الحقيقة المخاتلة في رواية "رائحة الموت"

ليلى مهيدرة تتغلغل في نفسية بطل روايتها الشاب العربي بلقايد الذي أراد أن يضع حدا لحياته نتيجة ظروف حياتية معينة.


الرواية تنغلق على كل الذوات التي حلقت معنا خلال هذا العمل الروائي الذي يحلق في آفاق فانتازية وغرائبية


وأنت منتحر تمتلك كل الحق في إعادة رسم خيوط حياتك كما تحب

تواكب رواية "رائحة الموت" للكاتبة المغربية ليلى مهيدرة ظاهرة انتحار الشباب في الكثير من الدول الآن، لكن روايتها تعلو على الحدث، محلقة في آفاق الفن الروائي ولا تتناول الظاهرة بطريقة فجة أو بطريقة مباشرة، ولكنها تتغلغل في نفسية بطل الرواية الشاب العربي بلقايد الذي أراد أن يضع حدا لحياته نتيجة ظروف حياتية معينة، فقد فيها رجولته ورحلت والدته (زينب) منبع الدفء والحنان والأمان له رغم صمتها الطويل الحزين. ومن قبلها رحل والده (المختار)، وجده لأمه بلقايد الذي لم يكن على علاقة طيبة معه، فهو نتاج فترة استعمارية كان ينحاز فيها للاستعمار الفرنسي لكسب المال والسيطرة على أهالي المنطقة، وعندما رحل الاستعمار وانتصرت إرادة الشعب المغربي لم يجد له مكانا.
يلعب المكان دورا مهما في مجريات أحداث الرواية، لأن الكاتبة اختارت منطقة بعينها هي مدينة الصويرة المغربية التي تقع على المحيط الأطلسي – وإن لم تصرح بذلك - التي خبرتها وتعيش فيها، لذا جاء وصف الشوارع والأزقة والطرقات والبيوت وصفا دقيقا يكشف عن معرفة وافية ومعايشة حقيقية للمكان الذي ينجذب نحوه الخيال – حسب باشلار - حيث "لا يمكن أن يبقى المكان مكاناً لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب. فهو مكان عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تميز".
وإلى جانب هذا فإنها تستنطق الشخصية وتغوص في ماضيها وتستدعي كل الأزمات التي مرت بها بل تغوص في عقول شخصيات أخرى تم استدعاؤها لتساند الشخصية الرئيسية في حضورها وتألقها الروائي.
إن العربي بلقايد وهو يتأهب للانتحار أو الشنق عن طريق ربطة العنق التي لم يستخدمها أو يرتديها من قبل يتساءل: ماذا تراها ستقول عني الجرائد غدا؟ وبهذه العبارة تفتتح الكاتبة صفحات روايتها البالغة 160 صفحة والصادرة عن مؤسسة الرحاب الحديثة في بيروت 2018.

اختيار اسم "العربي" لبطل الرواية الذي اختار العزلة والانعزال، يفتح الكثير من الدلالات والتأويلات، خاصة في ظل الوضع العربي الراهن الذي نعيشه حاليا، ومحاولات البحث عن الهوية المتجذرة في الأعماق

