الإمام المراغي في مرآة رجاء النقاش

النقاش يذكرنا بشيخ جليل من شيوخ الأزهر الشريف, هو الإمام المراغي, ويحدثنا عن قيمته الفكرية والعلمية ويدعو إلى إحياء ذكراه وتكريمه.


المراغي تتلمذ على يد الإمام محمد عبده، وتعلم منه فقه الإصلاح والتجديد


خدمة الدين لا تكون إلا بخدمة الناس والوطن


المراغي اصطدم بفاروق عدة مرات


أما الطلاق فلا أرضاه وأما التحريم فلا أملكه

موقف الكاتب والمفكر والناقد الكبير رجاء النقاش من تيارات الثقافة المصرية والعربية المتباينة مسألة تستوقف من يتأمل سيرته ومنجزه الأدبي والنقدي, وهي دالة على شخصية رجاء ومنهجه الفكري وسمته الإنساني, فوسط التراشق والتنابذ والتناحر الذي تعيشه التيارات الفكرية المصرية والعربية منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى اليوم؛ تأتي كتابات رجاء النقاش لتقدم صورة نادرة من صور التسامح والإنصاف, ودعوة هادئة للحوار والتفاهم والجدال بالتي هي أحسن. 
في كتابه "الإمام المراغي حياته وأفكاره" يذكرنا رجاء النقاش ـ الكاتب المحسوب على اليسار ـ بشيخ جليل من شيوخ الأزهر الشريف, هو الإمام المراغي, يحدثنا عن قيمته الفكرية والعلمية ويدعو إلى إحياء ذكراه وتكريمه, ثم هو يدافع عنه بالحجة الواضحة في حوارٍ واعٍ هادئ مستنير.
ولد الشيخ محمد مصطفى محمد عبدالمنعم المراغي في 7 ربيع الآخر سنة 1298 هــ (9 مارس/آذار سنة 1881) بمركز المراغة محافظة سوهاج, وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر الشريف, ونهل من معينه.
تتلمذ المراغي على يد الإمام محمد عبده، وتعلم منه فقه الإصلاح والتجديد, واقتنع بمنهجه العظيم في ربط الدين بالحياة والأزهر بالمجتمع, وكسر الجمود والركود في العقل العربي, والاهتمام بالعلوم الحديثة التي هي الوسيلة الرئيسية للتقدم والنهوض, ورفض التدهور الشامل الذي أصاب المسلمين في العصور الحديثة؛ فتخلفوا في العلم والتقدم والأخذ بوسائل النهضة وأساليبها, واضطربت علاقتهم بالغير فأصبحوا دائماً في الجانب الضعيف الذي يخضع للآخرين ولا يستطيع أن يرد العدوان, أو يواجه ما حدث في العالم من نهضة وتغيرات, وقفزة هائلة في علوم الحضارة وبناء المجتمعات.
 كان المراغي مصلحاً كبيراً يحمل مشروعاً كاملاً لتطوير التعليم الديني في مصر والنهوض به, وتحرير العقل المصري من الجمود, والتقريب بين الشريعة الإسلامية واحتياجات العصر وهموم الناس.
وهو أشجع وأجرأ من دعا إلى "ترجمة معاني القرآن" بينما كان كثير من شيوخ عصره يرفضون ويعترضون, كما دعا إلى معالجة القضايا الحقيقية لتقدم الإنسان وتطور المجتمع وحل المشكلات الأساسية في التعليم والصحة والاقتصاد والعلاقات الصحيحة بين الناس, في الوطن الواحد, وفي العالم كله.

