التجريب والتجديد والتخييل في 'القصة القصيرة.. أطياف وألوان'

كتاب الناقد المصري شوقي بدر يوسف يعاين القص القصير بفضاءاته المختلفة وأشكاله وطرائقه وأساليبه المتنوعة.


جيل الستينيات حطم الصورة النموذجية المعتادة لفن القصة بألوان وأطياف جديدة


التفوق الحقيقي في الكتابة القصصية يكمن في اختراق الواقع

في كتابه "القصة القصيرة.. أطياف وألوان" يؤكد الناقد شوقي بدر يوسف أن ثمة أطيافا وألوانا من القص القصير، الجامع لمجموعة من الكتَّاب والمبدعين، استهوتهم جماليات مغامرة الكتابة في متون القصة القصيرة، وإغواءات التقاط لحظات الواقع، وتحويلها عبر المتخيل السردي إلى انفتاحات في عوالم الحلم والشارد والعجيب، رامزين إلى ما تطلقه الحياة من أحوال وتأزمات واجتهادات، تثير النفس، وتطلق الحكاية إلى ما وراء آفاق المتعة والتجربة السردية القائمة عليها.
والسرد في القص القصير له علاماته المحببة بشكل جعل كبار الكتَّاب والأدباء والشعراء، أيضاً يطرقون مجالاته بصورة أو بأخرى. وكانت محاولة خوض هذه التجربة عند هؤلاء الكتَّاب بمثابة تشييد عوالم قصصية قد تحكي تفاصيل واقعية، وهواجس تخييلية في صورة حكائية فنية من خلال شخصيات وفضاءات ووقائع وأحداث لها حيز التكثيف والتقطير واللقطة المنتقاة من الواقع. ولا شك أن للتأسيس والتجنيس معناه الزمني لهذا الفن المرتبط بالظاهرة الأدبية والتأريخ لظهورها على الساحة والعلاقة الكبرى بين المؤسسين لهذا الفن، لذا كانت القصة القصيرة في تاريخ تجليات إسهاماتها، ومع اتساع حدود الفن القصصي القصير والطويل ظهرت أجيال من جميع الأطياف بدأت الدخول إلى مجال السرد القصصي في محاولة لبلورة المشهد وإيجاد موضع قدم فيه.
ويؤكد شوقي بدر أن دوائر التأسيس والتجنيس التي نشأت عليها القصة المصرية القصيرة في مسيرتها الطويلة كانت نتيجة مراحل عدة، مر بها هذا الفن حتى أصبحت له مساحات جديدة من التجريب والتجديد والتخييل عبر أطيافه المختلفة، وألوانه اللافتة في كل تجربة، وخلخلة لأصول الكتابة في هذا الجنس الأدبي الجامع لوضعية النص، وما يدور حوله من جدل وطرح للأسئلة، فمنذ المدرسة الحديثة وفرسانها الأوائل وحتى الأجيال الحالية من كتَّاب القصة، نجد أن التحديات التي واجهت فن القصة كثيرة ومتطورة، وقد استفادت هذه المواجهة من الثقافات المختلفة والتطور التقني والمعلوماتي عند كتَّابها.

