العصر المملوكي بين الشعر والسياسة

عبدالرحمن حجازي يؤكد في كتابه "الخطاب السياسي في الشعر المملوكي في مصر  .. عصر السلطان الظاهر بيبرس نموذجًا أن هناك صلة وثيقة بين السلطة والقوة.


الدين يعد أساسًا مهمًّا ومكونًا رئيسًا في علاقته بالسلطة السياسية


السلطة تلبية لحاجةٍ محددة، واستجابة لمطلب معين

ارتبط مصطلح "الخطاب السياسي" – في التراث الإسلامي- بالسلطة السياسية التي تعني المقدرة من أجل ممارسة السلطة أو الهيمنة على فئة معينة، وهي مظهر للقوة التي تضمن الطاعة من أجل الأفراد الخاضعة لها؛ بحيث تكون هناك ضرورة إلزامية في التنسيق بين فئتين: مرسل أو مصدر يعطي الأوامر – وهو الحاكم أو الخليفة الذي يجب أن يكون فردًا واحدًا حتى لا تفسد السياسة، وأوامره واجبة التنفيذ؛ فلا رادَّ لأوامره وقضائه - ومتلقين أو مستقبلين للأوامر، وهم من يمثلون باقي الجماعة وسائر الأعوان، وهؤلاء عليهم السمع والطاعة، وتنفيذ ما يصدر عن السلطان أو الخليفة من أوامر.
ويؤكد د. عبدالرحمن حجازي في كتابه "الخطاب السياسي في الشعر المملوكي في مصر  .. عصر السلطان الظاهر بيبرس نموذجًا (658- 676هـــ/ 1260- 1277)" أن هناك صلة وثيقة بين السلطة والقوة؛ فذو السلطة يستعمل القوة في أحيانٍ كثيرة؛ حيث إن السلطة بطبيعتها هي مصدر القوة للإنسان؛ لأنها تمنح صاحبها فرصًا كبيرة للاستغلال والسيطرة والانتفاع والنفوذ، وكذلك فهي سيادة وسيطرة وتحكم، والإنسان نفسه تميل إلى السيادة والسيطرة، ومن هنا انفتحت على الإنسان أبواب جديدة للصراع، وهي الصراع على السلطة، وربما كان ذلك لأن السلطة هي القوة السياسية التي تدعمها مبررات كثيرة، وتساندها مسوغات قوية ومتنوعة.
ومن وجهة نظر المؤلف إذا كانت السياسة هي الحرب، فإن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، إنها فن إدارة الصراع بأساليب وأدوات تمتد من العنف الفيزيائي إلى العنف الرمزي. والصراع السياسي هو صراع حول المصالح العاجلة والآجلة للأفراد والفئات: مصالح احتياز السلطة، واحتياز المال، واحتياظ الحظوة؛ كل سلطة تعرف أن لها حظوة وحظًّا تحكم في مسار المجتمع كله، وحظوة وحظًّا تحكم في ثروته المادية والرمزية، وأنها موضع تطلع الجميع، ورغم أنه يفترض أنها تمثل المجتمع، والمصلحة العامة، فإن لديها حسًّا أوليًّا في التمييز بين مصلحتها (مصلحة السلطة) ومصلحة الدولة؛ مما يدفعها إلى المزاوجة الرفيعة بين مصلحتها في البقاء والاستمرار ومصالح الدولة. 

تبقى العلاقة بين رجل الدين والشاعر علاقة منافسة على الحظوة لدى السلطة، والتأمل في موقف الظاهر بيبرس – وهو رجل الدولة العتيد - يبين لنا موقف الحكام في الأمة الإسلامية من الجانبين

