هاينريش بول.. كتب أعماله وسط الأنقاض والخرائب

الكاتب الألماني استطاع أن يحقق حضوره الأدبي، ما بين عامي 1946، 1949، وذلك عندما نشر بعض مجموعاته القصصية.


بول كان كاتبا غزير الإنتاج، ويملك مخيلة واسعة الضفاف، ولم يكن من هؤلاء الكتاب الذين اعتزلوا الكتابة بعد فوزهم بنوبل


الكاتب الألماني فاز بجائزة نوبل عام 1972، ليعيش حالة الكتابة دون توقف، حتى النفس الأخير في حياته

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، ظهر في ألمانيا أدب جديد من بين الخرائب والأنقاض وجسد مأساة الحرب لدى الجيل الجديد، الذي لم يستطع الانعتاق من أسر هذا الكابوس الثقيل، وكان هاينريش بول أحد هؤلاء الشباب الذين كتبوا ذلك التمزق، وتاريخ بلادهم في القرن العشرين.
ولد هاينريش بول في 21 ديسمبر/كانون الأول 1917، على ضفاف نهر الراين، وكان والده قاطع أشجار صنوبر، أما أمه فهي ماريا التي عاشت في كنف زوجها، وهي تعني بشئونها المنزلية، وابنها الذي أصرت على دخوله المدرسة الابتدائية في كولونيا، ومواصلة مشواره التعليمي، مهما كانت الصعاب.
بدأ بول أولى محاولاته لكتابة المقالات في عام 1937، وتم تجنيده في العام التالي ضمن صفوف "جبهة العمل"، وكان هذا التجنيد إجباريا، للحصول على الدراسات العليا، ومن هنا التحق بالجامعة لدراسة الأدب، بينما اضطرته ظروف الحرب أن يذهب مع الجنود إلى فرنسا وأثناء ذلك أصابه مرض خطير، وأثناء عودته إلى ألمانيا، تم أسره واعتقاله في معسكرات الحلفاء. 
عاد بول إلى كولونيا في عام 1945 ليعيش مع زوجته في منزل دمرته الحرب، وعمل على بنائه من جديد، وقد استبدت به روح المعاندة، والإصرار على استكمال دراسته من جديد؛ وقد تتابعت الصدمات على بول وزوجته، حيث فقدا أولادهما الواحد تلو الآخر، ليتبقى لهما ولدان، مما عمق الجرح في داخل بول، ودفعه إلى مزيد من التورط، في الكتابة التي يكتنفها الإحساس بالفقد الذاتي، وتصوير آلام الحروب وويلاتها.
واستطاع بول أن يحقق حضوره الأدبي، ما بين عامي 1946، 1949، وذلك عندما نشر بعض مجموعاته القصصية، التي كشفت عن موهبة متقدة، وحس أدبي يخالطه الحنين الدائم إلى تجاوز الماضي بصوره القاتمة.

الكاتب تعرض في معظم أعماله لعالم الصحافة الألمانية فيما بعد الحرب، ونزع القناع عن القبح والدمامة، والتجاوزات الأخلاقية والمهنية، التي كان شاهدا عليها

وتضم مسيرة بول الأدبية، قائمة طويلة من القصص والروايات، منها مجموعته الأولى “القطار وصل في موعده” عام 1949، و “موت لو نجوين” عام 1950، وروايات “أين كنت يا آدم” عام 1951، و“عد إلى دارك يا بونجر” عام 1952، و“أطفال الموت” عام 1954، و“خبز أيام الشباب” 1955، و“التكشيرة” 1963، و“بعيدا عن الفريق” عام 1964، و“شرف كاترينا بلوم الضائع” عام 1974، و“ذكريات ألمانية" عام 1978″. وكانت آخر أعماله “امرأة أمام منظر بشع” عام 1985، وهو نفس العام الذي رحل فيه الكاتب في السادس عشر من يوليو/تموز، وهذا يفسر أن بول كان كاتبا غزير الإنتاج، ويملك مخيلة واسعة الضفاف، ولم يكن من هؤلاء الكتاب الذين اعتزلوا الكتابة بعد فوزهم بنوبل، حيث فاز بالجائزة عام 1972، ليعيش حالة الكتابة دون توقف، حتى النفس الأخير في حياته.
يقول الناقد رينيه فيتش: بول كاتب تربى في أسرة كاثوليكية رفضت كل الأيديولوجيات، وقد قرأ الكثير من الكتب، وكان يحرص على مطالعة الكتب الممنوعة من أجل المزيد من المعرفة، فقرأ بروست ومورياك وبول كلوديل وهو في السابعة عشرة من عمره، وقد انعكس الفقر في أعماله الأولى، حيث حاول أن يكشف المأساة، فهو من مواليد الحرب العالمية الأولى، وعاش الحرب العالمية الثانية وعانى بعدها طويلاً حتى استقرت أموره، ورأى الموت إلى جواره.
وقد أبرز بول في أعماله عبث القتال، وأدان التهرب الجماعي من المسئولية الأخلاقية، فهو في نظره جريمة يتحمل وزرها مجتمع الرخاء الذي جاء بعد الحرب، وللانشغال بزيادة نسبة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وهو الذي عبر عنه بقوله: "إن موت جيرانهم وأصدقائهم لم يعلمهم احترام الحياة، والألم الذي قاسوه لم يتحول إلى حكمة، والحزن الذي غرقوا فيه لم يمنحهم القوة، إنهم فقراء إلى حد لا يصدق، فهم في مواجهة الخطر الدائم لا يملكون القدرة حتى على التمتع بالرخاء النسبي الذي وصولوا إليه".
كان بول كاتبا أخلاقياً، وما أكثر ما رفع صوته بالنقد والتحذير، سواء في كتاباته أو أحاديثه وخطبه ومقالاته، فكان بحق شخصية عامة في بلاده كبعض الأدباء المشاهير مثل البرتومورافيا وجورج برنادوشو وجان بول سارتر وجارثيا ماركيز وغيرهم. ولم يكتف بول بالكتابة الأدبية، بل اقتحم المجال السينمائي، ككاتب سيناريو للعديد من الأفلام، وشارك يإخراج فيلم مع مجموعة من المخرجين الألمان، وهو ما أضفى على أسلوبه الأدبي تلك القدرة البارعة على تصوير المشهد والتعبير بأسلوب واقعي يعتمد على الاهتمام بكافة التفاصيل مهما كانت تافهة وعادية، إذ يقول: "إن العين البصيرة من أهم أدوات الكاتب، وينبغي لهذه العين أن تكون إنسانية ونزيهة".

واتفق النقاد على أن الكاتب حقق تميزه الأدبي في الكتابة القصصية دون غيرها، وذلك بعد أن جرّب العديد من الأشكال والأنواع الأدبية، ولكن الرواية بالنسبة له، كانت الفضاء التعبيري الرحب، الذي مكنه من كتابة التجارب الأليمة، ورد حياة شعبه الذي عانى من ويلات الحروب.
وقد تعرض الكاتب في معظم أعماله لعالم الصحافة الألمانية فيما بعد الحرب، ونزع القناع عن القبح والدمامة، والتجاوزات الأخلاقية والمهنية، التي كان شاهدا عليها، مثل روايته “منزل بلا جار” و"صورة للمجموعة مع سيدة"، وبذلك يكون هاينريش بول أحد وجوه الأدب الحديث في ألمانيا خلال هذا القرن، وممن اضطلعوا بمهمة شاقة، وهي الكشف الدؤوب وسط الخرائب والأنقاض التي خلفتها الحروب عن حياة جديدة لأوطانهم. (وكالة الصحافة العربية)