كتاب رجاء النقاش
حوارٍ واعٍ هادئ مستنير

ويرى النقاش أن الإصلاح الذي أدخله المراغي على الأزهر كان هزة كبرى في الثقافة العربية التقليدية, ومحاولة جدية فعالة لإدخال الأزهر إلى معركة التقدم والنهضة.
يُضاف إلى ذلك تلك الأخلاق الشخصية التي شهد بها الجميع للمراغي, وهي: الهدوء والسيطرة على الغضب والنزوع إلى الخير ومساعدة الآخرين, والضمير العادل, وعفة اللسان, والشدة مع الأقوياء واللين مع الضعفاء, والإحساس العميق بأن الأخذ بوسائل الحضارة لا يتناقض مع الدين في شيء, وأن الإسلام يدعو بقوة إلى الأخوة الإنسانية في كل مكان, وأن الإسلام لا يقبل العنف أبداً ولا يرضاه. 
ولكن كيف بدأت قصة هذا الكتاب؟ وكيف تكونت خيوطه الأولى؟
بدأت قصة الكتاب مع مقال كتبه رجاء النقاش في مجلة المصور عام 1995 عن دعوة الأزهر ووزارة الأوقاف وغيرهما من المؤسسات الدينية والثقافية للاحتفال بالذكرى الخمسين للمراغي, وبعد نشر المقال تلقى النقاش بعض الرسائل التي تهاجم المراغي وتدعو الكاتب إلى قراءة بعض المراجع السياسية والتاريخية. 
ومن هذه الرسائل رسالة آثر صاحبها أن يكون توقيعه هو: "قارئ وطني مثقف" يعترض صاحب هذه الرسالة على دعوة النقاش للاهتمام بذكرى المراغي, ويرى أن الشيخ المراغي لا يستحق هذا الاهتمام ويلخص اتهاماته للمراغي في ثلاثة أمور:
- أن المراغي كان رجلاً معتدلاً في عصر كانت مصر فيه بحاجة إلى الثوار الأحرار.
- أن المراغي كان صديقاً للملك فؤاد وابنه الملك فاروق رغم ما هو معروف عن الملك الصغير من فساد وانحراف.
- أن المراغي كان صديقاً للإنجليز في وقت كان الإنجليز فيه يحتلون مصر. 
وقد حركت تلك الرسالة الفضول العلمي لدى رجاء النقاش للحصول على مزيد من المعلومات عن الشيخ المراغي ودوره في تاريخ مصر المعاصر, وزاد من اهتمامه بهذا الموضوع أن أساتذة كبار مثل محمد عودة, ود. حسين مؤنس قد رددوا بعض هذه الاتهامات في كتاباتهم المهمة عن تاريخ ما قبل ثورة يوليو, وتوصل النقاش بعد جهد كبير إلى رأي يخالف رأي القارئ الوطني المثقف, ورأي هؤلاء الأساتذة؛ لذا كانت المناقشة العلمية الرصينة لهذه الآراء هي أحد المحاور الكبرى لهذا الكتاب. 

