الخط العربي حقيقة هو فخر حضارة العرب
يتألق الخط العربي كجوهرة فنية تحمل في طياتها روح الحضارة الإسلامية وجمال اللغة العربية، فهو ليس مجرد أداة للكتابة، بل تعبير عن الإعجاز الإلهي الذي نزل به القرآن الكريم، ليصبح عبادة وفنًا ينطق بلا لسان. عبر العصور، تنافس الخطاطون في تجويد حروفه، مزينينها بحركة وحيوية جعلتها تحتل مكانة سامقة في الفنون التشكيلية، مبهرة الشرق والغرب. وفي المقابل، يقدم الخط اللاتيني إرثًا موازيًا، متطورًا عبر تاريخ الحضارات الغربية، ليصبح رمزًا للجمالية والوظيفية. كتاب "التايبوغرافي: الخط العربي واللاتيني"، من تأليف المهندس نور الدين أحمد النادي، محمد صديق البهنسي، محمد عبدالله الدارسة، وعدلي محمد عبدالهادي، يأخذنا في رحلة معرفية وفنية، تستعرض تاريخ هذين الخطين وأهميتهما في تشكيل الهوية الثقافية.
في مقدمته للكتاب، قال المهندس نور الدين أحمد النادي "في هذا العمل المتواضع نسير مع الخط العربي، هذا الحرف المقدس الذي نزل به القرآن الكريم، وجعل النطق به عبادة لله التي لا يقبل الله صلاة بغيره، وجعل فيه سر إعجازه وبيانه، فزاد هذا الحرف جمالاً إلى خصوصياته، مما جعل الخطاطين عبر العصور، وفي سائر البلاد التي يوجد فيها فنانون وخطاطون يتبارون في رسم حروفه، فيطرزونها وينمقونها، ويجعل من هذا الحرف الصامت حرفا ينطق بحركة وحيوية، ليعبر عن جماله في تلك الأشكال والحركات التي جعلته يتكلم من غير لسان، وتفوح رائحته العطرة من خلال متابعة الكلمة الواحدة حرفاً حرفاً.
وأكد أن الخط العربي حقيقة هو فخر حضارة العرب، ورمز تراثنا الإسلامي، وهو وسيلتنا لإمداد ثقافتنا منذ أقدم العصور، به كتبت آيات القرآن الكريم كلام الله العظيم.. وقد تنافس الخطاطون في كتابته وتجويده بأنه من أهم أعمدة خدمة الدين الإسلامي، وكان كثير من الخطاطين الأوائل لا يكتبون الآيات القرآنية إلا إذا كانوا على وضوء متجهين إلى القبلة كأنهم في صلاة، وقد جمع أحد الخطاطين قصاصات الأقلام الغاب في أواني ولم يلقها على الأرض تنزيها لها لأنه كتب بها آيات من القرآن الكريم، استحق الخط العربي أن يحتل مكانة سامقة في سلم الفنون التشكيلية على الصعيدين العربي والعالم، وأن يلفت أنظار عمالقة الفن والرسم في الغرب.
