"العرق القادم من السماء" .. أسرار النازية والدين الجديد الذي كان سيحكم العالم

"العرق المقبل" رواية من الخيال العلمي للكاتب أدوارد بولوير ليتون؛ يحكي فيها قصة شاب رحالة يسافر إلى أسفل سطح الأرض.


المخلوقات الملائكية فريليا يمتلكون قوى خارقة تحت تأثير مادة فريل التي تتحكم بإرادتهم وتساعدهم على الشفاء والتغيير


"العرق المقبل" رواية ذاع صيتها بعد الحرب العالمية الأولى لما يلفها من غموض وأسرار


سبعة أعراق مختلفة من الجنس البشري حكمت الأرض في حقب بعيدة

بقلم: أوس حسن
شهد القرن التاسع عشر اهتماما متزايداً بغموض الشرق وفكرة العقائد الدينية، فكانت حفلات تحضير أرواح المـوتى موضة سائدة في ذلك العصر الفيكتوري، ومما تناقلته كتب التاريخ أن بريطانيا وألمانيا كانتا مفتونتين بطائفة فريل. 
وفريل؛ مصطلح مأخوذ من رواية "العرق المقبل" وهي رواية من الخيال العلمي للكاتب أدوارد بولوير ليتون؛ يحكي فيها قصة شاب رحالة يسافر إلى أسفل سطح الأرض حيث يكتشف جنسا من المخلوقات الملائكية فريليا تنتمي إلى حضارة عتيقة وتعيش في شبكات من الكهوف تحت سطح الأرض، ويمتلكون قوى خارقة تحت تأثير مادة فريل التي تتحكم بإرادتهم وتساعدهم على الشفاء والتغيير، وتستخدم هذه الطاقة لتحريك الآلات كالطائرات والأطباق الطائرة، وتدمير المدن والكائنات الأخرى. 
وتعرف قوة فريل لدى الهندوس بقوة الأفعى، وهي قوة الدم وترتبط ببنية الجسد الجينية وتساعد على الانتقال البعدي، وتجعل الشخص فائق القدرة وصانعاً للخوارق بالاعتماد على تعاليم السحر، وقوة فريل السحرية يتم استخدامها في معظم جمعيات السحر. 
أصبحت رواية "العرق المقبل" ذائعة الصيت بعد الحرب العالمية الأولى لما يلفها من غموض وأسرار، ويشير بعض المؤرخين والمختصين في دراسة العقائد والأيديولوجيات إلى أن طائفة فريل كانت العقيدة السرية لهتلر وأتباعه، وإن أساطير هذه الطائفة، كانت البذرة الأولى لنشوء فكرة النازية، ولعبت دورا خطيرا ومؤثراً في حروب القرن العشرين، في ما يتعلق بعصرنا، كل شيء فقط بدأ قبل الحرب العالمية الثانية، إنها عملية متلاعبة لم يسبق لها مثيل ويجري تنفيذها على نطاق كوكبنا.
ملفات سرية وغامضة في الحرب العالمية الثانية

الإنسان يغرق في دوامة المتاهات والتناقضات؛ وتبقى في داخله حقيقة باطنية تتوهج؛ لتضيء ظلام الكون، يبقى ذلك الصوت الخفي يناديه دائما في منامه وأحلامه وأسراره العميقة

اكتشف السوفييت ملفات نازية سرية وغامضة محفوظة داخل الجدران المتهاوية في أحد المنازل، الذي كان قصرا للاستخبارات الألمانية من مقاطعة سليسيا الألمانية السفلى، بعد اجتياح الجيش الأحمر لهذه المقاطعة التي أصبحت جزءا من بولندا في ما بعد. كانت ملفات المخابرات مليئة بالتفاصيل عن عمليات الإعدام والتعذيب، لكن لم تكن هذه السجلات خاصة بعمليات التعذيب، بل كانت هناك مستندات عمرها مئات السنين تتناول محاكمة الساحرات وعملية إعدامهن.
نقلت الملفات المعروفة باسم التحقيقات الخاصة بالساحرات إلى أرشيف في مدينة بوزنان البولندية، وواجهت الاستخبارات السرية البولندية صعوبة كبيرة في فك شيفراتها. كان هنرخ هيملر قائد القوات الخاصة لحماية هتلر وقائد البوليس السري ووزير الداخلية من أكثر رجال هتلر شراسة وأكثرهم غموضاً في عالم النازية السري. أطلق هيملر بحثاً تاريخياً مكثفاً إذ سعى إلى إيجاد دليل على الثقافة الجرمانية العليا في الماضي. 
كانت نظرة هيملر إلى العالم منبثقة من أفكاره وتصوراته الخاصة عن العرق الآري المتفوق والأساطير المتعلقة به، وقد استعان هيملر باختصاصيين في علم الإنسان ومؤرخين وعلماء في الجغرافيا، لإيجاد أدلة على تفوق العرق الآري. فكانت منظمة الأناناربي النازية منظمة مسندة، مهمتها البحوث الأثرية والأنثروبولوجية، ودراسة طقوس الشعوب الغامضة وعادتهم، وتحديدا شعوب منطقة التبت وجبال الهمالايا، وكذلك مشروع الصحون الطائرة الذي يسمى أفيمناس أو أستراس، كما يقول الهندوس. 
كان هيملر رئيس الاستخبارات السرية يميل إلى الغموض، فتضمنت البزات السوداء الخاصة بعناصر الاستخبارات السرية، رموزاً صوفية وشعارات عسكرية قديمة في تاريخ ألمانيا. وقد تم إنشاء عادات خاصة في صفوف المخابرات السرية الألمانية تشبه العادات الوثنية القديمة فتميزت احتفالات الانقلاب الشمسي بإشعال نيران مقدسة وخطابات رنانة، فأصبح الاحتفال بالانقلاب الشمسي جزءا أساسياً من الاحتفالات النازية التي كان يلفها الغموض الشامل، فقد حاول هيملر توطيد رابط قوي في صفوف الاستخبارات عن حقيقة العرق المتفوق، باستبدال الديانة المسيحية بنوع جديد من التصوف يعتمد على الأساطير الألمانية القديمة والديانات الشمالية. 

