التونسي عبدالجليل التميمي عقل استراتيجي يعيد وصل التاريخ العربي بالمستقبل

أحد أبرز المفكرين التونسيين والعرب في مجال الدراسات الإنسانية المستقبلية يجمع بين البحث التاريخي العميق والاستشراف الفكري للمستقبل العربي بمسيرة انطلقت من دراسة التاريخ العثماني والموريسكي وصولاً إلى تأسيس مدرسة بحثية رصينة تسعى إلى بناء فهم علمي متكامل للعلاقات بين الماضي والحاضر والمستقبل في ضوء الوثائق والأرشيفات.

د.عبدالجليل التميمي الفائزة بجائزة مؤسسة العويس الثقافية فرع الدراسات الإنسانية المستقبلية في دورتها التاسعة عشر، أحد أهم مفكري تونسي، متخصص في الدراسات الإنسانية المستقبلية والفكر الاجتماعي والسياسي، وله مساهمات بارزة في استشراف التحديات المستقبلية للمجتمعات العربية. تركز أعماله على تحليل التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وربطها بالدروس التاريخية والتجارب الإنسانية، مع تقديم رؤى علمية واستراتيجية لفهم المستقبل.

يُعرف التميمي بقدرته على صياغة مقاربات معرفية دقيقة تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتحليل تأثير التحولات الكبرى على الإنسان والمجتمع، سواء في القيم أو المؤسسات أو الفكر. كتاباته تسعى إلى بناء فهم مستقبلي متكامل للظواهر الإنسانية والاجتماعية، مستندة إلى تحليل معمق وعلمي للنظم الثقافية والسياسية والاجتماعية. ومنح جائزة الدراسات الإنسانية المستقبلية له يمثل تقديرًا لمكانته الفكرية كمؤرخ ومفكر استراتيجي، قادر على تقديم رؤى مستقبلية دقيقة تساعد على فهم وتحليل التحولات الاجتماعية والثقافية في العالم العربي بشكل متقدم وعميق.

في شهادته " مسارات بحثية في التاريخ الحديث" التي ضمها كتاب الفائزين بجوائز مؤسسة العويس الثقافية، يضيئ التميمي جوانب مهمة حول مسيرته، يقول "بدأت مسيرتي البحثية سنة 1965، أي منذ ستين عاماً من الآن، بالتاريخ العثماني من خلال تاريخه في الجزائر بداية الاحتلال الفرنسي، ثم توسعت إلى بلاد المغرب العثماني خلال العهد الحديث، وفي مطلع الثمانينيات أضفت إلى ذلك الاهتمام الدراسات الموريسكية الأندلسية التي تُعنى بمن بقي بإسبانيا من العرب المسلمين بعد سقوط غرناطة. وانتهيت أخيراً منذ ما يزيد على ربع قرن بالاهتمام بالذاكرة الوطنية وتاريخ الزمن الراهن.

ويوضح "كان منطلقي في عالم البحث هو الدراسات العثمانية، وقد وجهني إلى ذلك أستاذي روبير منتــران (Robert Mantran  في جامعة أكس أون بروفنس (Aix-en-Provence) الفرنسية، طالباً مني أن أبدأ بتعلم اللغة التركية. وكانت نصيحة منهجية لا تقدر بثمن. فذهبت إلى اسطنبول للعمل بها، وفي نفس الوقت كنت أول باحث عربي يدخل الأرشيف العثماني، وقد أتيحت لي الفرصة كي ألتقي بمن كان يتردد عليه من أكبر المؤرخين الأتراك فاستفدت من خبراتهم ومن اطلاعهم على خفاياه وخباياه. وأما موضوع البحث، فيمكن فهمه على أنه كان صدى لما تركته فينا الثورة الجزائرية، إذ عشنا على وقعها وتفاعلنا مع تطورات أحداثها، وسعدنا لتمخضها على الاستقلال، فكان اختياري لموضوع الحاج أحمد باي قسنطينة، الذي قاوم الاحتلال الفرنسي، وهو ما يعطي شرعية تاريخية للثورة الجزائرية التي اقتلعت الاستعمار الفرنسي من البلاد. ولا تفوت الإشارة هنا إلى أن ذلك الموضوع لا يخرج عن إطار التاريخ المغاربي، وقد جاء تجسيماً للفكرة المغاربية التي نشأت وتطورت في صفوف الحركات الوطنية للبلدان المغاربية. واليوم يمكن القول إن مثل هذا الاهتمام بالتاريخ المغاربي لم يأخذ مداه بعد ذلك على الساحة التونسية، حيث بقي البحث الجامعي منحصراً في الإطار القطري، ولا يختلف الأمر كثيراً عن ذلك في الجامعات الجزائرية.

