التاريخ والذاكرة الجماعية: جدلية الوعي والهوية

التاريخ فعل إنساني يسعى لفهم الماضي وتحليل الصراعات والتحولات لبناء وعي نقدي بالحاضر، أما الذاكرة فهي خزان تجارب تمنح الهوية معناها. يلتقيان في جدلية تصحيح وتكامل، حيث ينقّي الاول الذاكرة من الأوهام، وتغذّي الثانية التاريخ بروحها الإنسانية.

التاريخ علم دراسة الأحداث والوقائع الماضية، دراسة تستند على الوثائق والأرشيف للفهم الخاص بالمؤرخ، والمهتم بأفعال البشر ومنجزاتهم، وآثارها على الحاضر والمستقبل، التاريخ بهذا المعنى يتعلق بالمعرفة الموضوعية القائمة على التقصي والتروي في الفهم والتفسير للوقائع التاريخية، يرمي من خلالها المؤرخ إلى تحري الدقة والحقيقة. التاريخ صناعة وفن يتصل بالخبرات والأعمال الإنسانية، ويجب أن يُفهم كما قال الفيلسوف "ريكور" بمنظور سردي حركي، حيث يريد المؤرخ ضبط الأحداث وتصويرها، دراسة موضوعية للأثر الدال على الأعمال، الدال على الصراعات والحروب، والانقسامات الدالة على حضور الأمم بقدرتها وقوتها على الفعل، كالتأريخ والتدوين عن الحضارات والكيانات، والنظر في الأبعاد والمكونات، والأسباب التي ساهمت في الظهور والنشأة والاختفاء، تاريخ العالم من خلال الدورة الحضارية، وتاريخ الشعوب في التطور والأفول قائمة على نظرة المؤرخ النزيه، ونظريته في الاستجابة والتحدي على خطى المؤرخ "توينبي"، والتاريخ القائم على النشأة والتطور والتقهقر في رؤى ابن خلدون، والتاريخ القائم على الاستمرارية والاستجابة، وعدم القطع مع ماضي الشعوب خصوصا على المستوى العلمي والمعرفي، تراكمات الأمس، تعني ولادة جديدة بتفكير عقلاني، ونظم معرفية متطورة، أجيال استوعبت التاريخ والفكر، وعملت على الاستجابة لمنجزات الإنسان في الماضي للزيادة في التقدم العلمي كشرط للبقاء والسيطرة، قراءة علمية، ابستيمولوجية في مسألة الاتصال والتراكم للوقائع التاريخية، من منطلق الثورات العلمية، وتلك التأملات النابعة من فلسفة التاريخ عند ماركس، وفلسفة الوعي عند "هيجل"، تاريخ العالم يعبر عن تقدم الوعي بالحرية، تاريخ الصراع الدائم على الطبيعة، والسيادة المشتركة على الخيرات، وتاريخ الصراع الطبقي بين الطبقات الاجتماعية، من منطلق القراءة المادية في التناقض بين الحرية والاستلاب، وبين التحرر والاغتراب، وكل فعل يقوم به الإنسان، ما هو إلا تأكيد على الذات الإنسانية، وإرادة الروح في التعبير عن نفسها نحو الظفر بالحرية، والإنعتاق من قيود الاستبداد والعبودية، قوة الإنسان الفاعل في التغيير لأنماط الإنتاج، وقدرته عندما يمتلك الوعي الطبقي للقضاء على القهر والهيمنة الطبقية، وإقامة الكيانات العقلانية، والأنظمة العادلة أو هكذا يمكن فهم أبعاد التاريخ، وتحليل الوقائع التاريخية في الفلسفة المثالية والمادية معا بناء على الجدل بين الإنسان والطبيعة، والإنسان والفكر، وما يقدمه المؤرخ من معطيات في فهم حركية التاريخ، وفاعلية الإنسان، وتناقضات المجتمع .