ورأى النادي أن الواقع العربي حالياً للأسف الشديد يشهد انحساراً لرقعة الخط العربي في الذهنية العربية بوجه عام، وفي خيال ووجدان الناشئة على وجه الخصوص، ومن ثم فإن المكتبة العربية تعاني نقصاً شديداً في الكتب والمراجع التي تثير الفن العربي، بالدرس والمتابعة والتمحيص والتحليل والتأريخ، ولهذا فإن الخط العربي واكب نهضة علمية ومعرفية هائلة في الحضارة العربية الإسلامية التي جسدها بعمق في لوحات ومخطوطات تحمل سمات الفن العالمي والروح الشرقية صافية النقاء، بخلاف الواقع الراهن الذي يطبع نفسه بطابع إهمال جماليات الخط العربي، وتروي كتب التاريخ والفن رواية مشهورة عن الخطاط التركي الحافظ عثمان، الذي كتب المصحف الشريف عدة مرات متتالية قوله في هذا الصدد: لو عرضت عليّ الخطوط المختلفة التي أكتبها طوال الأسبوع، لعرفت بحاستي الفنية خطوط يوم السبت من بينها، لأنها تكون أقل مرونة من خطوط بقية أيام الأسبوع، بسبب توقفي عن الكتابة يوم الجمعة، كناية عن مهارته الشديدة في حذق هذا الفن، والمهارة الفائقة في معرفة الفروق بين الخطوط والأوقات التي تتم فيها عملية الكتابة الفنية، وأرجو من طلبتنا الأعزاء عدم الالتفات إلى بعض المتشدقين بكلمات أجنبية فارغة من محتواها والتي تهدف إلى وأد اللغة العربية الفصحى وإحلال اللغة العامية مكانها، كما تهدف إلى إلغاء الحرف العربي كتابة وطباعة والاستعاضة عنه بالحرف اللاتيني حديثا وكتابة، وهذه الحركة بدأت منذ فترة في كل من مصر ولبنان، وانتهى الأمر بفشلها وعدم الأخذ بها وظل حرفنا العربي الجميل على قيد الحياة تخطه الأيدي وتضريه الآلات الكتابة وتنشره المطابع كتباً ومجلات وجرائد، إن الحرف العربي بشهادة المستشرقين والمؤرخين أنفسهم هو أجمل حروف الدنيا قاطبة.
احتوى الكتاب المتواضع على سبع وحدات تناولت الوحدة الأولى مفهومي الغرافيك والتيبوغرافي، وشملت مراحل تطور الحروف بمراحله المختلفة الرمزية والتصويرية والهجائية، ثم جاءت الوحدة الثانية بعنوان نشأة الكتابة العربية منذ أن كان في أعماق الجزيرة العربية (مسنداً) على القبور، أما الوحدة الثالثة فجاءت بعنوان أدوات الخط العربي وشملت الحديث عن تعريف الخطاط وفضل الخط ثم الحديث عن أدوات الخط العربي بدءاً من الطين فالحجر فورق الشجر فالاكتاف والعظام وغيرها من أدوات الخط ، وانتهاءاً بورق البردى، أما الوحدة الرابعة فتناولت مميزات الخط العربي وأعلامه حيث تم التطرق إلى الرجال العظام في هذا المجال وفي مقدمتهم الوزير ابن مقلة ثم ابن البواب وغيرهم من القدماء والمحدثين، أما الوحدةالخامسة، فجاءت بعنوان أنواع الخطوط العربية وفيها تم التوقف عند أنواع الخطوط وقواعدها وطرق تنفيذها، أما الوحدة السادسة، فكانت بعنوان الخطوط اللاتينية حيث تم التطرق إلى الحروف اللاتينية وتطورها على مر العصور، أما الوحدة السابعة، فجاءت بعنوان التطبيقات العملية، وقد احتوت على العديد من التجارب العملية التي كثر بها العمل وفيها تم الحديث عن مفاهيم تتعلق بالحرف من وحدات القياس وأنواع الحروف، كما تم التطرق فيها إلى شروط تصميم الحرف اللاتيني، ثم انتقل الحديث عن الرسم الهندسي للحروف العربية واللاتينية وطرق التحكم بالنص باستخدام الحاسب الآلي.
ولفت النادي إلى أن هذه الوحدات المختلفة تم إثراءها بلوحات فنية وشروحات مستفيضة حتى تكتمل الفائدة المرجوة، والتي أرجو أن تكون عوناً لباحثي العلم في طريق بحثهم وبحثهم عن المعرفة. لقد تم بناء هذا الكتاب وترتيبه بتسلسل موضوعي، وروعي فيه إلى جانب تقديم المعلومات النظرية الأساسية وربطها بالمعلومات العلمية أن يكون مراعياً لمستوى الذكاء والنمو الجسمي والنفسي ومتطلبات سوق العمل والتطور العلمي التكنولوجي، كما أضيف إلى جميع الوحدات الكتاب مجموعة من الأسئلة بعنوان اختبر معلوماتك والتي تهدف إلى التحقق من وصول المعلومة من جانب وإعطاء الباحثين لمحة بعض الأسئلة عن هذه المواضيع.