ويضيف "ناقشت أطروحتي لدكتوراه الدولة في مارس/اذار 1972، وأكملتها بتكشيف علمي للدفاتر العربية والتركية بالجزائر، وإذا كان الجزء الأساسي فيها يتعلق بصفحات مشرقة من تاريخ الجزائر في العهد العثماني، فإن الكشاف يعتبر أداة للباحثين الشبان للسير على نفس المسلك في الاهتمام بتاريخ إيالة الجزائر في العهد العثماني. وإذا كانت مقاومة الحاج أحمد باي تعطي صورة إيجابية عن العثمانيين، فإن ذلك لا يخفي صورة أخرى سابقة. وفي الجملة فإن الموقف من الدولة العثمانية كان يتراوح على الساحة العربية بين موقفين اثنين: أولهما سلبي، ساد بالمشرق العربي، كان يعتبر الوجود العثماني احتلالاً تركياً"، نقطة ارتكازه ما وصلته العلاقات العثمانية العربية من توتر خلال الحرب العالمية الأولى، وقد نتجت عنه كل المواقف الإيديولوجية والقومية على الجانبين، وقد استمرت في منابر الجامعات العربية بالمشرق اعتماداً على المراجع الغربية ودون العودة إلى المصادر الأرشيفية، سواء العثمانية أم المحلية أم العربية. ثانيهما موقف إيجابي، في المغرب العربي يستمد جذوره من فترة الصراع الإسباني العثماني في القرن السادس عشر، عندما كانت المنطقة مهددة في هويتها وفي وجودها، وكانت بعض سواحلها تحت الاحتلال الإسباني، فجاء العثمانيون لإنقاذها وضمها إلى دولتهم، وهو ما سمي في المصادر المحلية بالفتح العثماني على غرار الفتوحات الإسلامية.

ويضيف "إلا أن الدراسة الموضوعية تقتضي الاعتماد على الأرصدة الوثائقية وأساساً من بينها الأرشيفات العثمانية، حيث لا يمكن منهجياً كتابة تاريخ الإيالات العربية العثمانية مع تجاهل تلك الأرصدة. وهذه أصبحت قناعة ثابتة الآن في مجتمع الباحثين، ولم يكن الأمر كذلك قبل نصف قرن. وفي هذا الإطار، سعينا خلال المؤتمرات الثمانية عشرة التي نظمناها في رحاب مؤسستنا إلى تنويع المصادر وتوجيه الباحثين إلى الأرشيفات الرسمية بالبلاد العربية، إضافة إلى أرشيفات الزوايا والمحاكم الشرعية والعائلات وغيرها. وهو ما سمح بمعالجة إشكاليات مختلفة ومتكاملة بما غطى تاريخ الإيالات العربية خلال العهد العثماني بأبعاده السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبحرية والدبلوماسية، كما تناولنا موضوعات المرأة والعائلة والطفل... ولم يكن ذلك ممكناً دون استعمال مختلف المصادر الأرشيفية العثمانية والأوروبية. وفي هذا الإطار نشرنا للأستاذ عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم سلسلة من الكتب استخرج مادتها من سجلات المحاكم الشرعية المصرية حول المغاربة في مصر في بدايات العهد العثماني، وهو ما وفر مادة أساسية للبحث حول الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي قام بها المغاربة في مصر أثناء العهد العثماني.

