الي الهند، والتي تمرُّ عبر أراضينا وتسافر عبر مطاراتنا، وتبحر في بحارنا ولابحار عندنا ولأننا نصبغ جدران بيوتنا فقط بالاحمر والازرق ونكتب عليها بدون حلول وحضور، وأننا لا نزرع النخل العراقي في جبالنا المغطاة بالثلوج؟! ولا نلطم صدورنا وخدودنا! ولا نسلم لهم تراتيلنا وأسرار مذكراتنا وأرقام ضيوفنا وكل البيانات الامنية الحساسة لضباط الجندي المجهول؟! وأننا وأننا....؟

تعددت الاسباب والابتزاز هو الابتزاز؟ لكن هيهات هيهات.. تُرى من يخلصنا من هذا الاشكال العقيم؟ فالكُردي لا يعرف كيف يعيش في هذا الوطن وكيف يموت في هذا الوطن! فتاريخنا كله محنة وأيامنا كلها كربلاء. أيها الماضي السحيق بحلوه ومره ويا أيتها الرفيقات الماجدات والرفاق المناضلين وكل المخبرين السرّيين أيام كان حُماة البوابة الشرقية يدخلون الحروب العبثية ولا يخرجون منها وللقلم والبندقية فوهة واحدة؟ ويتصدرون المشهد السياسي بما فيها المناطق الكُردية وفي أنوار الشوارع وعناوين الاخبار وبطاقات اليانصيب وفي باب الازقة التي حاصرها الخوف والاحزان وهم يقرعون طبول الحرب والويلات ويرسمون البلاد بلون الغضب ويقولون للناس يا شعبنا العظيم ويا أحفاد القعقاع ويا أيها الغيارى في القوات المسلحة اعلموا أن التدريب يقلل من دماء المعركة وأن القادسية ستجعل كل حلمنا ممكنا والعدو سيعلن توبته قريباً وسوف ترقصون وترقصون على أنغام بيان البيانات في يوم النصر العظيم. وهكذا فلكل دبوس في مشاتل السلطة قصة أو قصتان. وهكذا تزول عنا بعض اعراض الجنون والجذام التي نتهم بها دون دليل أو برهان؟

وا أسفاه ونحن نرى اليوم في بغداد الياسمين والشعراء والصور توابلا حارقة وجنوحا لبعض ساسته نحو الهرطقة السياسية كهواية خطيرة لعودة الاستنفار وعصور من العطش والتوتر لخطف الارض والعباد وتخيم الشيخوخة على الاقليم الكُردي حتى يتفرجوا علينا بفرح هستيري ويتمتموا في إجتماعاتهم الخاصة وبكل فخر: إن موت كُردستان هو النصر المؤزر الوحيد في كل تأريخنا! هؤلاء هم من قطعوا الخبز والدينار عن كياننا الدستوري (الحاضنة والصدر الدافئ لكل العراقيين)، وعطلوا الحواس عن الاف مؤلفة حتى لا تلتقي الاطفال والمرضى بالغذاء والدواء الا في محطات الخيال!

أيها السادة: إن بعض رجال المباحث الاتحادية وحسب التفويض المخول لهم؟ قد كسروا زجاجة الحليب في فم اطفالنا وشطبوا كل الكراريس المدرسية في صفوف المدارس والشجب في كل ركن وزاوية.

ترى أين المفر؟ في كل عام وعندما تتم صياغة قانون جديد في بغداد تبدأ أزمة جديدة! والحكومة ماضية في تلاعبها بخيوط الصوف وتحاول تغيير هندسة الحياة؟! ليرفعوا درجة التأهب الى درجة الاستنفار القصوى حباً في شهية المغامرة واذا عرف السبب بطل العجب؟ أيها الاخوة يامن يعزُّ علينا فراقكم؟ لقد شوت افعالكم جلودنا في بلد لا يعترف بذاكرة الخرائط التأريخية ولا يفهم معنى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، ولا يفقه أبسط طلاسم المواطنة ولا يعرف لعنة السُكر السياسي عندما يفيق؟ مئة عام مضت وانتم لا تقدرون بلاغتنا عندما نسكت؟ مئة عام قضت وانتم تجادلوننا وتحاوروننا وتراوغوننا بلهجة الصدق الكاذب؟ وطوابير من الوطنيين يصرخون: الدين لله والوطن للجميع. والدين مُسيسٌ والوطن غائب بفعل فاعل!؟ وهكذا سقطت آخر حصون الحياء. فكيف نبارك معكم سلام الضعفاء؟! يا عجباً كل العجب.

