"الرواية العربية في رحلة العذاب" تحليل نقدي سابق لعصره

غالي شكري رصد إرهاصات الحلم الثوري في الأدب المصري منذ بداية القرن العشرين وحتى يوليو 1952.


​​​​​​​غالي شكري يرى أن الرواية العربية خلال الستينيات قد أحرزت نجاحًا مكنها من التغلب على المشكلات التي واجهتها منذ نشأتها


رؤية فلسفية بديعة؛ تتميز بالدقة في التحليل وسلامة المنهج النقدي.

"الرواية العربية في رحلة العذاب" كتاب نقدي فريد ومتخصص في الرواية للمؤلف الكبير غالي شكري، صدر عن عالم الكتاب بالقاهرة عام 1971، ومنذ  ما يقرب من 58 عامًا، ويقع 286 صفحة. ترجع أهمية تناول هذا الكتاب في تذكير الجميع بأن تراثنا الفكري بها الكثير من الدرر التي تستحق إعادة تسليط الضوء عليها، بهدف الدعوة إلى دعم المدراس النقدية الجادة؛ للاقتداء بها.
يرى غالي شكري أن الرواية العربية خلال الستينيات من القرن العشرين قد أحرزت نجاحًا مكنها من التغلب على المشكلات التي واجهتها منذ نشأتها، حيث نجحت في التوفيق بين الأسلوب الواقعي والقيمة الجمالية التي لا ينبغي إهدراها: وقد برز ذلك في التيار الرومانسي على يد يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس، والتيار المباشر كاتجاه على يد عبدالرحمن الشرقاوي وحنا مينه، كذلك ما ظهر في رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا". وأيضًا نجحت الرواية العربية في المزواجة بين الطابع الخاص والمحلي والنزعة الإنسانية الرحبة التي تتجاور مع أحلام البشر أينما كانوا، ومن أمثلة ذلك رواية "الحرام" ليوسف إدريس، وأيضًا على حد وصفه فقد نجحت الرواية العربية في إيجاد الشكل الملائم للمضمون.
وحول أدب الثورة بين الحلم والواقع، يمكن تناول ما قدمه هذا الناقد الكبير بمناسبة قسم الضباط الأحرار بثورة 23 يوليو 1952، حيث ذكر المولف: "عندما تكون الثورة جنينا في مخيلة الشعوب ... إلى أي مدى يستطيع الأدب أن يحدد ملامح هذا الجنين غير الواضحة؟ بمعنى آخر كيف يجسد الفن الأدبي حلم الثورة؟" ( صـ 13).

عرض جزء من الصورة القاتمة لا يعنى إنكار وجود قامات نقدية باسقة في واقعنا الحالي، فالكفاءات كثيرة، وكل ما يجب علينا القيام به؛ إفساح الطريق؛ كي ندفع بالمئات من طراز غالي شكري إلى المقدمة