إن اهتمام العربي بلقايد بما ستذكره الصحف بعد انتحاره، قد يشي بشيء من عبثية تلك الشخصية، وأن انتحاره لم يكن سوى مجرد لعبة يلعبها مع القارئ،، خاصة أننا نكتشف أن هناك ذاتا أخرى تتوازى مع شخصية العربي بلقايد هي الذات الروائية، أو الذات الراوية، ولا أعنى بها ذات الكاتبة ليلى مهيدرة، ولكنّ هناك ذاتا أخرى تكتب الأحداث وتتابع ما يجري وتؤرخ له، وتتحاور مع شخصية بلقايد. ومن هنا نجد تعقيدا في نسيج العمل يجب أخذه في الحسبان حتى لا تتوه خيوط الرواية أثناء القراءة، بل إن هناك ذاتا ثالثة هي القرين (أو الرفيق) الذي يطل على الشخصية وهي مسجاة على سريرها في انتظار التشريح لمعرفة أسباب الوفاة، هل هو انتحار، أم سقوط من الأعلى، أم أسباب أخرى، ومن بعيد تحلق شخصية الطبيبة التي سوف تكتب تقرير الوفاة وتستخرج تصريح الدفن. حيث تنتهي الرواية بالفقرة التالية:
"توجه للطبيبة يحاول أن يثنيها عن قرارها، لم تنتبه لصراخه ولا لوجوده في الغرفة، فهي لم تلمح إلا جسده المتروك على الطاولة، حملت الأوراق ورمتها فوق جسده العاري وغادرت. جملة واحدة كانت واضحة جدا، وضعت على شكل طابع كانت باللون الأحمر هي (تصريح بالدفن)".
عند هذه النقطة تنغلق الرواية على كل الذوات التي حلقت معنا خلال هذا العمل الروائي الذي يحلق في آفاق فانتازية وغرائبية منها على سبيل المثال حكاية أمنا الغولة التي خطفت العربي بلقايد في صغره، ولكنه استطاع الهرب، أو الكتب التي خرجت من المكتبة لتتحول لصواريخ ورقية تتطاير في الهواء ورقة ورقة (ص 144)، وغير ذلك من مشاهد فنتازية وغرائبية.
إن العربي بالقايد يفلسف انتحاره قائلا: "وأنت منتحر تمتلك كل الحق في إعادة رسم خيوط حياتك كما تحب، فقط عليك أن تكون مقنعا، القدرة على الإقناع وحدها تجعل الآخر يصدق ما ستقوله، أن تقدم له البرهان الكافي الدافع لما فعلت، أن تقنع الآخرين ضعف ما أقنعت به نفسك قبل أن تستسلم لمشنقتك، خذ كل الوقت الذي يلزمك للسفر لماضيك، لتدرك الحقائق كما وقعت، أو كما خيل لك، فعندما نقرر أن نروي حكايتنا فليس بالضرورة أن ما سنقوله هو الحقيقة، قد تكون ما قد تصورناه كذلك فقط، من وجهة نظرنا على الأقل وربما بأبعاد مختلفة. فقط افتح ملفك العمري واستعرض الحقائق كما تحب وحتى دون تجميلها فهي حياتك وكفى". (ص 38).
وعلى الرغم من أن التخييل يلعب دورا كبيرا في الرواية، فإن هناك إقرارا بأن هناك أشياء أو وقائع قد تكون غير حقيقية ولا توجد سوى في مخيلة صاحبها، ولكن طريقة الإقناع بوقوعها ربما قد تكون أهم من وقوعها. وربما يكون هذا الأمر سر من أسرار الصنعة في العالم الروائي بصفة عامة، وفي هذه الرواية بصفة خاصة.
وعليه فإن عمليات العودة إلى الوراء (الفلاش باك) قد تكون غير حقيقية في حياة الشخصية، ربما تكون أوهاما أو أضغاث أحلام، مما يرفع نسبة المتخيل في مقابل الواقعي بالرواية، وتتماشى تلك التقنية في حالة الرواية الفنتازية أو الرواية الغرائبية والعجائبية وروايات الواقعية السحرية، غير أنها قد لا تناسب روايات السيرة الذاتية. لذا قد ننظر إلى عملية فقد الشخصية لجزء كبير من قضيبه نتيجة ضغط الجد على هذا العضو، على أنه من تلك الأوهام التي قد يصدقها العربي بلقايد، ويعيش على أن هذه العاهة عاهة حقيقية وما هي بذلك، رغم أن أمه زينب حاولت صرفه عن هذا التفكير.
هنا يتداخل الحقيقي بغير اللاحقيقي، وقد لا تكون هناك رائحة للموت تزكم أنفاس العربي بلقايد وتفقده القدرة على المقاومة، على الرغم من أننا نراه يتكوم في ركن مفترشا الأرض، غير آبه ببقايا القيء المتناثر في المكان، ولا الحشرات التي اتخذته وجبة لها. ولكننا نقول إذا لم تكن هناك رائحة للموت لما وجدت هذه الرواية من الأصل. 

