الطاهر عويدة .. فنان بطعم طفولة

الفنان التشكيلي التونسي الطاهر عويدة تجربة حياة وفن.


عويدة تربى في مدرسة البحر وفق قصة لذيذة خطها الوالد والأهل 


علاقة استثنائية مع البحر والتلوين حيث لم يقل "بس يا بحر"


الفنان التونسي واصل المغامرة بكثير من الامتلاء بالفن والحياة

أنتِ أيتها الألوان الطافحة بالنشيد وبما يسعد الكائنات، وهي تقص بهاءها النادر على العناصر والتفاصيل. ثمة فسحة للحلم البليغ يجترح مداه مثلما تفعل مياه إذ تنحت مجاريها في الصخر. هكذا هي الفكرة الباذخة في علوها بين قلقين تنشد عناوينها تقصدا للإقامة بين الوردة والسكين.. بين الأمل والألم.. سفر.. ورحلة لا تضاهى.
أذكر الآن القصيدة التي أهداها الشاعر منصف الوهايبي لـلفنان العالمي بول "عند أبواب القيروان" وهي عنوان لوحة من لوحاته الفنية وردت ضمن ديوانه الشهير "من البحر تأتي الجبال". نعم ومن البحر تأتي الجبال والأكوان والجمال.
من هذا البحر لمعت فكرة الفن والتلوين عند صاحبنا الفنان الذي نعني الآن بالنظر لعراقة التجربة وما حف بها من أحداث ودأب وحرص فولاذي. إنها عنوان آخر من عناوين الفن والحياة وللهيام بالمغامرة والسفر والقول بجوهر الأشياء تقصدا وذهابا ونزوعا.
نلج الآن عوالم الفنان العميق كطفل سابح في سماء البراءة. تربى في مدرسة البحر وفق قصة لذيذة خطها الوالد والأهل. علاقة استثنائية مع البحر والتلوين حيث لم يقل "بس يا بحر". واصل المغامرة بكثير من الامتلاء بالفن والحياة.

الفن حياة أخرى برغبة وإصرار وجموح، وموسيقى هادئة. وحده الفنان يتقن الإنصات إليها والتوقف عند ألوان الأحوال والأمكنة

نعم من البحر أتت مواجعه والبهجة العارمة.. تشرب من عوالم الأزرق ومضى في أيام خطاه كائنا آخر يعرف الينابيع، لم ينسها.
"كان البحر صديق 
طفولة
نرسمه على المرايا
أودعناه أسرارنا والحكايات..
هبت رياح
وامحت صور..
وطغت موسيقى الحنين..
هذا هو البحر يا أبي".
من طفولة مبكرة عالج صاحبنا أحلامه بهواجس البحر بحثا عن أصواته وتلويناته فغدا غواصا يبحث عن الكنه والجوهر وتلوينات أخرى للأشياء.. خبر لغة البحر وحاوره وحاوله قتلا للنسيان والفجيعة.
هذا هو الفنان التشكيلي البحري الجنوبي، الطاهر عويدة. فنان بطعم طفولة. كانت أيام المحرس الدولي (33) مجالا للسفر المحكي والذكرى المحفوفة بالشجن. حكى تلوينات شتى من سيرته وأعماله ومعارضه. لدغه البحر لدغة صديق حميم. لم ينسه كل ذلك أن يستعيد جمال أيامه تلوينا وحياة أخرى. عرض في تونس وأوروبا وأقام خلال مرضه بإيطاليا التي تحول فيها المستشفى الصقلي إلى واحة ملونة، إلى معرض مفتوح للطاهر عويدة. جاء الفنانون والمهتمون والناس ليروا هذا الذي باللون صار طفلا جديدا.
من تلك العلاقة الأولى مع البحر والجنوب التونسي، أنشأ فضاءه الفني، بل فضاءاته، لأعماله ولأعمال غيره من الفنانين والأصدقاء. فنان وعالم بأسره بل علبة تلوين. في لوحاته الجنوب وجربة والمعمار والبحر والمشاهد وغير ذلك من الأحوال الفنية في هالة من السكينة. حالات تشهد على عظمة السؤال الفني عند عويدة وتجربته الجادة في التعاطي الفني والجمالي مع ذاته والآخرين والعالم. 

fine arts
هذا هو البحر يا أبي

في "المحرس" قدم مشهدية الخيل والحرف في عنفوان من ذاكرة الأزرق باتجاه الآفاق. لوحة كبيرة بعمقها وبساطتها وتوهجها كل ذلك على سبيل المحبة والوفاء تجاه المحرس مدينة الفنانين. قبل ذلك قدم أعماله في معرض بسيدي أبي سعيد في تنوع جمالي عرف به في أعماله. 
هو عضو بالرابطة الدولية للفنانين التشكيليين ورابطة الفنانين التشكيليين التونسيين. من مؤسسي مهرجان الفنون التشكيلية بجرجيس في 2001. نسق لقاءات الفن المعاصر بولاية فلوريدا الأميركية سنة 2017، وصاحب رواق " art’riadh بجربة منذ سنة 2018. تعددت معارضه الدولية بأوروبا وأميركا. غادر كرسيه المتحرك بمستشفى صقلية بإيطاليا ليمضي مع نشاطه الفني ومن ذلك معرضه تحت عنوان ”فن وحياة“ برواق سامية عاشور. نثر ألوانه ولوحاته وفي قلبه شيء من الرغبة الجامحة في التحليق أكثر هنا وهناك. تعددت تقنيات فنه بين والرسم والكولاج  والخط العربي. كون من الأشكال والألوان حيث لا يغيب البحر والجنوب الساحر. 
بعد حادث سنة 2015 الذي أخذه إلى شلل نصفي نتيجة عملية غوص في البحر تعودها. بدأ رحلة علاج عاد بعدها مفعما بالأمل الكبير. 
كان طفلا في ليالي "المحرس" وحالما بألق المكان في فسحة من السلام والجمال والأمان لترميم ما تداعى من كيان الأوطان. كان ذلك في لوحة الحصان التائق للحرية في رمزية عالية. فنان هاجسه الأمان والبيئة السليمة. يعمل على ذلك من سنوات مبرزا ومشيرا إلى دور الفن التحسيسي والتوعو. تنوعت مشاركاته في تظاهرة "البحر يحتفل". عانق المتوسط غوصا. وسافر بالحرف العربي في فضاءات تونس وسويسرا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكيا والولايات المتحدة الأميركية. 
من البحر تأتي الجبال. ومن البحر كانت ألوان وهواجس وشؤون وشجون الفنان العميق الطاهر عويدة.
هي رحلة الفن المفتوحة على الحلم والأكوان بأحوال الأزرق. هذا البحر الناشر أمواجه القوية قوة الحصان المنطلق. تجربة وحياة ومسيرة محترمة مع البحر والإسفنج والتلوين والإصرار.
الفن حياة أخرى برغبة وإصرار وجموح، وموسيقى هادئة. وحده الفنان يتقن الإنصات إليها والتوقف عند ألوان الأحوال والأمكنة.