ويلفت إلى أن هذه الإضافات والتوجهات الجديدة أفضتفي الأخير إلى تقييم جديد للتاريخ العثماني، وتوصلنا إلى مصطلح جديد لا يحمل شحنة سلبية ولا إيجابية، عوض الفتح أو الاحتلال، وهو العثمنة، وبالفعل فما تم خلال أربعة قرون من تاريخنا الحديث هو عثمنة البلاد العربية بما يعنيه ذلك خضوعها للنفوذ والتأثير العثماني. ولم نكتف بالدراسات التاريخية، وإنما أضفنا إليها الاهتمام بالآثار العثمانية، وقد جاء ذلك في ظرفية التسعينيات بعدما تعرضت المعالم الأثرية العثمانية في البلقان إلى التدمير الممنهج بسبب الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة ودول البلقان، والحقيقة أن حال تلك المعالم لم يكن مختلفاً كثيراً عنها في البلدان العربية، حيث كانت تتعرض للإهمال، وهو ما دعانا إلى تنظيم سلسلة من المؤتمرات حول مدونة الآثار العثمانية في العالم، شارك فيها عدد من الأثريين العرب والأوروبيين والبلقانيين، الذين اهتموا بحالات تلك المعالم في بلدانهم من جوامع وقلاع وأسوار وقشلات وأبراج ودور وأسواق وصاباطات وغيرها.

وأبرز ما سجل من ناحية منهجية هو التزاوج بين التاريخ والآثار وحتى التراث العثماني، حيث استعملت الوثائق الأرشيفية في الدراسات الأثرية ونتجت عن ذلك نتائج باهرة. وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت تلك المؤتمرات منطلقاً لشراكات علمية بين باحثين عرب وأتراك، كما كانت مناسبة للتعارف والتعاون بين أثريين من الضفتين، وفي هذا الإطار، كرمنا في إطار مؤسستنا أحد أهم الأثريين الدوليين وهو ما خيال كيل (Machiel Kiel) الذي تخصص في الفنون العثمانية، ووجه كل جهوده واهتمامه إلى صيانة العمارة العثمانية في البلقان، وقد أصدرنا كتاباً تكريمياً له، وفي ذلك رسالة تقدير إلى علماء يعملون في صمت وفي عمق خدمة لحضارتنـــــا ولأمتنا.

ويؤكد أنه دون الحديث عن مدرسة تاريخية عربية حول التاريخ العثماني، نعتقد أننا ساهمنا بكل تواضع في إيجاد أرضية جديدة لدراسة تاريخنا بعيداً عن جراحات الماضي وعن التوتر والتشنج، هدفنا الوصول إلى الحقيقة من أجل بناء الثقة والتفاعل مع محيطنا الجغراسياسي. وفي هذا الإطار أسسنا المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية وقد فتحناها أمام الباحثين العرب وغيرهم، بما يطرحونه من مقاربات جديدة في تفاعل مع ما يطرح على الساحة الدولية واعتماداً على مصادر جديدة وبمقاربات جديدة.

وحول إضافاته في مجال الدراسات الموريسكية الأندلسية يقول "هذا المبحث يسمى بالموريسكولوجيا ويهتم بتاريخ العرب المسلمين الذين بقوا في الأندلس بعد سقوط غرناطة في 1492م، إلى أن وقع طردهم منها في 1609 - 1610. وقد عاشوا خلال ذلك مأساة حقيقية، وقد اهتم بهم الباحثون الإسبان أساساً كجزء يهم تاريخ بلادهم، معتمدين في ذلك على أرصدة محاكم التفتيش والبلديات وغيرها من الأرشيفات الرسمية؛ فكانت لدراساتهم وكتاباتهم حدودها المنهجية والمعرفية، قبل أن يتجه إلى نفس المبحث باحثون أوروبيون، ثم التحق بهم آخرون في العالم الجديد وخاصة في جامعة بورتوريكو. وهو ما أثرى تلك الدراسات وأعطاها درجة من الانفتاح. أما شخصياً، فقد بدأت الاهتمام بهذا المبحث منذ عثرت في الأرشيف العثماني على رسالة وجهها أهل غرناطة إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، وكان من عظماء عصره، وقد وصفوا له فيها الأوضاع التي يعيشونها ويدعونه فيها للتدخل لإنقاذهم، لقد هزتني تلك الرسالة إلى درجة أني لم أتمالك نفسي عن البكاء، وهكذا وجدت نفسي منخرطاً في الكشف عن مأساتهم الإنسانية. ثم أتيحت لي الفرصة للمشاركة في مؤتمر نظمته جامعة تور ( Université de Tours) الفرنسية حول الموريسكيين وزمانهم، وكان وراء تنظيمه أحد أهم الباحثين في الموضوع، وهو الصديق الراحل لوي كاردياك Louis Cardillac). لقد كان الحاضرون في أغلبهم من الأوروبيين، فكان حضوري، كباحث من الضفة الأخرى، ذا بعد آخر في النظر للمسألة الموريسكية. وقد آليت على نفسي على عقد مثل ذلك المؤتمر، وشرعنا بالفعل في تنظيم سلسلة من المؤتمرات حول الموريسكيين وحتى نعرف بهم في المجال العربي وخاصة المشرقي أضفنا عبارة الأندلسيين.