books
صفات كثيرة اجتمعت له

في مناقشته للاعتراض الأول يرى النقاش أن الاعتدال لا يجوز أن يكون تهمة, فمواقف الاعتدال كان لها أفضل الآثار في خلق النهضة وإتاحة الفرصة أمام مصر والمصريين, والأدلة كثيرة جداً على أن اعتدال الزعماء والمفكرين في مصر الحديثة قد عاد بالخير على مصر؛ لأنك عندما تعجز عن إنجاز أقصى أهدافك مرة واحدة فلا لوم عليك إذا سعيت إلى إنجازها بالتدريج وعلى مراحل وبصورة جزئية.
وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى شخصية محمد مصطفى المراغي المعتدلة فقد كان واحداً من عظماء المجاهدين المعتدلين الذين ركزوا كفاحهم وجهادهم على إصلاح التعليم الديني في الأزهر والقضاء الشرعي, وفتح باب الاجتهاد واسعاً أمام المسلمين.
أما الاعتراض الثاني, وهو حول علاقة المراغي بالملك فؤاد وولده فاروق, فهل كان المراغي موالياً لهما راضياً عن المظالم التي حدثت في عصرهما؟ فلنعد إلى التاريخ.
تولى الإمام المراغي مشيخة الأزهر سنة 1928 بقرار من زعيم الأغلبية الشعبية مصطفى النحاس الذي كان يرأس الوزارة آنذاك, وعارض الملك فؤاد في تعيين المراغي، وطلب بدلاً من ذلك تعيين الشيخ الأحمدي الظواهري, وأصر النحاس على تعيين المراغي, وتم تعيينه رغم إرادة الملك فؤاد, وبقي المراغي في الأزهر أربعة عشر شهراً فقط, حاول فيها أن يُحقق رسالته في إصلاح الأزهر, وقدم مشروع الإصلاح إلى الملك فؤاد, ورفض الملك توقيع المشروع لكي يصبح قانوناً, فاستقال الشيخ من منصبه. فأين الشبهة هنا في علاقة المراغي بالملك فؤاد؟!
ثم أن المراغي قد عاد إلى مشيخة الأزهر سنة 1935, بعد مظاهرات كبيرة قامت في الأزهر, واشترك فيها العلماء والطلاب معاً للدعوة إلى إعادته وتوليه هذا المنصب من جديد, وكانت هذه المظاهرات الكبرى ظاهرة فريدة من نوعها؛ لأنها كانت من الناحية العملية نوعاً من الانتخاب الحر لشخصية علمية بارزة ووضعها بقوة التأييد الشعبي في موقع القيادة.
ومن الثابت تاريخياً أن المراغي كان يُحاول أن يجر الملك الجديد فاروق إلى جانب الصواب, ويرفع لديه إحساسه بالمسئولية الكبرى, وكان الملك فاروق ـــــــ على رعونته ـــــــ يحفظ للشيخ المراغي مكانته, ويحضر مجالسه الدينية في المساجد, وفي الفترة التي كان فيها المراغي شيخاً للأزهر في عهد فاروق كان فاروق (الملك الصغير) في أفضل صورة شعبية له, وكان المصريون يعطفون عليه لصغر سنه, وكانوا ينتظرون منه خيراً لم يجدوه من والده الملك فؤاد.
ومن الثابت أيضاً أن المراغي قد اصطدم بفاروق عدة مرات فعندما شرع الملك فاروق في الانفصال عن زوجته الأولى "صافيناز يوسف ذو الفقار" (الشهيرة بالملكة فريدة), توجه فاروق إلى المراغي يطلب منه أن يصدر فتوى بتحريم زواج فريدة بعد طلاقها من فاروق, فقال له المراغي كلمة مشهورة: "أما الطلاق فلا أرضاه وأما التحريم فلا أملكه.", ولما أغلظ فاروق القول صاح الشيخ: "إن المراغي لا يستطيع أن يُحرم ما أحل الله."
فالمراغي كان قوة إصلاحية ناهضة تحاول أن تجر فاروق إلى الصواب والخير, وكان يحاول أن يستفيد من الهامش المتاح له في العمل على تحقيق رسالته الكبرى في إصلاح الأزهر والإصلاح الديني بشكل عام.
وننتقل إلى الاعتراض الثالث حول شخصية المراغي, الذي يرى أنه كان صديقاً للإنجليز, في وقت كانوا فيه يحتلون بلادنا, يناقش النقاش هذه الفكرة فيسلم بداية أنَّ المراغي كان على علاقة بالإنجليز كأفراد, وليس بالإنجليز كسياسة أو أفكار استعمارية ضد مصر والسودان وغيرهما من الدول والشعوب, كان المراغي على صلة مع الإنجليز بحكم عمله في السودان لمدة تزيد على عشر سنوات, وكان يحاول ـــــــ وهذا حقه بل واجبه ــــــــ أن يتعلم منهم أساليب الإدارة الحديثة, وكل الفضائل الأخرى التي ساعدتهم على السيطرة والتفوق, والقدرة على تنفيذ أهدافهم بإتقان شديد, وهذا هو نفس ما فعله الزعيم الهندي نهرو وزملاؤه, فقد تعلموا على أيدي الإنجليز وحققوا استقلال الهند بقوة ما تعلموه, بعد أن استخدموا هذا العلم لصالح بلادهم.
على أن المراغي لم يكن في يوم من الأيام "أُلعوبة" في يد الإنجليز, بل كان يعارضهم أشد المعارضة كلما سنحت له الفرصة, فعندما اندلعت ثورة 1919 وكان قاضياً للقضاة في السودان أعلن تأييده للثورة, وأصدر نداء علنياً للعاملين في السودان يدعوهم إلى التبرع لثوار مصر وشهدائها, ولم يكد يمضي شهر على جمع المراغي لتلك التبرعات حتى خرج من السودان مُستقيلاً تحت ضغط الحاكم العسكري السوداني الذي أرسل للمراغي نائبه ليقول له: "إن عملك في جمع التبرعات هو إعلان للثورة في السودان."
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية قال المراغي في خطبة له حضرها فاروق ورئيس وزرائه حسين سري: "إن هذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل"، وكان ذلك بعد غارة انتهت بمقتل وجرح عدد كبير من المصريين, وقد حاول حسين سري أن يُرغم المراغي على إصدار تصريح آخر ينفي فيه هذا القول أو يخففه, لكن المراغي رفض وهدد بالاستقالة.

