العمارة الطينية في حضرموت: تجليات الهوية بين التقاليد والحداثة
حضرموت، الوادي التاريخي في قلب جنوب الجزيرة العربية، ليست مجرد أرض صحراوية، بل مهد لعمارة طينية فريدة تحكي قصة الإنسان والبيئة. في قلب وادي حضرموت، حيث تندمج الجغرافيا بالتاريخ، وتصبح الصحراء سجلًا مفتوحًا للذاكرة، تنهض العمارة الطينية بوصفها إحدى أصفى تعبيرات الهوية المكانية والروحية للإنسان الحضرمي. ليست هذه العمارة مجرّد تقنية للبناء، بل هي، كما يصفها المهندس المعماري د. يوري فيودروفيتش كوجين في كتابه "العمارة الطينية في الحضرمية التقليدية"، بأنها "تجلٍّ مكثف لطبيعة المجتمع الذي أنتجها، وانعكاس مباشر للفلسفة المحلية في التعامل مع المحيط، ومع الزمن، ومع المقدّس".
يقدم كوجين في كتابه، الذي ترجمه د. عبدالعزيز جعفر بن عقيل، دراسة مركّبة، تتوزع على ثلاثة أبواب كبرى: الأول مخصص للدراسات المتعلقة بالعمارة الحضرمية والتاريخ والظروف الجغرافية لحضرموت، والثاني لأنواع العمارة السكنية والعمارة الثقافية الدينية في الفن المعماري الحضرمي القديم من الألف الأول قبل الميلاد حتى بداية القرن الأول الميلادي، والثالث لتأمل استمرار التقاليد المعمارية القديمة في عمارة حضرموت الإسلامية وتطورها أي فترة العصور الوسيطة المتأخرة والفترة المعاصرة في ظل التغيرات الحداثية. هذا البناء الثلاثي لا يُراد منه التقسيم المنهجي فقط، بل هو أيضًا – كما يُفهم من سياق الكتاب – محاولة لمحاكاة تسلسل العمارة ذاتها: من الأرض التي تحتضنها، إلى الكتلة التي تشكّلها، إلى الرؤية التي يمكن أن تستمر بها.
الكتاب مدعوم بالرسوم والخرائط والمخططات، وهناك ملاحق "صور، ومخططات، ورسوم للعمارة الطينية في حضرموت"، ويؤكد كوجين أن عمارة جنوب الجزيرة العربية ومن ضمنها حضرموت تعتبر أحد مكونات العمارة العربية بشكل عام. لكن على الرغم من أهمية عمارة هذه المنطقة في التراث المعماري العربي والعالمي، فإنها لم تخضع بعد للدراسات العلمية المكثفة حتى السنوات الأخيرة، وذلك لغياب أية أعمال ميدانية متخصصة في هذه الناحية. وكتابه هذا تستند معلوماته على ملاحظاته المباشرة، وعلى دراسته لعدد من المعالم المعمارية التي تعود إلى عصور مختلفة في حضرموت، وكذلك الدراسات التي نشرت في المراجع الأجنبية عن عمارة هذه المنطقة، إنه محاولة لملء الفراغ في هذا الجانب.
لا يكتفي كوجين في الباب الأول بوصف بيئة حضرموت الجغرافية، بل يذهب إلى قراءتها بوصفها عقلًا تكوينيًا للعمارة، فالصحراء والجبال والوادي والواحات ليست خلفيات صامتة، بل "نظام توجيه خفي يملي شروط البناء وحدوده". فالطبيعة القاسية، وشح المواد، وحرارة الشمس، وندرة الظلال، كلها فرضت نوعًا من الاقتصاد الإبداعي في مواد البناء، وهو ما مهّد لأن يكون اللبن – الطوب الطيني المجفف تحت الشمس – "المادة الأم التي تجسد خصائص التربة والحرفية والمعتقدات معًا". يكتب كوجين: "البيت الطيني الحضرمي لا يُبنى ضد المناخ، بل به، إنه لا يعزل الداخل عن الخارج بعنف، بل يرشّح العلاقة بينهما بعناية، كما تفعل الستارة الخفيفة مع الضوء". هذه الجملة تُبرز الفلسفة الكامنة وراء بناء البيت، والتي تقوم على مفهوم الانسجام لا السيطرة، الانفتاح لا الانغلاق، الخصوصية لا العزلة.
يصف كوجين المجتمع الحضرمي بأنه تقليدي محافظ، لكنه منفتح على البحر والحج والعلم. هذا الانفتاح جعل العمارة أداة للتوازن بين هذه الأبعاد. ويقول "المدينة في حضرموت ليست نظامًا للمرور، بل نظامًا للعلاقات. الشارع لا يُفصل بين البيوت، بل يصل بينها في إيقاع اجتماعي صبور".