Moroccan novel
رواية ما بعد الفترة الاستعمارية 

إن العربي بلقايد يرى العالم في لحظة موته بشكل مختلف، وعلينا نحن كقراء أن نستقبل رؤيته للعالم من خلال الرواية، بشيء من الشك، وفي هذا يبرز الإبداع الروائي في أجمل تجلياته، حيث يعجز القارئ عن التفرقة بين الخرافة والحقيقة، أو بين الخيال والواقع.
إن هذه المنطقة الرمادية، أو المسافة بين الحياة والموت هي مسافة الإبداع في الرواية، ما بين اليقظة والحلم، وما بين الحلم والكابوس، وما بين الكابوس والكارثة، فمن داخل منطقة البينيات هذه تبدع ليلى مهيدرة روايتها المتميزة، وليس مطلوب منا كقراء أن نبحث عن الحقيقي وغير الحقيقي، فالعربي بالقايد نفسه يشك في مسألة انتحاره وأنه قد يكون كابوسا مزعجا، فهو أجبن من أن ينتحر، أو ربما انتحر فعلا لكنه لم يمت، ولهذا لم يتم تشريحه بعد، فكل الاحتمالات قائمة وواردة، وباب التأويل مفتوح على مصراعيه.
على هذا الوتر بين الشك واليقين، وبين الحياة والموت، وبين الوهم والتأكيد، والظن والتيقظ، تدور الرواية فتحقق الكثير من المتعة الفنية، خاصة لو عرفنا أن العربي بلقايد يظن أنه شخصية شفافة أو غير مرئية في كثير من الأحوال، فيقوم بعمل أفعال شاذة أو غير مستحبة، ظنا منه أن لا أحد يراه، وأحيانا يتعمد بعض المتعاملين معه إهماله أو يؤخرون طلبا له، فيزداد يقينا أنه غير مرئي للآخرين، مثلما حدث مع إحدى الجارات التي تلتقي بصديقة لها على بعد متر من عتبة بيتهم، ولم ينتبها لوجوده فاصطدما به وازدادا رعبا، رغم أنهما كانتا ترددان تعويذة تحميهما من لعنة جده (ص 14). وكان العربي يسعد كثيرا بمثل هذه الأمور (كاد يضحك في سره مما حصل) لكن تكرارها على نواح متعددة جعلته يغرق في صمته.
إنه – كما ذكرنا من قبل – يشك في موته فيتساءل: "كيف أكون ميتا وأنا أكاد أبصر رفيقي (قرينه) وهو يعبث بكل ما يخصني وما زالت مخيلتي تقلب ذكرياتها وتنثرها في الفضاء حولي؟ كيف يمكن أن أجزم الآن أنني ميت، وكيف يمكنني الجزم أنني ما زلت حيا؟ ماذا لو أحس مَن حولي بحيرتي وقرروا نيابة عني بأنني ميت وشيعوني؟ عليّ التفكير جيدا ما زال الأمر بيدي" (ص 105).
ولأن الأمور غائمة لدى الجميع سواء شخصيات الرواية أو القارئ – ولا أريد أن أقول الكاتبة لأنها تعي تماما ما تفعل وما تكتب وما تهندس من كلمات تطير على أجنحة الوصف والحوار وتيار الوعي والتناص واللعب بالضمائر واستخدام الأبناط الثخينة والأغنيات الشعبية، وغيرها من تقنيات روائية – فإننا نقبل فكرة أن في الحياة بعضَ موت، وفي الموت بعض حياة. إن العربي بلقايد يخاطب الحياة وكأنها شخص متجسد أمامه.
إننا نستطيع أن ننظر إلى الرواية على أنها رواية ما بعد الفترة الاستعمارية (أو ما بعد الكولونيالية) حيث كان الجد بلقايد نتاجا مشوها للاستعمار الفرنسي الذي أطلقه أو تركه يعبث في الحي الذي يعيش فيه ويحجز معارضيه أيام حكم السيبة (التي امتنع فيها الأهالي عن دفع الضرائب في القرن التاسع عشر)، فكان بلقايد (المشتق من كلمة القائد) يضع معارضيه في غرفة بها الفحم مشتعل ويتركهم يموتون ببطء مع كل نفس يتنفسونه، وعندما تحررت البلاد أصبح اسم بلقايد عارا على الأسرة وخاصة على الحفيد العربي. ولعل هذا الأمر من أسباب إقدام العربي على الانتحار. إنها لعنة الجد الذي لبس بذلة عسكرية فرنسية، أصابت الحفيد، لذا أطلق العربي على مدينته وصف المدينة الجاحدة. 
ولعل السؤال المطرح في الرواية (ص 35) يفسر ذلك: ماذا يمكن أن ينتج عن عرس تزكيه القوى الاستعمارية ومجمع الخونة والانتهازيين، إلا عبدا خنوعا مثلي، تركيبة حددت مصيري حتى قبل ولادتي، توليفة سقتني الخزي والذل؟
إن اختيار اسم "العربي" لبطل الرواية الذي اختار العزلة والانعزال، يفتح الكثير من الدلالات والتأويلات، خاصة في ظل الوضع العربي الراهن الذي نعيشه حاليا، ومحاولات البحث عن الهوية المتجذرة في الأعماق.