books

وعلقت صحيفة التايمز البريطانية وقالت: "إن هذا الرجل ـ أي المراغي ـ أخطر على بلادنا وحياتنا من كل ويلات الحرب."
ولو كان الإنجليز يستطيعون الإطاحة بالمراغي لفعلوا, ولكنه كان قد وصل بعلمه وذكائه وقوة شخصيته وحماسته النبيلة للإصلاح في الدين والمجتمع إلى مكانة يصعب معها على الإنجليز أن ينالوا منه؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لقامت ضدهم ثورة عنيفة لم يكونوا قادرين على إخمادها.
ومن التهم الغريبة الموجهة إلى الشيخ المراغي أنه كان ضد أقباط مصر, والذي وجه له هذا الاتهام هو الكاتب والمؤرخ الكبير د. حسين مؤنس؛ حيث حكى في دراسة له أن الشيخ المراغي قام سنة 1944, بزيارة للسكرتير الشرقي للسفارة الإنجليزية, وفهم السكرتير الشرقي من هذه الزيارة أن هناك انقلاباً يتم لإسقاط حكومة الوفد التي كانت قائمة في ذلك الوقت, كما فهم أن المراغي يُـبدي مخاوفه من تزايد النفوذ القبطي في الوفد وفي مصر كلها, وطالب بأن يتم استخدام النفوذ الإنجليزي في وزارة الداخلية المصرية للحيلولة دون أن يُصبح الأقباط ضُباطاً في البوليس المصري.
هذا ملخص ما قاله د. حسين مؤنس عن علاقة المراغي بالأقباط, وما قاله الدكتور مؤنس لم يقترن بأي وثائق تثبت صحته, وتؤكد دقته وتنفي عنه أنه صادر عن الإشاعات. 
وهنا يتساءل رجاء النقاش هل يقبل المراغي ـــــ وهو الإمام الأكبر ـــــــ أن يذهب إلى السفارة الإنجليزية؟ وعندما يذهب فهل أنه يقابل "السكرتير الشرقي" مهما كانت قيمته وأهميته؟ لماذا لم يطلب مقابلة المعتمد البريطاني الذي هو أكبر شخصية في السفارة؟ هذا اعتراض عقلي بدهي  ينسف هذه الإشاعة الكاذبة نسفاً شديداً.
ثم إن المراغي لم يكن من السذاجة بحيث يطلب من الإنجليز أن يحاربوا أقباط مصر وهم من نفس دينهم, وكثيراً ما ادعى الإنجليز كاذبين أنهم يُقيمون في مصر لحماية الأجانب والأقليات, فكيف يحرض المراغي الإنجليزَ المسيحيين على الأقباط المسيحيين؟!
والمراغي مسلم مثقف مستنير, وديننا الإسلامي لا يُحرضنا بأي صورة من الصور ضد المسيحيين, والمراغي وطني ينادي باستقلال بلاده ونهضتها, والوطنيون في مصر يعلمون أن نهضة البلاد لا تتم إلا بالأخوة الوطنية المتكاملة بين الأقباط والمسلمين.
والمراغي هو ابن الشيخ مصطفى عبدالمنعم الذي كان مزارعاً في بلدة "المراغة", وفيها أقباط كثيرون, وكان أقباط "المراغة" لا يثقون بأحد مثلما يثقون بالشيخ مصطفى, وكانوا عندما يذهبون إلى الحج إلى "بيت المقدس" يتركون كل ودائعهم من أموال وذهب وتجارة في يد الشيخ مصطفى عبدالمنعم, ولا أحد غيره لأمانته وسماحته وحسن علاقته بجميع الأقباط, في هذا البيت الكريم المتسامح الراقي تربى المراغي فكيف يكون عدوا للأقباط؟ وكيف يكون كارهاً لهم؟ وعلى هذا فالقول بعداء المراغي للأقباط لا يقوم على براهين ثابتة, بل يقوم على شائعات لا يمكن أن تصمد أمام أي بحث عقلي أو تاريخي. 
ثم يذكر رجاء النقاش شهادات بعض المعاصرين للشيخ المراغي الذين تعرفوا إليه وخالطوه وكان لهم فيه رأي واضح, ومن هؤلاء العالم السوري محمد كرد علي الذي يقول: "أجمع أنصار السيد المراغي وخصومه على أنه كان خير من تولى رئاسة الأزهر لصفات كثيرة اجتمعت له, وقلَّ أن تجتمع لغيره". 
ويخلص النقاش من رحلته البحثية إلى استخلاص الصورة التي جسدها الإمام المراغي لكل مشتغل بالدعوة والفكر الديني, وهي: أن يكون على علم واسع بدينه, وعلى علم واسع بالحياة التي يعيشها والمجتمع الذي يعمل فيه, فيستطيع بذلك أن يربط بين الدين من جانب, والحياة ومنفعة الناس من جانب آخر. وقد قال المراغي مُعبراً عن تلك الصورة: "قدموا لي ما يُفيد الناس, وأنا آتيكم بسند له في الشريعة الإسلامية."
لقد وجد رجاء النقاش في هذه الرحلة مع الشيخ المراغي متعة روحية كبيرة, ووجد في شخصية هذا الشيخ الإمام نموذجاً حياً لما ينبغي أن يكون عليه عالم الدين في أخلاقه وعلمه وثباته على مبدإ سليم وجليل, وهو أن خدمة الدين لا تكون إلا بخدمة الناس والوطن.