يفرد كوجين في الباب الثاني تحليلًا دقيقًا للعناصر المكونة للعمارة الطينية، سواء من حيث المواد أو التصميم أو التفاصيل الزخرفية. يبدأ بالإشارة إلى أن اللبن المجفف هو المادة الأساسية، لكنه ليس "مجرد طين جاف"، بل "ذاكرة محروسة في قوالب"، تحتضن الدفء كما تحتضن الأم طفلها، فطريقة تجهيزه، ومزجه بالتبن أو الرمل، وتجفيفه تحت الشمس، تجعل منه مادة تتفاعل مع الزمن لا ضده.
ومن الخصائص البارزة التي يعرضها كوجين: الجدران السميكة التي تعزل الحرارة نهارًا وتحفظ الدفء ليلًا، كأنها درع طبيعي يتنفس مع المناخ؛ النوافذ الصغيرة المرتفعة، التي توازن بين التهوية والخصوصية؛ استخدام الأخشاب المحلية (من النخيل غالبًا) في الأسقف، المغطاة بطبقات طينية تُعاد صيانتها دوريًا؛ التدرج الداخلي للمبنى: من الفناء إلى الممر إلى المجلس إلى غرف النوم، وكل ذلك في تسلسل وظيفي يُراعي الجنس والسن والوظيفة. ويقول "البيت الطيني ليس مبنى، بل درب تربوي صامت: يعلم ساكنه احترام التسلسل، وحُرمة الفضاء، وقيمة الصمت".
أما الزخرفة، فهي ليست للعرض فقط، بل "للتذكير"، كما يسميها كوجين، إذ تُنقش في الجدران آيات قرآنية، أو رموز هندسية تدل على الوحدة، أو أشكال نباتية تستحضر البركة. ويرى أن الزخرفة الطينية تقوم مقام الخطاب الأخلاقي "ما من نافذة إلا وتحكي شيئًا عن الحياء، وما من باب إلا وفيه ترميز للحماية".
بعد استعراض العناصر التقليدية التي ميزت العمارة الطينية، ينتقل كوجين في الباب الثالث إلى سؤاله الكبير: هل يمكن للعمارة الطينية أن تبقى في عصر الإسمنت والحديد والزجاج؟ والإجابة ليست بنعم ولا، بل بـ"يمكن.. إن نحن غيّرنا السؤال من: ما الذي نريد أن نبنيه؟ إلى: كيف نريد أن نعيش؟".
يناقش كوجين كيف أن الحداثة العمرانية في حضرموت – كما في سائر المدن العربية – جاءت بمواد غريبة عن المكان، وأنماط حياة مستوردة لا تُراعي لا المناخ ولا الثقافة. ويرى "البيوت الجديدة تُبنى بالسرعة نفسها التي تُهدم بها البيوت القديمة، ليس لأن الأولى أفضل، بل لأن الثانية صامتة، لا تجد من يدافع عنها"، لكنه في مقابل ذلك، يعرض رؤى بديلة، تقوم على مفهوم "الاستدامة الطينية"، ويقترح نماذج معمارية جديدة يمكن أن تُبنى باللبن، مع دمج بعض التقنيات الحديثة. ويدعو إلى إنشاء معاهد لإحياء الحرفة، وتشجيع البلديات على استخدام اللبن في مشاريع الإسكان الاجتماعي، معتبرًا أن "أفقر بيت طيني أكثر غنىً من أفخم عمارة زجاجية، لأنه ينتمي إلى الأرض التي بناها".
ويؤكد بوضوح "نحن لا نحتاج إلى متاحف للتراث، بل إلى مدن تراثية حيّة. الطين لا يُعرض، بل يُسكن. والعمارة الطينية لا تدرّس في الكتب، بل تُمارس في الهواء الطلق".
تحتل شبام موقعًا خاصًا في الكتاب، ليس فقط كحالة دراسية، بل كرمز لذروة ما يمكن أن تبلغه العمارة الطينية من تعقيد وارتفاع وكفاءة. تُبنى عماراتها على ستة أو سبعة طوابق، باللبن وحده، وبتقنيات محلية خالصة. ويرى كوجين أن شبام "أجابت منذ قرون على سؤال الكثافة الحضرية والاستدامة المناخية، قبل أن يولد المصطلحان أصلًا".
ويضيف "أن تبني عمارة عمودية بالطين في صحراء منبسطة، هو أشبه بكتابة قصيدة عمودية بالحبر الرملي، إنها بلاغة البناء في بيئة بلا حروف". وتُظهر نتائج تحليل المعطيات التي تجمعت أثناء دراسته للعمارة الشعبية في محافظة حضرموت استمرارية التقاليد المعمارية للمساكن الحضرمية وتطورها، منذ ما قبل الإسلام، مرورًا بالمساكن الحصينة في العصور الوسطى، وصولًا إلى المنازل المعاصرة.