 التاريخ لا يتم اختزاله في الوثائق والمخطوطات والأرشيف، التاريخ يمكن أن يشمل المناخ الفكري والحضاري الذي وقعت فيه الأحداث، التاريخ والسياقات، ومجمل الأسباب المساهمة في التغيير والتجديد، تاريخنا في الأرشيف الأجنبي، وثقافتنا في ضوء التاريخ، وتاريخنا كذلك من خلال حمولة الذاكرة الجماعية، والمخيال المشترك بين الناس، المناخ السياسي والاقتصادي والثقافي يفضي للفهم أكثر للواقعة التاريخية في شموليتها مع الابتعاد عن السرد الخطي، والتركيز على المجتمع بكل مكوناته، ينتهي لوضع آليات منهجية جديدة تعيد قراءة التاريخ، والحدث التاريخي في تجذره، في علاقة التاريخ بالزمن، وإيقاع المجتمع الدينامي والمتحرك، المجتمع كصورة متكاملة للنشاط الإنساني، والزمن إطار يتحقق فيه التطور التاريخي . التاريخ كذلك إنارة مهمة للحاضر والماضي معا، التاريخ قراءة في طيات الوقائع، والأهداف والنوايا بناء على خبرة، وذكاء المؤرخ، بناء على مواصفات المؤرخ، القارئ الجيد للوثائق، الذي يحمل هم التدوين والكتابة، عندما يكتمل التاريخ في ذهنه، عندما تتم غربلة الشوائب والأساطير، والأوهام العالقة بالمادة التاريخية، فلا يخلو التاريخ من تحيز أيديولوجي، وبتر في المعلومات، وغالبا ما يكتب القوي التاريخ بريشة المؤرخ المنحاز لأمة معينة، سواء جاء المؤرخ على صهوة حصان أو فوق دبابة، أو يكتب انطلاقا من الرحلات والأسفار، ويدون الأخبار المنقولة من الناس دون تمحيص وضمير.

 يكتب التاريخ كذلك مؤرخين من أمم مغايرة، يُكتب التاريخ بروح العصر، ومن يعيد قراءة الوقائع يرمي بالفعل إلى تأويل وتفسير دون إصدار الأحكام القطعية، بل تنبيه القارئ للتمرس في القراءة، واستنطاق الوقائع بالتحليل والنقد، أما الذاكرة، يمكن اعتبارها خزان للصور والذكريات، الذاكرة الموشومة بتعبير عبد الكبير الخطيبي بالوقائع والأحداث، وعاء يحفظ تاريخ الأمم والشعوب، الذاكرة الموشومة بالحكايات والأوجاع والألم، ذاكرة في عمقها تحمل تجارب من الزمن، حتى نتذكر ولا ننسى، ونبقى في ارتباط بالماضي أي ذاكرة تحمل آثار الاستعمار في الهوية المزدوجة، بين الميل للثقافة العربية الإسلامية، والميل للثقافة الفرنسية، الآخر كنظام ثقافي، والذات الجريحة، والمثقلة بهموم الماضي، وما ينسينا ويخفف عنا الأوجاع السفر بعيدا إلى ديار الآخر، غزو معكوس للتعرف عن كثب على الآخر المغاير والمخالف، سلاح المثقف التأمل والتعلم، وإعادة رسم صورة للذات والآخر دون مركب نقص . وفي ديار الآخر يحضر سؤال الهوية والذاكرة، الخطيبي كما عرفناه ناقدا ومفككا، وقارئا متمرسا للرموز والعلامات.

 يحمل الأنا في ذاته تناقضا في الخطاب، بين الاستعلاء والتقليل من الآخر، وبين الاحترام والتقدير للمواطن الفرنسي في بلده، المفاضلة والاحتقار، يتولد عنهما شرخ في الخطاب، وتمزق في الهوية، وتحمل الذات جرحا لا يستقيم إلا بالتوازن، واستعادة الذات لذاتها بالفهم والانفتاح على الآخر، وما ينطوي عليه الآخر من سلبيات وايجابيات، تكون الحداثة بقيمها من سمات الغرب، ويكون الشرق بما يحمله من روحانيات، وقيم أخلاقية ملتقى التلاقح والتعارف بين الشرق والغرب على قاعدة الاحترام والاعتراف، وليس الاحتواء والابتلاع. الذاكرة الحية تحتوي على التمثلات والتصورات، وكل التجارب والبطولات، وما يتعلق بالسرديات، حيث يتم إعادة بنائها، والحفاظ عليها من أجل صيانة الهوية، والعمل على استمرارية المخيال الاجتماعي، ذلك في سياق الوظائف المهمة التي تعززها، وليست الذاكرة الجماعية سوى التمثلات والأفكار، والتقاليد والأعراف التي تحملها الذات الجماعية والفردية معا، الذاكرة بأنواعها الفردية والجماعية، والذاكرة المستعادة، والذاكرة الوطنية. الذاكرة خزان للصور، والذات في قدرتها على الاستحضار والتخزين للوقائع، ومحطات من التاريخ .