ويرى لقد كانت نتيجة تلك المؤتمرات نشر مئات الدراسات حول أوضاع الموريسكيين الاقتصادية والدينية وآدابهم ومعتقداتهم وحول العائلة والمرأة الموريسكية.. إلخ. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى انضمام أكاديميين عرب من المغرب والمشرق العربيين إلى هذا المسار البحثي حول الموريسكولوجيا، كما تتمثل الإضافة في تقديم وجهة نظر البلدان التي استقبلت الموريسكيين، وهذا لا يتعلق فقط بالبلدان المغاربية وإنما أيضاً مصر والأناضول وغيرها، بما أضاف إلى هذا المبحث ووسع دائرة الاهتمام به كذلك لم تعد وثائق محاكم التفتيش المعادية لهم هي المصدر الوحيد للأبحاث حولهم، وإنما أضيفت إليها مصادر جديدة متنوعة من بلدان الاستقبال ومن البلدان التي مروا بها، وهو ما يعتبر إضافات منهجية نوعية.

ويكشف أن هذا المسار أوصلنا ذلك إلى ضرورة تجاوز تلك المأساة المؤلمة في تاريخ البشرية، للتفكير في القيام بتسوية حضارية، ومن هذه الزاوية بادرنا بتوجيه نداء إلى الملك الإسباني خوان كارلوس (Juan Carlos) دعوناه فيه إلى تقديم اعتذار حضاري باسم إسبانيا من الأمة الموريسكية على المأساة التي عاشتها، ومن ضمن ذلك الطرد من بلادها إسبانيا. ورغم أن الرد لم يكن في مستوى الرجاء، فإن نداءنا يبقى في رقبة الأجيال القادمة حتى يحظى بالاستجابة، وقد لا يتأخر اليوم الذي سيقع فيه الاعتراف بالمأساة الموريسكية. ولا شك عندي أن أعمال الباحثين طوال عقود كانت في خدمة هذا المسار، وهو ما عبر عنه صديقنا الراحل لوي كاردياك. ومن هذه الزاوية كنا قبل ذلك بسنوات عدة، كرمنا في مؤسستنا عدداً من أهم علماء الموريسكولوجيا من خلال إعداد كتب جماعية، صدر أولها في جزأين تكريماً للعلامة لوي كاردياك، وشارك فيه عشرات الباحثين من مختلف الأجيال والفضاءات البحثية، كما سعينا إلى منحه الدكتوراه الفخرية في الجامعة التونسية، ونجحنا في ذلك، حيث تسلمها في يوم مشهود. كما قمنا في هذا السياق بتكريم عدد آخر من العلماء ومن بينهم، ألفارو غالمس دي فوانتس وماريا صوليـداد كاراسكو أورغواتي من إسبانيا، ومن بورتو ريكو لوث لوبث بارالت ذلك أن هؤلاء العلماء يعتبرون علامات فارقة وثابتة في الاعتراف بالحضارة العربية الإسلامية وإضافاتها إلى الإنسانية.