في خاتمة كتابه، لا يقدّم كوجين مجرد تلخيص لما تناوله في أبوابه الثلاثة، بل يخطّ ما يمكن اعتباره بيانًا معماريًا حيويًا، يعيد فيه تعريف وظيفة العمارة، ليس من باب مجرّد تذكير علمي، بل تحريض على الرؤية، فهو لا يقدّم اللبن بوصفه مادة بناء فحسب، بل باعتباره فلسفة بيئية واجتماعية وأخلاقية، تنتمي إلى الإنسان كما ينتمي إليها. في عالم تتسارع فيه أنماط البناء الموحد والمستورَد، تظهر العمارة الطينية كصرخة هادئة: هناك ما يُبنى بروح، وهناك ما يُبنى بروتين.
ويؤكد كوجين أن ما درسه ليس ماضيًا جامدًا بل ممارسة حيّة قابلة للتجدد والاستلهام. ويقول "ليست العمارة الطينية في حضرموت مجرد نظام بناء تقليدي، بل هي نتيجة تراكم تاريخي طويل لثقافة معمارية تأقلمت مع الطبيعة، وعبّرت عن المجتمع، ولبّت احتياجاته المادية والروحية".
هذه العبارة تؤسس لثلاثية مركزية في فهم العمارة الطينية من وجهة نظر كوجين: البيئة، المجتمع، والروح. فالعمارة لا تنشأ في الفراغ، بل تتكون بفعل تفاعل مستمر بين الضرورات الجغرافية والثقافية، وبين طموح الإنسان إلى حماية جسده والتعبير عن ذاته.
ويضيف بعد ذلك "ما يجعل هذه العمارة مميزة هو قدرتها على التكيّف مع البيئة الجغرافية والمناخية والاجتماعية، وكونها جزءًا حيًا من الذاكرة الجماعية، لا تنفصل عن الطقوس والعادات ونمط الحياة". بهذا التوصيف، ينتقل كوجين من الوظيفة التقنية إلى الدور الرمزي والاجتماعي للعمارة. فالبيت الطيني لا يُفصل عن تقاليد الضيافة، ولا عن آداب الخصوصية، ولا عن الفضاءات الدينية التي تحتضنها البيوت والمساكن والمدن.
لكن هذا التراث – كما يحذّر كوجين – مهدد اليوم "لقد بدأت العمارة الطينية تفقد حضورها مع دخول مواد البناء الحديثة، وتغيّر مفاهيم الجمال، وظهور أنماط جديدة للسكن، ما أدى إلى إهمال هذا التراث، بل ونظر بعض السكان إليه على أنه مظهر من مظاهر التخلف". هنا، لا يُلقي كوجين باللوم فقط على الحداثة بوصفها زحفًا ماديًا، بل يُحمّل المسؤولية أيضًا لتغيّر الذوق العام وخلل العلاقة مع الموروث. وهذا ما يجعل موقفه ليس انغلاقًا على الماضي، بل دعوة عقلانية لمصالحة بين الزمنين.
ويؤكد ذلك "هذه النظرة قد تقود إلى اندثار هذا النمط المعماري، رغم أنه يمتلك من الخصائص البيئية والجمالية والوظيفية ما يؤهله ليكون نموذجًا للبناء المعاصر المستدام". ومن جانب آخر يقدم أطروحته المستقبلية، التي لا تكتفي بالتوثيق، بل تدعو إلى الفعل "نحن بحاجة إلى إعادة قراءة العمارة الطينية لا كماضٍ يجب حفظه فقط، بل كمصدر إلهام لحلول معمارية معاصرة، تحترم البيئة، وتخاطب الإنسان، وتُعبّر عن الهوية". هنا تظهر فلسفة كوجين واضحة: ليس المطلوب إحياء رمزي أو متحفي للتراث، بل تفعيل ديناميكي له في صلب الحاضر. ويرى أن العمارة الطينية بما تحمله من معارف محلية وتفاصيل مادية بسيطة ومهارات يدوية، قادرة على تزويد الحاضر بمعمار منخفض التكلفة، مرتفع القيمة.
ويدعو كوجين إلى "حماية العمارة الطينية في حضرموت، والحفاظ على استمراريتها"، لافتًا إلى أن الأمر لا يتوقف على الجهود الفردية فقط، بل هو مسؤولية جماعية، تتطلب دعم الدولة، وتشجيع المبادرات المحلية، وتثقيف المجتمع، وتحفيز المعماريين والمهندسين على تطوير هذا الإرث، وتحديثه، دون أن يفقد روحه.
ويعلن في خاتمة كتابه أن الأمر يتجاوز مجرد الحفاظ على التراث، بل يهدف إلى تحويل هذا التراث إلى مشروع مستقبلي "أن نضع الطين على طاولة المعماري، لا في المتحف فقط. أن نُدرّسه لا باعتباره 'نمطًا قديمًا'، بل 'خيارًا راهنًا' قادرًا على مخاطبة التحولات البيئية والاجتماعية والثقافية".