 التاريخ من صنع المؤرخ في موقف عبد الله العروي، مجال لاختيار المواقف السياسية والأخلاقية، عناية المؤرخ بالسلوك والفعل، استنطاق الوثيقة والأرشيف من اجل فهم تجليات الحاضر، وتحري الدقة في تتبع الوقائع، وليس من أجل البحث عن الحقيقة المجردة، وعندما يكون هناك اضطراب وتوتر في الهوية الجماعية، وخلل في الذات، يبحث المؤرخ عن الأسباب والدوافع ، يبعث المؤرخ في الوثيقة روحا من التجديد، والفهم المغاير عن سياقات أخرى، ينتشل الوثيقة من النسيان، ويقلل من التوظيف السياسي للذاكرة الجماعية، وبذلك يعمل التاريخ على نقد الذاكرة بالتنقية والتعرية لأن الذاكرة يمكن أن تحمل أوهاما وحقائق مزيفة، وبالتالي لا يركن التاريخ دائما إلى الذاكرة التي تمجد التراث، وترفع الشخصيات لأبطال، وحكايات تتجاوز الوقائع التاريخية، كما يتم التلاعب بالذاكرة الجماعية من خلال إبراز أشياء وطمس حقائق، ما يرويه الناس يغذي المخيال والذاكرة، الهولوكوست واستعمار فلسطين، ذرائع تاريخية في المخططات الاستعمارية والحروب العالمية، روايات عن الوقائع من قلب المعارك والحروب، التضحيات والثورات بين التقديس والتبجيل والتقليل، انتقاء للوثائق، وصمت عن الكلام بفعل النسيان المقصود، هذا الإجراء يعيد النظر في عمل المؤرخ، يعيد بناء الصور والتصورات الراسخة في الذاكرة من جديد، ويكتسب الإنسان وعيا صحيحا، أي القدرة على التصحيح والتعديل للفكر من أجل بناء هوية على مرتكزات دقيقة، ومن اجل استيعاب الماضي بدون شوائب.

 الذاكرة طابعها التحيز، والتاريخ طابعه الموضوعية، وتحري الحقيقة، الذاكرة دائما محددة بالغايات والنوايا، ورسم الحدود الممكنة بين الكيانات، ودوام استمرارية الجماعة والقيم السائدة، يتم تخليد الوقائع، وتجديد الذاكرة، يتم العمل على شحن الذاكرة بالمرويات، والرؤى المحفوظة من الماضي، وتعتمد بذلك على السرد والمخيال، ومهمة المؤرخ المساءلة، وطرح السؤال عن قوة وحدود الأعمال الخاصة بالإنسان دون تمجيد أو تقليل. نحن شهود على تاريخنا أي ما هو قابل للرصد والمعاينة من خلال تجربة ذاتية حية، وفي غمار الأحداث، ولسنا نمتلك نظرة موضوعية عن التاريخ البعيد إلا ما ينقله المؤرخ، وما هو مدون في الكتب والأرشيف والوثائق، كذلك التاريخ الظاهر الموجود في الطبيعة، كالمآثر العمرانية، والآثار الباقية، وما هو راسخ ومثبت في الذاكرة والسلوك، من عادات وتقاليد وقيم، الذاكرة الجماعية انتقائية، والتاريخ يتغذى على الذاكرة، ومستقل عنها في المنهج والأدوات بوصفه علما، أما التداخل بين التاريخ والذاكرة لا يمكن نكرانه أو التنصل منه، الذاكرة خزان للصور والخبرات، والتجارب الخاصة بالفرد والجماعة، الذاكرة في حاجة إلى جماعة للحفاظ على الهوية والمعنى، الذاكرة بدون توظيف سياسي أو أيديولوجي، الذاكرة الجماعية والحماية من الانقسام والتشتت، قائمة على وظيفة الترابط والتماسك بين أفراد الجماعة .