والسلطة بهذا المعنى هي تلبية لحاجةٍ محددة، واستجابة لمطلب معين؛ فكل من الفرد والجماعة في حاجةٍ إلى أن تمارس عليهم السلطة سيطرتها، وتصرف فيهم قوتها، وبالتالي فإن أساس السلطة هو الرغبة في الخضوع أو إرادة الخضوع المعبر عنها من طرف من تُمارَس عليهم.
ولعل أكثر أشكال السلطة إثارةً للتنازع هي السلطة السياسية؛ فمن يملكها يدخل في صراع مع منافسيه، فإما أن يحتفظ بها بعد القضاء عليهم إلى حين يأتي غيرهم، وإما أن يأخذوها منه بعد القضاء عليه إلى أن يأتي من هو أقوى منهم فيأخذها منهم جميعًا. وكل "من يتمتع بالقدر الكافي من القوة والمكانة سيعمل على امتلاك السلطة، ويقدم على انتزاعها ممن يمسك بها. فالتاريخ يؤكد أن السلطة مثار نزاعات تنتهي بحروب تتجدد دائمًا: السلب والنهب طلبًا لمزيد من الثروة، الفتوحات لتوسيع الأملاك، الإرهاب لفرض القوة، الغزوات الحربية لإظهار الشجاعة بتوسيع مجال السيطرة، هذه كلها تصبح وسائل الوصول إلى السلطة".
الدين والسلطة
ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الدين يعد أساسًا مهمًّا ومكونًا رئيسًا في علاقته بالسلطة السياسية على اختلاف مصدر الدين، وهو اعتقاد يؤدي إلى إثارة مشكلة هي جوهر القضية برمتها: ما مصدر السلطة؟ وما الذي يعطي إنسانًا ما سلطة ما على أخيه الإنسان؟ وأساس القضية – كما يراها المؤلف – يقوم على أنه لا سلطة لإنسان على آخر إلا بدليلٍ يمكنه من ذلك، وأن مراقبة تاريخ البشرية على اختلاف الزمان والمكان يبين لنا أن هذا الدليل كان دينيًّا في بداياته عند كل المجتمعات؛ فالدين يمكن أن يكون أداة سلطة تحقق من خلاله شرعيتها واستقرارها، وتستخدمه في نزاعاتها السياسية مع خصومها، وتكرس كل أنواع العبادات والطقوس بما في ذلك الخرافات؛ في سبيل تثبيت شرعيتها، وضمان استمرار وجودها.
والخطاب الإسلامي – كما هو معلوم - ليس دراسة للقوانين السياسية والتشريعية، والحياة الاجتماعية، والحياة الاقتصادية فحسب، وإنما هو أطروحة من أجل بناء حياة الإنسان بشكل أفضل، من أجل تغيير وتصحيح المسيرة الاجتماعي والوصول بها إلى المستوى الأفضل والأجمل. كما أنه – من ناحية أخرى - يتقدم إلينا، عبر تاريخه الطويل، برؤية خاصة عن الصراع السياسي ودوافعه وأشكاله المختلفة وطبيعته التأويلية؛ كل ذلك من أجل التحكم في هذا الصراع.
ومن وجهة نظر المؤلف أن الاختلاف السياسي أنتج الصراع التأويلي العنيف الذي شهده التاريخ الإسلامي، ولا يزال؛ فكل فريق سياسي ينتج تأويله الخاص به، ومن ثم يشرع في صياغة الهوية بناءً عليه ويبدأ في صناعة التشريع استنادًا إليه، ويخرج "عدوه السياسي" من حياض الدين تبعًا له، ومن ثم فإن كل قوةٍ سياسية عندما تسيطر على النظام السياسي الموجود وتزيحه من طريقها، فإنها تبدأ في استظهار عقيدة جديدة وفقه جديد، أو في استعادة علم قديم. المهم هو أن تختلف في منظومتها التأويلية عن النظام السياسي الذي حلت محله، وهذا شيء يقتضيه النظام السياسي. 
إن صراع التأويل ينطوي على صراع سياسي حاد، وبما أن السياسة شأن من شئون الدنيا، فإن الساسة المتصارعين لا يُظهرون ذلك أمام الناس، فلن يقف الجمهور إلا مع من ينصر الدين لا الدنيا! وهنا كل فريق سياسي يحاول جاهدًا أن ينفرد بالسلطة، ويملك زمام الدين، ويدعي أنه هو وحده من وصل إلى المعنى التام والغاية القصوى من التنزيل المبين، وأن غيره ضال مضل.

السلطة والقوة
درء الغزوات الخارجية

الظاهر بيبرس
ويذكر المؤلف أنه من الناحية السياسية، فقد شغل الظاهر بيبرس كرسي السلطنة سبعة عشر عامًا، كانت هذه المدة باعثًا لتنفيذ سياسة واسعة اتجهت إلى ازدهار البلاد في الداخل، والدفاع عنها وحمايتها من الغزو الخارجي؛ إذ خاض العديد من المعارك الداخلية ضد مظاهر التحلل والفساد وانهيار القيم، وأفلح في إرساء قيم العدل والأمن والاستقرار على المستوى الداخلي ومن ثم تهيأ الشعب لدرء الغزوات الخارجية، ومن ثم وضع يده في يد بيبرس، محققًا بذلك رغبة شعبية عميقة للمشاركة في الحكم، وأملًا قويًّا في الإصلاح، وبناء مجتمع مثالي؛ فصار بيبرس "ملكًا شجاعًا مقدامًا غازيًا مجاهدًا مرابطًا خليقًا بالملك"، "وكان من خير ملوك الإسلام"، و"قضى حكمه في الذب عنهم من العدو والمتخاذل".
كانت فترة الظاهر بيبرس فترة حاسمة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية؛ حيث أصيبت الدولة بخطر يتهددها في كيانها واستمرارها؛ فالعدو جاسم في قلب أراضيها، ويسعى لمحو أبنائها وطمس هويتها، وفي هذه الفترات تحشد الدولة – متى تنبهت للخطر - كل قواها لمواجهة هذا الخطر الداهم، ومن هذه الأدوات الوعي الديني بما يحمس به الجنود المقاتلين، ويحشد أفراد الشعب وراء قادته دعمًا لهم ومساندةً لجنوده، ومنها الوعي الإبداعي – كالأدب عامة - والشعر خاصة - بما يثير قوى الشعب، ويبصرهم بالخطر المحدق بهم، وكثيرًا ما كانت العلاقة بين رجل الدين والشاعر في تراثنا العربي علاقة منافسة رغم وجود كثيرٍ من الشعراء الفقهاء أو الفقهاء الشعراء، لكن تبقى العلاقة بين رجل الدين والشاعر علاقة منافسة على الحظوة لدى السلطة، والتأمل في موقف الظاهر بيبرس – وهو رجل الدولة العتيد - يبين لنا موقف الحكام في الأمة الإسلامية من الجانبين.
يذكر أن كتاب "الخطاب السياسي في الشعر المملوكي في مصر  .. عصر السلطان الظاهر بيبرس نموذجًا"، للدكتور عبدالرحمن حجازي ، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. (وكالة الصحافة العربية)