وإذا كان الأدباء حول العالم قد أرخوا للثورات عبر الرواية بصفة خاصة أو الأدب بصفة عامة يبرز السؤال الذي طرحه غالي شكري على قارئيه أين تقع الثورة المصرية من أحلام أدبائنا؟
لقد أسفر الخراب الذي زرعه الاستعمار البريطاني بمصر عن خواء وخراب فكري وثقافي؛ وذلك عندما كبّل الحركة الفكرية المناهضة له بقيود قاسية لا ترحم، وبالتالي كانت المحاولات الساذجة في المسرح والشعر التي رافقت المد الثوري منذ  تضحيات عمر مكرم وأحمد عرابي حتي ثورة 1919 غير كافية لحث الشعب على الخلاص من سيطرة الاستبداد، وعلى الرغم من أن ثورة 19 امتزجت بتضحيات وآلام كبرى؛ لم يؤد ضعف نتائجها إلى هزيمة الحلم الثوري لدى المصريين. حيث ظهرت بعض الأصوات الأدبية التي تجسد حلم التّحرر بين ثورة 19 وحتى حركة يوليو 1952، ومنها كتابات سلامة موسي، والعقاد، وطه حسين؛ التي رسخت لفكرة استقلالية الشخصية المصرية عبر الأدب، ثم أسهمت أو واكبت  ميلاد الحلم الثوري.
لقد كانت آثار الدمار الاقتصادي والعسكري والاجتماعي الذي لحق بالشعوب بعد الحرب العالمية الثانية عاملا مساعدًا في تحرر الأوطان الواقعة تحت قبضة الاستعمار البريطاني والفرنسي على وجه التحديد؛ لأن الاستنزاف والدمار الذي لحق بهما؛ شل قدرتهما على إخضاع الدول التي تتطلع إلى نيل الحرية من جهة، ومن جهة أخرى كانت القوى الصاعدة آنذاك وعلى رأسها الولايات المتحدة تسعى إلى السيطرة على العالم؛ عبر رفع شعار حق تقرير المصير؛ كمبدأ في ظاهره الرحمة وفي باطنها المكر والمكيدة؛ بهدف استبدال المستعمر العجوز بآخر فتيّ.
ويقول غالي شكري: "النجمتان اللامعتان في راية الثورة؛ أن الوطنية والديمقراطية هما أعرض جبهة ممكنة من كُتاب تلك المرحلة، ففي مجال الشعر تستطيع أن تلمح بصيصًا من النور في جماعة أبوللو، ومن هنا اختلف مع بعض مؤرخي الأدب في بلادنا حين يرصدون إنتاج هذه الجماعة بكامله في خانة الأدب العاطفي الرومانسي، وحسب، فلعل الرومانسية كانت تعبيرًا ثوريًا في ذلك الحين. بالإضافة إلى أن ثمة جوانب أخرى غير الجانب العاطفي امتلأت بها أشعار الهمشري وعلي طه، وأحمد زكي أبو شادي"( صـ 17- 18).
أما الرواية فقد قامت منذ وقت مبكر بتجسيد حلم الثورة عندما كتب محمود طاهر لاشين روايته "عذراء دنشواي" وهي رواية تصور بشاعة المأساة الاستعمارية، وما حدث من إعدامات واعتقالات غير مبررة على الصعيد القانوني والإنساني. كما عبر توفيق الحكيم عن روح الثورة في رواية "عودة الروح" ومسرحيًا في مسرحية "أهل الكهف"، ومن أهم ما ذكره غالي شكري: "أن توفيق الحكيم يفضي إلى نجيب محفوظ، ولا شك أن نجيب محفوظ مرحلة كاملة في تاريخ الرواية المصرية". 

The Arabic Novel

الصدق في التحليل
من خلال قراءة هذا المنجز النقدي الذي كتب بين الفترة من 1959 – 1965 يمكننا القول بأن الراحل غالي شكري كان يتمتع بسلامة التحليل ودقة الرصد وأمانة الكلمة، فما قاله في حقبة الستينيات عن نجيب محفوظ كان قراءة سابقة لعصره؛  حيث توج نجيب بجائزة نوبل في أكتوبر/تشرين الأول 1988 أي بعد قرابة 30 عامًا من الإشادة به من قبل ناقدنا الراحل، ومن علامات الصدق في التحليل النقدي أيضًا؛ أن من شملتهم أقلام الكاتب في الفصل الأخير "مقدمات الجيل الجديد في الرواية" أصبحوا نجومًا في عالم الرواية العربية لاحقًا ومنهم: صالح مرسي وصبري موسى، كما أنه تناول غيرهم من أمثال: أنس زكي حسن وأمين ريان و"بو بكر خالد وحليم بركات. 
لقد تناول المؤلف أيضًا العديد من الروايات في فصول مستقلة منها: المتاهة من الرومانسية إلى الحافة الحرجة "يوسف السباعي"، وصراع الأجيال "سهيل إدريس"، حصاد العمر "عبدالحميد جودة السحار، المستحيل أم الممكن "مصطفى محمود"، دموع ناتاشا "عبدالسلام العجيلي"، طريق طوله ألف ميل "صوفي عبدالله"، قصر في الهواء "ثروت أباظة"، بطل في غير زمانة "عبدالحليم عبدالله"، الغربة والانتماء "حنا مينه". 
كانت سمات النقاد في جيل الستينيات، مواكبة للواقع الإبداعي وتتميّز بالحياد والأمانة، وذلك على عكس ما يحدث من قبل بعض الفقاعات التي تطفو فوق الساحة النقدية حاليًا؛ مُحملة بالأفكار الهدامة؛  لتدمر الهوية بواسطة القلم المرتشي، أو المُغرض، وذلك عندما  يرفعون أو يخفضون بعض الأعمال الأدبية بالباطل. 
إن افتقادنا لمساحة من النقد الرصين حتى وإن كانت محدودة؛ يُعد عاملا من عوامل فقدان الثقة في الحركة النقدية والإبداع ككل، لأن الإنحراف عن الحياد يؤدي إلى احتضار الأدب. 
إن عرض جزء من الصورة القاتمة لا يعنى إنكار وجود قامات نقدية باسقة في واقعنا الحالي، فالكفاءات كثيرة، وكل ما يجب علينا القيام به؛ إفساح الطريق؛ كي ندفع بالمئات من طراز غالي شكري إلى المقدمة.