الكواكبي .. صرخة عبر المدى

الصيحة التي أطلقها الكواكبي لم تمت بعد، وما زالت ترتفع كل لحظة لتنبه البشر إلى الواقع الذي يعيشونه، من أجل أن يتجاوزوه إلى عالم أجمل منه.


هل للشعب ذنب ومسؤولية في كل ما يحيق به من ظلم وألم؟


المستبد الظالم يدخل الرعب والهلع في قلوب من يحكمهم

"الاستبداد المشؤوم لم يرض أن يقتل الإنسان الإنسان ذبحاً، ليأكل لحمه أكلاً كما كان يفعل الهمج الأولون، بل تفنن في الظلم: فالمستبدون يأسرون جماعتهم ويذبحونهم بمبضع الظلم، ويمتصّون دماء حياتهم بغصب أموالهم، ويقصرون أعمارهم باستخدامهم سخرة في أعمالهم، أو بغصب ثمرات أتعابهم. وهكذا لا فرق بين الأولين والآخرين في نهب الأعمار وإزهاق الأرواح إلا في الشكل" (ص62).
على الرغم من أن الكواكبي - الذي مضى أكثر من قرن على وفاته - أشار في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" إلى أن البشر لا يقتلون بعضهم بعضاً كما كان يفعل الهمج الأولون، إلا أنه، وكما هو واضح للعيان في عالمنا حتى الآن لا يتوقّف الاستبداد عند هذا الحدّ، ولا يتورّع عن إلحاق الأذى بالغير، منذ ذلك الزمن الذي تناوله الكواكبي بالبحث؛ بل ما زال الاستبداد في عصرنا الحالي يعمد إلى ما عمد إليه - كما أشار الكاتب - الهمج الأولون؛ إذ ما زالت سيرة القتل متواترة بين البشر، ومن دون وجه حق، وتحت مسميات وذرائع شتى، لا تقع تحت عنوان واحد، وكل ذلك ليس إلا من أجل هدف وغاية واحدة، يسعى إليها هؤلاء، وهي امتلاك مفاتيح القوة، والتمكّن من التصرف بمقدرات البشر والشعوب، وفق أهوائهم وشهواتهم، فيبقى هؤلاء يعيشون في معاناة دائمة، ويحاولون كل جهدهم أن يقوموا بإشعال النور، والتسلّح بالأمل رغبة في الخلاص عبثاً، من ظلام ليل الاستبداد، لأن المستبد لديه القدرة على المداورة، وإطفاء تلك الشعلة، لإبقائهم تحت نيره وسطوته، لأنه كما قال الكاتب: "يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرداتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته".
ما ذَنْب الشعب؟
هل للشعب ذنب ومسؤولية في كل ما يحيق به من ظلم وألم؟ يبدو أنه كذلك، فالكاتب يشير إلى ذلك برؤية واضحة، ويركز على المسألة كثيراً، في أنه لولا تهاون الشعب، وتقاعسه عن المطالبة بحقه لما حصل له ما حصل، ولما وقع ضحية للاستبداد، وسيطرته، ويبين ذلك بقوله: "فالمستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار" (ص28).
وهو في ذلك يتفق مع المفكر الفرنسي جان جاك روسو، في أن الإنسان الذي يرضى أن يحكمه غيره بدون إرادته ليس إنساناً حراً، بل هو عبد له، لذلك كان يحاول دائماً أن يرفع صوته عاليا، ليجاهر بهذه القضية، والتي دفع حياته ثمناً لها، لم يرض أن يعيش في حياة كان المستبد فيه يمنعه فيها من التعبير عن آرائه، والمطالبة به، أو حتى النطق به.
فالعوام: "يعظّمون الجبابرة تعظيمهم لله، ويزيدون على التعظيم لله؛ لأنه حليم كريم، ولأن عذابه غائب، وأما انتقام الجبّار فعاجل حاضر. والعوام كما يقال عقولهم في عيونهم، لا يكاد يتجاوز فعلهم المحسوس المشاهد" (ص30).
وكل هذا بالطبع أدى إلى اعتبار المستبد نفسه إلهاً، وله الحق في كل شيء، وفي التحكم في شؤون الناس؛ حسبما اتفقت أهواؤه، ونزواته، والادعاء بامتلاك قدرات خارقة، والإتيان بأفعال يعجز عنها غيره من البشر، وهذا لأن الأمر على هذه الشاكلة يتطابق مع ما هو موروث ومرسّخ في أذهان الناس، حتى يقال: "إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة القدسية، يشارك بها الله، أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله" (ص31).