كان هتلر يرى أن الديانة المسيحية تدمر الجوهر الأخلاقي للشعب الألماني وتحط من قيمته. وقد كسر هتلر بعض المحرمات باللجوء إلى السحر والتنجيم والجمعيات السرية. وتعتبر ألمانيا منذ أقدم العصور مركزاً للجمعيات والحركات السرية، وانبثاق الحزب النازي الذي كان مشبعاً بهذه العقيدة السرية هو امتداد لفرسان الهيكل. شغف هتلر بالسحر الأسود وأعمال التنجيم والنبوءات، وتأثر كثيراً بأعمال هيلينا بلافاتسكي، خصوصا فــي كتاب "العقيدة السرية" الذي ألهم هتلر في هدم العالم وبناء عالم يحكمه الإنسان الآري المتفوق، فكانت هذه المثالية المشوهة هي أساس الخراب والدمار الذي لحق بالعالم ومسوغاً لجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها هتلر بحق الشعوب الأخرى.
هيلينا بلافاتسكي والعقيدة السرية
أشارت هيلينا بلافاتسكي في كتابها "العقيدة السرية" (الثيوصوفية)، إلى أن هناك سبعة أعراق مختلفة من الجنس البشري حكمت الأرض في حقب بعيدة، وكان الجنس الخامس يسمى بالآري، وتعتقد بأنهم انحدروا من عرق مخلوقات تشبه الملائكة، وإن الآريين كانوا يملكون قوى روحية خفية، ساعدتهم في بناء الأهرامات، وحضارة أطلنطس وشبكة من المدن تقع تحت القارة القطبية الجنـوبية، وأن سلالتهم وجدت في جبال الهمالايا، وإشارة الصليب المعقوف هي نفسها إشارة الهندوس القدامى التي ترمز إلى الحظ.
تؤمن هيلينا بلافاتسكي بأن الجنس البشري اليوم من حيث الترتيب هو الآري، فالآريون نشأوا وتطوروا من الجنس السابق قبل مئة ألف سنة من الآن، وإن تسعين ألفاً فقط هم من نجا من كارثة غرق أطلانطس، حيث هاجروا إلى الصحراء الكبرى شمال إفريقيا، وأسسوا مدينة الشمس، لذا سعى النازيون إلى الاتصال مع الناجين من الحضارات القديمة، وأصحاب التكنولوجيا القديمة المتطورة، والكشف عن آثار التفجيرات النووية قديماً.
كما تصنف بلافاتسكي الأجناس البشرية السبعة، إلى الأثيرين الذين يتكاثرون بالانقسام كالاميبيا (كانت الأرض في طور التشكل)، والهايبروبوريا ذوي اللون الأصفر الذهبي الذين سكنوا المناطق الشمالية، كندا واسكندنافيا، وروسيا وليس لهم خلف اليوم. والليموريين وهم سود البشرة وعاشوا في ليموريا التي كانت قارة بين المحيط الهندي واستراليا في العصر الجوراسي منذ 34 مليون سنة مضت، والأطلنطين الذين عاشوا قبل أربعة ملايين سنة ونصف في إفريقيا، وهم ينقسمون أيضاَ إلى سبعة أجناس فرعية. إضافة إلى الآريين الذين تحدثنا عنهم، وهم الجنس الخامس اليوم أسياد العالم اليوم والعرق المتفوق حسب عقيدة بلافاتسكي.
أما الجنس السادس ويسمى الماستر موريا فسيكون سيد الجنس الجديد في القرن الثامن والعشرين وسيحكم العالم بالطاقة النووية، وستكون هناك حكومة عالمية موحدة يقودها أحد أسلاف يوليوس قيصر، وستظهر قارة جديدة على المحيط الهادئ تكون موطن الجنس السادس. 
أما الجنس السابع وبعد ملايين السنين سيهاجر ما تبقى منه إلى كوكب الزهرة، ليحافظ على تطوره الروحي والمادي، وتكون وسيلة التخاطب بينهم بالتخاطر، عندها يكون الجنس البشري قد انتصر على اللغة والزمن، وصار عقلاً كونياً أقرب إلى الملائكة أو الآلهة.

