السيادة الوطنية السورية لا تتجزأ

حكاية عمر جيفتشي تفصيل في مشهد سوري معقد ولا يبدو من السهولة بمكان حلحلته في ظل فوضى الولاءات والانتماءات والجنسيات والقوى العسكرية التي تكاد الأرض السورية تضيق بها.

من نافل القول أن الحوار الساخن والمحتدم حول السيادة الوطنية السورية هو وليد سقوط النظام في الثامن من ديسمبر الفائت، بل هو معضلة سورية ممتدة منذ عام 2011 وحتى الآن.

ومنذ أن أصبح الحل الأمني والخيار المسلح طابعاً مؤلماً للصراع في سوريا، وما أفضى به إلى حرب أهلية، أعطت أطراف الصراع لها الحق بالاستعانة بقوى خارجية لدعمها وحمايتها وربما حسم الصراع المسلح، فاستبيحت الحدود من قبل تركيا، وتم نقض معاهدة لوزان من قبلهم معلنين صراحة بعد عام 2011 أن معاهدة لوزان "ليست نصاً مقدساً" واحتلت المزيد من الاراضي السورية ونزلت تحت "خط لوزان" بما يعادل 9000 كيلو متر مربع وعمل الاتراك على سياسة تتريك المناطق، واذا اعتبرنا قمة جبال طوروس هي الحدود الطبيعية فان تركيا احتلت جنوب خط لوزان 1000 مدينة وبلدة، وأن مجموع الشمال السوري المسلوب يتراوح ما بين 180 – 250 ألف كيلومتر مربع (أي مساحة سوريا الكاملة حيث من جبال طوروس وإلى اسفلها كلها كانت اراضي سوريا تاريخيا، كما لا يخفى احتساب مساحة لواء اسكندرون الذي أصبح تحت تسمية محافظة هاتاي وتبلغ مساحتها 5624 كيلو متر مربع).

أما ايران فدخلت عبر الحرس الثوري وميليشيات زينبيون وفاطميون والنجباء وحزب الله، وتوزعت القواعد العسكرية على معظم الجغرافيا السورية بأجندة طائفية واضحة وصريحة أججت الصراع الى ذروته، وجاءت روسيا بطائراتها وأطماعها وقواعدها البحرية، ودخل الاميركان بذريعة محاربة داعش، واستدعت المليشيات والفصائل المسلحة "المجاهدين" من أصقاع الأرض لمساعدتها على اسقاط النظام إقامة دولة الخلافة.

ومع سقوط النظام كانت المليشيات الايرانية وحزب الله يغادرون سوريا مرغمين بعد تبعثر محورهم، وانكفأ الروس باحثين عن صيغة مع الادارة الجديدة في دمشق للإبقاء على قواعدهم العسكرية في الساحل السوري، وتوغلت اسرائيل بلا رادع في الجنوب السوري مقتربة من العاصمة السورية لتفرض واقعاً جديداً في المعادلة السورية وسط صمت مستمر من النظام السابق وصولاً للنظام الحالي. وجست تركيا نبض الساحل السوري بتوغلها المؤقت في ريف اللاذقية.

وارتفعت الاصوات المطالبة باحترام السيادة الوطنية المستباحة والمخترقة والمنتهكة منذ 2011 وخروج كل المقاتلين الاجانب من سوريا، ولكن ما حدث يبدو أنه عكس ذلك تماماً إذ أن الادارة الجديدة منحت بعضاً من مقاتليها الأجانب رتباً عسكرية في الجيش السوري في تجاوز خطير لكل الاعراف والتقاليد، ومنحت بعضهم الاخر أيضاً الجنسية السورية لتشرّعن وجودهم في سوريا.

من هؤلاء دعونا نتكلم عن التركي عمر جيفتشي المرتبط بتنظيم القاعدة والذي تمت ترقيته لرتبة عميد في الجيش السوري الذي تتم إعادة هيكلته.