لعقود وعقود نؤكد ان نظام البعث قد مارس ضدنا أقسى انواع القتل والتعذيب النفسي والجسدي من خلال مسح خمسة الاف قرية من الوجود والقيام بالمقابر الجماعية في عمليات الانفال والتي راحت ضحيتها 182 الف بريء ذنبهم الوحيد أنهم ينتمون الى القومية الكُردية اضافة الى استخدام الغازات السامة التي تعرف بالاسلحة الكيمياوية في قرى وقصبات كُردستان وأبرزها في حلبجة الشهيدة التي راحت ضحيتها 5000 الاف مواطن كُردي في حين تضع الحكومة العراقية الحالية وحتى هذه اللحظة العراقيل القانونية المعقدة أمام تحويل حلبجة الى محافظة عراقية جديدة! واليوم وبعد مخاض عسير من الخلافات وعقود من الصراعات المدمرة وانطلاقا من إيماننا بالحفاظ على اللحمة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد نقول: كانت اللياقة الدبلوماسية والعرف الوطني والارث التاريخي ووفاءً للملح والزاد الذي بيننا؟ وما جمعنا واياكم في الماضي في ساحات النضال المشترك أيام مقارعة الاستبداد عندما فتحت كُردستان أبوابها على مصراعيها للاخوة في المعارضة العراقية بكل فصائلها خاصة الشيعية منها وتقاسمنا معكم رغيف الخبز وتحملنا مآلات الحصار الاقتصادي ومخاطر التهديد الامني وكنا مذبوحين حتى العظم لكي تنعموا بالامن والسكينة بين أهلكم في كُردستان العراق لكن (وعد بلا وفاء كعداوة بلا سبب؟)

صدق من قال: اتق شر من احسنت اليه. والكلام هنا موجه الى البعض من سدنة القرار السياسي في بغداد ممن ذبحوا كل التفاصيل المقدسة في خاصرة العبارة وأوصلوا القضايا العالقة بين الطرفين الى حد القطيعة أو شبه إنسداد سياسي وشوهوا كل الاصوات العراقية الخيرة التي تنادي: كفانا ندخل العصور الجاهلية ونعود في كل تفاوض الف عام للوراء ولا نعي أن قطع الارزاق أبشع من قطع الاعناق؟ اجندات وإملاءات خارجية تقف وراء هذه التصرفات المتطفلة. بدليل أن تعامل بغداد مع كُردستان ليس تعاملاً مع إقليم اتحادي. وقد أشارت رئاسة وحكومة اقليم كُردستان الى هذا في مناسبات عديدة.

لذا كان على الاخوة في بغداد أن يكونوا أكثر حرصا ومرونة في كيفية تعاملهم مع المطالب والاستحقاقات المشروعة لاقليم كُردستان وأن يحاولوا بكل طاقاتهم أن يحافظوا على الوشائج المشتركة وسخونة العلاقة بين الجانبين وفاءً للماضي وتمسكا بالحاضر وأن لا يضيقوا الخناق على الاقليم الى درجة لا تطاق وإيصال الازمات الى طريق شبه مسدود وأن يبقوا على شعرة معاوية مهما كان حجم المنازعات وأن لا يحصروا ويعصروا مطالب شعب كُردستان في إطار قضية الرواتب حصراً ويغضوا النظر عن المسائل الجوهرية الاخرى التي هي صميم ونواة القضية الكُردية في العراق ضاربين عرض الحائط نضال شعب مضطهد على مدى اكثر من مئة عام ومتناسين معلومة مهمة جداً وهي أن بغداد عندما تكون قلبا وقالبا عاصمةً للجميع كما هو الحال بالنسبة للولايات الفدرالية في أميركا وعاصمتهم واشنطن؟ آنذاك ستكون بغداد العمق الاستراتيجي والقلب النابض لاكراد العراق.

