الشدياق يستمع إلى الآذان في مالطة

كتاب الأديب والصحفي واللغوي الصادر أواسط القرن 19 بعنوان "الواسطة في معرفة أحوال مالطة' يأتي لينبهنا إلى تلك الجزيرة أو ذلك البلد الصغير في سياق أدب الرحلة.

اشتهر في التراث العربي بعض الرحالة الذين قدَّموا نماذج رائدة في أدب الرحلة من أمثال ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان وابن خلدون وغيرهم، وفي العصر الحديث الذي يتفق على أنه يبدأ مع بداية الحملة الفرنسية على الشرق التي أيقظت العرب عام 1798، رغم أنها كانت حملة استعمارية، على عوالم أخرى وعلوم دنيوية مغايرة، ظهر رحالة آخرون.

ومع تولِّي محمد علي حكم مصر عام 1805 الذي أراد أن يجعل منها دولة حديثة تكون قاعدة لإمبراطورية كبرى يحلم بها، توالى إرسال البعثات إلى بعض البلاد الأوروبية وعلى الأخص فرنسا التي أرسل إليها عددًا من المواطنين يتعلمون ثم يرجعون إلى مصر يتولون فيها مناصب قيادية، وكان رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873) إمامًا لتلك البعثة، فكتب لنا أول كتاب حديث في أدب الرحلات والمشاهدات والملاحظات هو "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".

ومن وقتها يشهد أدب الرحلة روافد جديدة، من هذه الروافد ما كتبه الأديب والصحفي واللغوي أحمد فارس الشدياق (لبنان 1804 ـ تركيا 1887) عن رحلته إلى مالطة قبل أن يتنقل بين باريس ولندن وتونس ليستقر في الآستانة بعد ذلك ويموت هناك.

وقد أصدر الشدياق كتابه عن رحلته إلى مالطة بعنوان "الواسطة في معرفة أحوال مالطة" لينبهنا إلى تلك الجزيرة، أو ذلك البلد الصغير في سياق أدب الرحلة، بعد أن كان أغلب ما يُكتب في هذا اللون الأدبي عن باريس ولندن.

وفي هذا الكتاب يلخص الشدياق تجربة السنوات التي أمضاها في أحوال مالطة يدرس اللغة العربية في إحدى مدارسها (1834 ـ 1848) فعنَّ له أن يظهر ما بطن منها، ويكشف مخبأها لمن رغب فيها أو عنها، وذلك بعد أربع عشرة سنة من سفره إلى بلاد الإنكليز المتمدنة، إذ أنه رأى أن "شؤونهم متشعبة، وأحوالهم مستغربة، وأنحاءهم شتى، ومقاصدهم تستغرق وصفًا ونعتا".

وأثناء كتابته عن مالطة يعقد المقارنة بينها وبين بلاد أوروبية أخرى عاش فيها، وبلاده العربية التي سافر منها، ويقسم كتابه إلى سبعة فصول هي: تخطيط مالطة معرَّبا، وفي هواء مالطة ومنازلها وغير ذلك، وفالتة قاعدة جزيرة مالطة، وعادات المالطيين وأحوالهم وأخلاقهم وأطوارهم، والإنكليز وحكومتهم بمالطة، وموسيقى أهل مالطة وغيرهم، وأخيرا لغة أهل مالطة.

يقول الشدياق عن الماء في مالطة "أما ماؤها فإنه ماء المطر مخزونا في الآبار غير سائغ، فما شربه ذو تعب أو ظمأ إلا وأصابه سعال، وكثيرا ما يحدث عن شربة واحدة نفث الدم فشتان بينه وبين ماء النيل الذي يطيب شربه على التعب والظما ولا يزيد الشارب إلا صحة ونماء جسم، فلا ينبغي لأحد أن يشرب من ماء مالطة إلا ترشفا".

وينقل عن أرسطو قوله "إن الماء الراكد الذي لا تقع عليه الشمس لا يكون إلا ثقيلا وتتولد فيه مادة طينية".

وعن مشاهداته في الصيف يقول "من أعظم أسباب الحظ عند المالطيين الذهاب في القوارب ليالي الصيف ليغتسلوا في البحر، فتذهب الرجال والنساء معًا، ويقضون هزيعًا من الليل بالسباحة والغناء."

وعن عاداتهم في الأكل والنوم يذكر الشدياق أنهم "يأكلون الثوم والبصل نيًّا فلا تزال رائحة أفواههم منتشرة، أما مراقدهم فإنهم يرقدون غالبا على سُررٍ من حديد، والمتنكلزون منهم يتخذون في الصيف سريرًا منه وفي الشتاء من الخشب، وفرشهم متعددة وثيرة".

ثم يقول "وقد سمعت أن غير الأغنياء يتخذون فرشًا عالية ولكن لا يرقدون عليها، وإنما ينضدونها للمفاخرة والمباهاة".

ومن أحوالهم أنه إذا سألوا الرجل عن زوجته قالوا له: كيف المَرَة. وإذا زار أحدهم صاحبه فأول ما يحيي به صاحب المنزل ويجعل تحية الست الأخيرة، وإذا ذكروا اسم ولد صغير ذكروا اسم الله عليه، وإذا أوقدوا المصباح في المساء قالوا تحية المساء، والفلاحون لا يصرحون بعدد سنى سنهم فيقولون مثلا أربعون وعشرة، ولعل ذلك واصل إليهم من اليهود فإن العدد عندهم فيما أعلمه مكروه."

وغير ذلك من معارف وأحوال ومشاهد حيَّة هي آيات في أدب الرحلة الشدياقية إلى الجزيرة المالطية في الأعوام التي عاشها هناك.

وقد طبع الكتاب غير مرة لدى دور نشر عربية مختلفة.

أما عن أحمد فارس الشدياق فهو من مواليد لبنان، ورحل إلى مصر ومالطة وتونس، وزار فرنسا وبريطانيا، واستقر في الآسِتانة (تركيا) حيث أسس جريدة "الجوائب" (1861 ـ 1883) وتعد من أهم الصحف العربية في القرن التاسع عشر، وحقق ونشر كثيرًا من كتب التراث العربي وطبعها في مطبعة "الجوائب"، ويعتبر من أهم الكتاب العرب في عصر النهضة الحديثة، ومن مؤلفاته:

- "الواسطة في معرفة أحوال مالطة"

- "اللطيف في كل معنى ظريف"

- "كشف المخبا عن فنون أوروبا"

- "غنية الطالب ومنية الراغب"

- "الجاسوس على القاموس"

- "سر الليال في القلب والإبدال"

- "الساق على الساق فيما هو الفارياق"

- "منتخبات الجوائب"

- "خبرية أسعد"