 عمر جيفتشي تم تعيينه كعميل تركي من تنظيم القاعدة، وكان يستخدمه جهاز الاستخبارات التركي كأداة للتأثير على الحرب الأهلية السورية، والآن تمت ترقيته في الجيش السوري بتبرير من القيادة العسكرية بأن ذلك يأتي كضرورة لحماية الدين والوطن، وقد بدأ هذا الجهادي التركي البالغ من العمر 45 عاماً، والمولود في ولاية عثمانلي التركية، مسيرته القتالية في أفغانستان عام 2004 وأصبح منذ ذلك الحين أحد أهم الداعمين لزعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني في الصراع السوري.

وكان مطلوباً في تركيا بسبب انتمائه إلى تنظيم القاعدة وهو موضوع تحقيقات جنائية جارية. حيث أدرجته وزارة الداخلية التركية في "الفئة الحمراء" ذات الأولوية القصوى على قائمتها للمطلوبين، وعرضت اسمه وصورته وعرضت مكافأة مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله.

بعد تعيينه جنرالاً في الجيش السوري، تم إزالة اسم جيفتشي بسرعة من قائمة المطلوبين في تركيا دون أي تفسير رسمي. ومن المتوقع إلغاء مذكرة الاعتقال المعلقة بحقه وإسقاط التهم الجنائية من قبل القضاء التركي، الذي يخضع الآن لسيطرة كاملة من قبل الحكومة الإسلامية للرئيس أردوغان.

يذكر أن عمر جيفتشي قاتل إلى جانب طالبان ضد الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان لمدة خمس سنوات قبل أن يعود إلى تركيا، لينضم لاحقاً إلى فصائل القاعدة في المسرح السوري. ومنذ ذلك الحين أصبح أحد أكثر الشخصيات الموثوقة لدى الجولاني، حيث شغل منصب الأمير العسكري لحلب بعد إعادة تنظيم جبهة النصرة في جبهة فتح الشام، والتي أعيدت تسميتها بعد فترة وجيزة إلى هيئة تحرير الشام. وقد عمل وسيطاً في الصراعات الداخلية بين الجماعات الجهادية، وخاصة بين هيئة تحرير الشام وفصائل مثل أحرار الشام وصقور الشام وحركة نور الدين الزنكي، ونجح في تشكيل تحالفات بين مختلف الفصائل الجهادية.

كما كان محوريًا في تشكيل تحالف عسكري واستراتيجي مع القوات المسلحة التركية، ليصبح أحد الشخصيات الرئيسية التي اعتمدت عليها هيئة تحرير الشام لتنسيق العمليات العسكرية مع القوات التركية. عندما تعرضت مواقع للجيش التركي في شمال سوريا للهجوم من قبل قوات النظام السوري في عام 2020، وحتى حصار بعضها، قاد جيفتشي عمليات مشتركة مع الجيش التركي في منطقتي جبل الزاوية وسراقب.

ومن المثير للاهتمام أن عمر جيفتشي تمت الإشارة إليه أثناء التحقيق في مقتل السفير الروسي أندريه كارلوف، الذي قُتل برصاص ضابط شرطة تركي مرتبط بتنظيم القاعدة في أنقرة في ديسمبر/كانون الأول 2016. وأظهرت الأدلة التي تم جمعها أثناء التحقيق أنه كان على اتصال بعبد القادر شين؛ ومع ذلك تجاهل المدعي العام الدليل، مما أدى إلى حمايته من التحقيق الجنائي. وفي نهاية المطاف، تم التستر على القضية من قبل حكومة أردوغان.

حكاية جيفتشي هذا هي تفصيل في مشهد سوري معقد ولا يبدو من السهولة بمكان حلحلته في ظل فوضى الولاءات والانتماءات والجنسيات والقوى العسكرية التي تكاد الأرض السورية تضيق بها، ولا يبدو جليّاً في أجندة الادارة السورية الجديدة في المدى القريب على الاقل أنها مهتمة بإعادة الاعتبار للسيادة الوطنية السورية لانها مشاركة في استباحتها وتستمد قوة وجودها وسيطرتها من توازنات القوى الخارجية المنتهكة للسيادة السورية.