النازية
أسياد وعبيد

العالم رقعة صراع دائم
اعتمدت فكرة نشوء النازية في أساسها على خلق دين جديد للعالم من خلال تقسيمه إلى خير وشر، وأن يظل تحت رقعة الصراع بين هذين المحورين، وكانت ترى في الجنس الأري الأبيض الخير النقي، وترى باقي الأجناس شرا مطلقا. إن لهذه العقيدة التي اعتنقها النازيون جذورا عميقة في الديانة المانوية والغنوصية، التي ترى أن العالم مركب من أصلين قديمين هما النور والظلمة، وإن كل شيء في هذا العالم هو صراع المادة مع الروح، فالمادة هي الشر المطلق، والروح هي الخير النقي، وأحياناً يكون الخلاص من انعتاق الروح من سجنها الجسدي، وقد قسم الفريد روزنبيرج المنظر السياسي النازي في كتابه أساطير القرن العشرين البشر إلى ثلاثة أنواع، الروحانيين، والنفسانيين، والماديين، وهم مولودون كذلك بالفطرة كما يزعم. 
ويرى أن العالم أيضا ً مقسم بين أسياد وعبيد، فالأسياد هم الروحانيون والنفسانيون، والماديون هم العبيد الذين يجب أن يقوموا بخدمة أسيادهم. كانت النازية هي الدين الجديد الذي أعده هتلر للبشرية في حال انتصر الألمان وأحكموا قبضتهم على العالم، وكان هتلر يؤمن بأنه المسيح الألماني الجديد الذي سيخرج البشر من ظلماتهم، لكن العقيدة النازية لم تمت وأعيد خلقها مرة أخرى تحت مسميات وعناوين مختلفة، فهناك جمعيات ومنظمات سرية في أوروبا ما زالت تحتفل بطقوس الدم، وتتقرب بها للآلهة، وما الحروب التي ابتلي بها الشرق الأوسط والنظرة الاستعلائية من مفكري وسياسيي أوروبا، إلا تجليات بسيطة لفلسفة العرق الآري الذي سيحكم العالم وحده بلا منازع. 
الأحداث الغامضة التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية كحادثة روزيل الشهيرة (حادثة تحطم إحدى السفن الفضائية غير البشرية في مدينة نيو مكسيكو في أميريكا عام 1947) وما تلاه من تأسيس منظمات وجمعيات سرية في العالم والشواهد الدالة على وجود كائنات غريبة غير البشر واتصالها بعالمنا، ربما ستقودنا إلى جذور وأسرار المعرفة الباطنية التي توارثها البشر منذ أزمنة سحيقة، هناك معرفة إلهية وأسرار عن نشأة الكون والإنسان ظلت حكرا بيد مجموعة قليلة من الأسياد عبر التاريخ. لكن الإنسان وفي بحثه الدؤوب عن الحقيقة، ربما سيكتشف أن الحكومات والسلطات عبر التاريخ البشري المتعاقب ظلت تخفي هذه الأسرار عن عامة الناس، إما خوفاً من الخراب والكارثة التي ستحل بالعالم، وإما لأسباب شيطانية تتعلق بالسيطرة على العالم وثرواته.
وكان الإرث العالمي في الأدب والفن غنياً بهذه الأسرار الغامضة، كان قريباً منها، ولم يكن على اطلاع تام بها وتجلى ذلك في روايات الرعب لأدغار ألن بو وهوارد لافكرافت، وروايات الخيال العلمي لهربرت جورج ويلز وأدوارد ليتون، وفلاسفة وكتاب أمثال كولن ويلسون وايرش فون دانكن.
إن للإنسان توقا دائما لذلك المطلق اللامتناهي، لكنه وهو يغرق في دوامة هذه المتاهات والتناقضات؛ تبقى في داخله حقيقة باطنية تتوهج؛ لتضيء ظلام الكون، يبقى ذلك الصوت الخفي يناديه دائما في منامه وأحلامه وأسراره العميقة.