ومن المفارقات العجيبة جداً بين النظام السابق والذي فرحنا يوما بسقوطه! والنظام الحالي الذي فرحنا بمجيئه وقدمنا له كل السند والعون حتى قوت شوكته؟ ثم جرت الرياح بما لا تشتهي السفن! لذا فاننا اليوم لا نستطيع أن نضحك على ذات النكتة مرتين لكن نبكي على عمق الجرح الى يوم الدين؟ فصدام حسين رغم جبروته وقسوته وعنجهيته وعناده كان كثيراً ما يردد في خطاباته عبارات "منطقة كُردستان للحكم الذاتي وشعبنا الكُردي وكُردستان جنة الله على الارض وإيماننا بالحكم الذاتي لا يتزعزع أبداً ويلبس الزي الكُردي ويتجول في مدن وجبال كُردستان ويدخل البيوت والدوائر.." وعند ذكر القيادات الكُردية ممن إنتقلوا الى رحمة الله يقول: المرحوم فلان. وكان صدام في كل جولات تفاوضه مع الاحزاب الكُردية يناقش فقط الملفات المصيرية والهامة بين بغداد وكُردستان مثل قضية الارض وحدود كردستان ومصير كركوك وصلاحيات منطقة الحكم الذاتي والسياسة الخارجية وما الى ذلك. وكان في كل الجولات التفاوضية يترفع بنفسه ونظامه أن ينزل الى المستوى الذي لا يليق بدولة مثل العراق ورئيس مثل صدام حسين أن يفاوض أبناء شعبه على قضية دفع الرواتب والمستحقات المالية والمحروقات والمواد الغذائية والدواء والحاجات اليومية و…؟ بعكس بعض الساسة في النظام العراقي الحالي بحيث وصل البعض منهم الى المستوى الذي حرموا على أنفسهم ومريديهم عدم النطق بكلمة كُردستان بتاتا حتى في مكاتباتهم فكثيراً ما تراهم يستنكفون تلفظ كلمة كُردستان ولو بشق تمرة؟ ويكتفون فقط بعبارة "الاقليم!" بخلاف الدستور والعرف والتاريخ؟! (وكلامنا لا يعني أن نظام صدام كان أحسن من النظام الحالي ولكن يبقى قول الحق وسرد الحقائق التاريخية كما هي دون رتوش واجباً ولو كان مُراً؟" وكان صدام حسين كثيرا ما يتناول في أحاديثه جهراً وسراً الحقوق المشروعة للشعب الكُردي بما في ذلك حق الشعب الكُردي في تأسيس دولته المنشودة على أرض كُردستان كجزء من عملية "إستقلال لا إنفصال" عن البلد الام؟ لأنه وفق السياق التاريخي كُردستان لم تكن في يوم من الايام وقبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة جزءً من العراق. وأعتقد أنه لا يخفى على أحد منا أن التسجيلات السرية التي تم العثور عليها بعد سقوط النظام العراقي في عام 2003 والخاصة باجتماعات صدام حسين مع أعضاء القيادة القطرية والقومية لحزب البعث تؤكد هذه الحقيقة الدامغة الى درجة أن صدام يهاجم بعباراته الخاصة تركيا وايران في حالة وقوفهم ضد هذا الطرح (الدولة الكُردية). بغض النظر عن قيام حزب البعث على مدى خمسة عقود مضت بإجراء عدة جولات من المفاوضات العلنية والسرية مع الاحزاب والقيادات الكُردية منذ مجيء البعثيين الى السلطة عام 1963 مروراً باتفاقية آذار التاريخية عام 1970 بين صدام حسين وقائد الحركة الكُردية المرحوم مصطفى البارزاني وكذلك مفاوضات الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1984 مع حزب البعث وصولا الى مفاوضات بغداد عام 1992 مع الجبهة الكُردستانية بقيادة مسعود بارزاني. وتشير بعض الوثائق ان هنالك فترات دخل نظام صدام فيها المفاوضات مع الاحزاب الكُردية لكن بشكل غير معلن. واستمرت الحوارات والتفاوض بين بغداد وكُردستان حتى سقوط أركان البعث في نيسان 2003 في حين لم يتفاوض نظام صدام مع الاحزاب والجماعات السياسية الشيعية اطلاقاً ولم يجلسوا معهم على طاولة المفاوضات ولو لمدة دقائق؟! (وأهل مكة أدرى بشعابها).

وأخيراً نقول للاخوة الاعزاء في بغداد: إن التقاعس أكثر في حلحلة ومعالجة الملفات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كُردستان سيكون له في المستقبل القريب عواقب كارثية وخيمة على الجميع. ولا ينتفع بالعبرة الا العقلاء واصحاب النظر الكريم؟ والله من وراء القصد.