إن القصة القصيرة يمكن أن تعالج الحياة التي تبقى سراً

ويرى شوقي بدر في كتابه أن العقاد، على سبيل المثال، ككاتب موسوعي، مر على هذا المشهد كزائر وضيف عابر ففي مجال الرواية كانت "سارة" بمثابة بيضة الديك الوحيدة له في فن الرواية، وفي فن القصة القصيرة كانت له بعض مراوحات قليلة مثل قصص "أحسن حمار"، "كسبنا القضية"، "العذراء والشيطان"، كما ترجم مجموعة من القصص القصيرة لكتَّاب أميركيين، كما كانت له رؤيته الخاصة حول المفاضلة بين القصة والشعر، وهو ما حاولنا أن نوضحه في مقاله عن العقاد والقصة الصغيرة كما كان يسميها. كذلك مارست هذا النشاط الدكتورة "بنت الشاطئ" في إرهاصات كتاباتها الأولى ففتنت بفن القصة، وكانت لها فيه كتابات وبصمات لها وزنها في هذا المجال، وهو ما وضحته الدراسة التي تضمنها الكتاب عن إرهاصات القصة عند الكاتبة الكبيرة الراحلة.
بصمات تجريبية وتجديدية
يرى المؤلف أنه مع جيل الستينيات بأسمائه المعروفة، أصبح للمشهد القصصي لون جديد، محطماً الصورة النموذجية المعتادة لفن القصة بألوان وأطياف جديدة، وضعت بصماتها التجريبية والتجديدية في الساحة، نختار منهم – في هذا السياق – ثلاثة كتَّاب كانت لهم بصمة قوية على فن القصة القصيرة في ذلك الوقت، وهم: إبراهيم أصلان، ومحمد حافظ رجب، وعبدالحكيم قاسم، كما اخترنا كاتبين من الإسكندرية كان لهما دورهما المحدد في ساحة القص القصيرة، وهما: محمد الصاوي في نزعته التجريبية الخالصة في فن القصة والرواية، والقاص الصحفي فتحي الإبياري الذي كانت له في مجال القصة القصيرة صولات وجولات، أنشأ على أثرها نادي القصة بالإسكندرية، وحرر العديد من الدوريات المتخصصة في ذلك المجال.

إن المؤلف يجب أن يكون قارئاً متيقظاً إلى أقصى حد

والقصة القصيرة المصرية، بأطيافها المختلفة، وألوان الكتابة فيها، مارس كتابها في جميع الأحوال التجديد في الشكل والمضمون، وطرق العديد من القضايا الملحة والتيمات التي عوَّل عليها الكتَّاب في كل المجالات، وكتَّاب القصة من كل الأطياف لا يتفوق فيهم أحد على أحد إلا من خلال النص والكتابة بإبداعية جديدة ومتجددة، ويكمن التفوق الحقيقي في الكتابة القصصية في اختراق الواقع، وصوغ التجربة صوغاً دلالياً جمالياً، والاحتفاء بهذا الواقع في تجليات حضوره المعرفي والإنساني. وهي كما يقول عنها فرانك أوكونور في (الصوت المنفرد): "إن القصة القصيرة يمكن أن تعالج الحياة التي تبقى سراً".
أما النماذج التي اختارها شوقي بدر ليتناولها في كتابه من الأجيال المعاصرة الآن، وهم أحمد الخميسي، وأحمد محمد حميدة، ومحمد عطية محمود، ومحمود عرفات، ومحمد عباس على، وشريف عابدين، فهي نماذج تمثل أطيافاً مختلفة من الكتابة القصصية ورؤى متباينة في التقنية، واختيار القضايا والموتيفات المتعلقة بمنجزهم القصصي، لكل منهم مذاقه الخاص، ورؤيته الإبداعية وطريقته في الكتابة، وأسلوبه الخاص في التعبير عن استيعاب اللحظة الجمالية للقصة القصيرة هذا الفن الأدبي المراوغ، ولعل اتساع حدود المشهد في مصر والعالم العربي والعالم كله، والحالة التي تُكتب بها القصة القصيرة الآن من توجهات مختلفة تشير إلى محاولة الكاتب أن يكون قارئاً في المقام الأول، كما قال باشلار: "إن المؤلف يجب أن يكون قارئاً متيقظاً إلى أقصى حد"، وأن يستند إلى قضايا الواقع التي يلتقطها من ساحة الحياة، ليقول فيها كلمته ويطرح فيها أسئلة الجدل والمناقشة من خلال حساسية الفن القصصي، وكما يقول عنها الروائي أرنستو ساباتو: "يعيش إنسان اليوم في حالة توتر دائم، هو يقف وجهاً لوجه أمام تأزمات الحياة ومحاكاتها المتطرفة المختلفة، وقد بلغ أو على وشك البلوغ نهاية وجوده، والأدب الذي لا يضيف أو يفحص هذه الحالة، لا يمكن أن يكون شيئاً آخر عدا كونه أدب الحالات الاستثنائية".
كتاب "القصة القصيرة.. أطياف وألوان" للكاتب شوقي بدر يوسف، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة. (وكالة الصحافة العربية)