Arab thought
رؤية واضحة

سبل الإصلاح
وفي محاولة من الحكام المستبدين في الحياة، والتي تذكرها كتب التاريخ، هي اللجوء إلى إصلاح أمور الناس، وطمس معالم الظلم التي يمارس عليهم، بدعوى من أنهم يتمتعون بصفة القدسية، وما عليهم إلا طاعته، وحين وجدوا أنه ربما تخرج مقاليد الأمور عن أيديهم، يلجؤون إلى إصلاحهم، عن طريق تذكيرهم بالحالة الدينية، وإرهابهم بالمقدسات الدينية، لكي يرتدع الناس، ويتوقفوا عن المطالبة بإجراء أي إصلاح، لأن الحل الديني هو الأنجع دائما، وهو الوحيد في حال تعذر عليهم التخلص من الناس، ومطالبهم التي لا تنتهي على حدّ زعمهم، ويشير الكاتب إلى ذلك بقوله: "وربما كان أول من سلك هذا المسلك، أي استخدم الدين في الإصلاح السياسي هم حكماء اليونان، حيث تحيلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على الاشتراك في السياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الألوهية، أخذوها عن الآشوريين، ومزجوها بأساطير تخصيص العدالة بإله، والحرب بإله، والأمطار بإله، إلى غير ذلك من التوزيع، وجعلوا لإله الآلهة حق النظارة عليهم، وحق الترجيح عند وقوع الاختلاف بينهم" (ص 32).
ويتساءل الكاتب بدوره عن الذي تسبب بكل هذا البلاء للناس، أي من أين جاء هؤلاء بهذه الحجج من أجل إيهامهم، ومنعهم من التبصر بالأوضاع المزرية التي يعيشونها، والتي تمعن في الإسراف في ظلمهم، وعبوديتهم، فيقول: "ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، وعدوا كل معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين" (ص35). 
مَن يخاف مَن
وعلى الرغم من أن المستبد الظالم يدخل الرعب والهلع في قلوب من يحكمهم، إلا أنه وللوهلة الأولى يبدو أن الأمور تجري على غير منوالها؛ كما يتم تصورها، فالخوف الذي يشعر به المستبد أكبر من الخوف الذي ينتاب الشعب، وذلك لأنه - أي المستبد - يخشى في أية لحظة غضبه وقوته، إذا ما نهض، وطالب بحقه، وهذا ما يدفعه إلى الاحتساب كل لحظة، والتفكير بالعواقب التي ربما يخفيها الزمن في طياته بالنسبة له، لذلك يضع كل جهوده من أجل عدم حدوث ذلك، ويبقى يعيش في هلع مستمر، من حدوث كوارث كهذه، فـ: "خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم؛ وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن وهم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النبات، وعلى وطن يألفون غيره في أيام، وخوفه على كل شيء تحت سماء مملكته، وخوفهم على حياة تعيسة فقط" (ص 45).
وعلى طرفي نقيض من ذلك، كلما ازداد ظلمه للشعب، ازداد خوفه منهم، لعدم عدله بينهم، ولأنه السبب الرئيس في كل ما يحدث لهم من مآس وآلام، لذلك لا يستطيع أن يهنأ براحة بال، وتزداد هواجسه التي لا تنتهي، ويعيش في رعب دائم منهم، ويؤكد كل هذا على أن الصيحة التي أطلقها الكواكبي لم تمت بعد، وما زالت ترتفع كل لحظة لتنبه البشر إلى الواقع الذي يعيشونه، من أجل أن يتجاوزوه إلى عالم أجمل منه، عالم يحصلون فيه على  الحقوق الطبيعية التي تحدث عنها الكثير من المفكرين من قبل.