 الذاكرة الجماعية منظومات من القيم وأنماط من التفكير، الفكر بوصفه ذاكرة بتعبير القديس أوغسطين، والوعي ذاكرة بتعبير الفيلسوف الفرنسي" هنري برغسون"، صلة الوصل بين الماضي والحاضر، واستباق للمستقبل، الوعي المتصل بالزمن تراكم وتطور، والذاكرة حركة مستمرة ومتجددة تساعدنا على الفعل،، الترابط بينهما قائم ومهم، والسطو على الذاكرة الخاصة بالشعور بمثابة السعي لمحو التاريخ، والفكر عموما يؤطر الجماعة، أو يبدد شملها بالتفكيك والتقسيم، جدوى الترابط بينهما من خلال المعلومات، وأحداث تسجل من عين الواقع خصوصا للذين عاشوا تجارب، وكانوا في معترك الواقع، لمن عاين وروى، يمكن أن يفيد المؤرخ في فهم وتفسير الحوادث التاريخية، لأن الذاكرة بوصفها المادة الأولية الخام، أساسية في تقديم الشهادات والبيانات الشخصية، وما يتعلق بالذكريات الموروثة، ذاكرة طويلة المدى لأولئك الذين شاركوا في الحروب والثورات، الأشخاص الذين عاينوا أدق التفاصيل، يمكن الاستفادة منهم عند الكلام عن الجزئيات، وفي مواقفهم مختلفة، وعن الأشياء التي أغفلها المؤرخ قصدا أو سهوا .

 إن التاريخ في حاجة للذاكرة الجماعية والفردية معا كموضوع وأخبار، نوع من التحري، والبحث في الجزئيات والتفصيل الدقيقة، ولو كانت عبارة عن مرويات شفهية مفعمة بالتذكر والنسيان معا، لو كانت محدودة وقليلة، ومليئة بالمبالغة، ومشحونة بالعواطف الجياشة، والحقد على الآخر، والذاكرة في حاجة للتاريخ من أجل التعديل والتصحيح، والخروج بوعي صحيح عن الوقائع بعيدا عن كل سلطة أو منفعة، بعيدا عن الذاتية، لأن المؤرخ مطالب بالتحري والدقة، والبحث عن الحقيقة النسبية، والقول ما جاء في الكتب، وشهادة الناس الميدانية، حيث ينصت  المؤرخ لمن عايشوا التجارب من التاريخ القريب، يتأمل، ويدون مسلحا بالمنهج العلمي، في الذاكرة الفردية يحكي الجنود عن الحرب العالمية الثانية، والحروب الأهلية، تحكي الجماعة عن الأصول والعبور، ذاكرة المسنين، وذاكرة المهاجرين، وذاكرة الناقمين والحالمين، وذاكرة الذين شاركوا في الصراعات، والنزاعات الدولية، الذين فروا من لهيب المعارك والحروب العرقية... هناك الأرشيف الموثق، والصور الفوتوغرافية، وما هو قائم بالفعل من خلال روايات متعددة للتاريخ من مصادر محلية ومصادر أجنبية، والتاريخ كعلم بالماضي الإنساني يستند على قراءة متأنية في السياقات والدوافع .

 التاريخ فهم ذاتي وموضوعي للوقائع من خلال الفهم والتفسير، هاجس المؤرخ الموضوعية، والمؤرخين على تعدد مدارسهم ومناهجهم يرغبون في الفهم دون السقوط في السرد الحرفي أو جعل التاريخ أقرب للرواية، والحذر الشديد من السقوط في الأيديولوجيا، وتكريس التفكير المزيف، وفي بعض الأحيان تتدخل الذاكرة الجماعية، وتلقي اللوم على المؤرخ في عدم التعبير عن الحقيقة أو اللجوء للصمت قصدا، وعدم الإحاطة بالوقائع، والمفيد للمؤرخ الانفتاح على أدوات العلوم الإنسانية، من أجل التأصيل المستمر لعلم التاريخ من خلال اختيار المناهج الملائمة في الكتابة التاريخية، ولا يمكن إغفال قيمة ووظيفة الذاكرة في تقوية الشعور بالانتماء إلى جماعة ثقافية وسياسية أو عرقية قائمة على قيم وتاريخ عريق وممتد .