النجدي يحلل أدب الاعتراف من منظور سردي

إيهاب النجدي يعترف بأنه قضى على الأعراف زمنا، يتردد بين الإقدام والإحجام، ويخط ويمحو، قبل أن يحزم أمره ويمضي قدما في خوض لُجّة هذا الموضوع الشائك.


نظرات تحليلية في الكتابة الذاتية النسائية، لدى عائشة عبدالرحمن، وفدوى طوقان، ورضوى عاشور، وليلى العثمان


القارئ العربي متطلع إلى النموذج الفذ، عالق بالمثال الكامل لصاحب السيرة

يقول د.إيهاب النجدي "إن بين يدي هذه المقاربات التحليلية لأدب الاعتراف، أعترف - بدوري - أني قضيت على الأعراف زمنا، أتردد بين الإقدام والإحجام، وأخط وأمحو، قبل أن أحزم أمري، وأمضي قدما في خوض لُجّة هذا الموضوع الشائك".
فالاعتراف قارّ في أذهان كثير من الناس في باب المسكوت عنه، مسيّج بالظنون والشبهات، على كل الصعد، ومنها صعيدا الأدب والنقد، وتتحرك هذه المقاربات صوب ثقافة عربية تبجّل الستر، وتميل إلى طي الصفحات الماضية أو السوداء، وتؤثر السلامة، وهي رجع صدى لإرث عريق في المدائح والمفاخرات، تجانب الإفصاح عن الأخطاء، وتتحاشى الكشف عن مرات السقوط في حركة الحياة، فبدت جمهرة السِّيَر - غيرية وذاتية - نقية نقاء الثوب الأبيض في رائعة النهار.
والقارئ العربي متطلع إلى النموذج الفذ، عالق بالمثال الكامل لصاحب السيرة، يؤوده أن يرى بطله هاويا في مقبحة، أو مقارفا لذنب، أو مفضيا بسريرة كان فيها - مثل بقية أبناء آدم - خطّاء أو مقرًّا بضعفه الإنساني، وعلى الإجمال تتواتر لفظة السيرة - في الوعي الجمعي - على أنها حسنة، أو عطرة حتى إشعار آخر، وطريقة متبعة، وقدوة، وهداية تهتدي بها الأجيال، وتنطلق في آفاق هذا الوعي من أصول دينية، وذؤابتها السيرة النبوية الشريفة، ثم سير الصحابة والأولياء، وتكتنز جذورا شعبية نجد فيها سيرة أبي الفوارس عنترة، وسيرة أبي زيد الهلالي، وذات الهمة، وتكتسي حُللاً من المهابة، والإكبار عند تراجم الأعيان والأشراف، و"سير أعلام النبلاء"، وهو عنوان مشهور لكتاب شمس الدين الذهبي (ت. 748ه).
يتراءى الاعتراف إلى جوار كل هذه الصور من السِّيَر، والدلالات، رافدًا جسورًا لأدب الكتابة الذاتية، وجدولا يشق طريقًا محفوفًا بالمخاطر، يتسع ويضيق على قدر ما يمتلك صاحب السيرة من شجاعة الصراحة، والاطمئنان إلى المكاشفة، مكاشفة الذات والآخر معا، والاعتصام بالصدق - النسبي بالتأكيد - لا يرده عنه إلا عارض من نسيان، أو أثارة من خوف ومداراة، ولهذا فإن المتخيّل في فضاء الاعتراف ينزوي، وتتحقق فيه فكرة الميثاق (الأتوبيوغرافي) بعلاماته، أكثر مما تتحقق في الأشكال السيرية الأخرى، وهي فكرة "لوجون" التي تتطلب تعهدا - أو شبيها به - من الكاتب للقارئ بشأن حقيقة النص السيري الذاتي.

الفصل السادس فيختص بتبيان صلة الشعر بالسرد الاعترافي، ويطرح أسئلة حاكمة مثل هل يمكن قراءة سيرة الشاعر من خلال القصيدة؟ وهل يمكن استثناء قصيدة السيرة الذاتية؛ لقراءتها بميثاقين مختلفين: الواقع والمتخيل؟

وإذا كان الاعتراف - في خلاصته - يمثل إقرارا على النفس، وشهادة على الآخرين، بما توارى في طوايا الأيام من خفايا وأسرار، فإنه يجب الاحتراز هنا حتى لا يمتد أفق التوقع إلى أبعد من الواقع، فليست كل خفايا المرء تقع في دائرة الخطايا والأوزار. وبهذا فإن الأدب الصادق يلامس جوهر الاعتراف، ليس بالتصور الظاهر القريب للكلمة، وإنما بالمعنى الداخلي (الجواني) لها، حين يستعيد الأديب لحظات الحقيقة الغائبة، فتعود إلى الوجود بوساطة فنية من جديد، وحين ينير للأجيال القادمة دروب التطور الروحي والفكري لجيله الذي ينتمي إليه. لقد وصف الأستاذ العقاد في حديث قديم له أدب المازني، على تنوع أشكاله، بأنه "أدب اعتراف، في محراب الفن لا في محراب الكهانة "(مجلة الاثنين والدنيا ـ عدد 463، 26/4/ 1943).
لكن أدب الاعتراف لم يكن فرديا محضا، خاصة حين يحلل نقائص المجتمع، ومثالبه التي ليس في مقدور وجوده الجمعي الإقرار بها، فيأتي الاعتراف مصحوبا بسياق عام، تصطرع بداخله نظم الأخلاق والسلوك والتعليم والتربية والأعراف، ويقف عند التكوين النفسيّ للمجتمع، ويسعى للتغلب على معوقات التنشئة القويمة، ومعضلات التربية السليمة.
وقد سعت دراسة النجدي إلى تقصي المعالم البارزة لهذا الرافد المهم من روافد السيرة، والكتابة الذاتية، والوقوف على مكونات مفهومه، وجوهره، ونشأته وتطوره، والتلبث عند نصوصه الاعترافية الدالة على سماته الفنية والموضوعية. وكانت معطيات النظرية السردية ومقولاتها المنظور المنهجي المختار، عند المعالجة، بشقيها اللساني والسيميائي، لكن هذا لم يحُلْ دون مدّ النظر للاستفادة من معطيات مناهج أخرى، وكان التحليل والتمثيل رائد كل خطوة من خطوات الدرس.
يقول إيهاب النجدي: لم يوجه الدارسون العرب عنايتهم الكافية إلى هذا الأدب، ولم تكن المقاربة على ندرتها موسعة أو شاملة، وهو ما مثّل حافزا قويا لديّ لدراسته، وبذل وسع الطاقة لرفع الحجب والأستار عن خبيئاته، وفرائده، وفي الوقت ذاته لا تخفى الإفادة، والاهتداء في مواطن عديدة من الدراسات القديرة لأدب السيرة الذاتية. 
يضم الكتاب ستة فصول، تسبقها مقدمة وتعقبها خاتمة، بالإضافة إلى جملة من الملاحق تتضمن نصوصا اعترافية من الأدب المعاصر، كان أغلبها مدارا للبحث والتحليل، وكانت المداخل المؤسسة للاعتراف مفهوما، وحدّا، وقيمة المحاور التي عالجها الفصل الأول، بالإضافة إلى تبين العلاقة بين السيرة الذاتية والاعتراف، والتباين الحادث على مستوى الدلالة والتلقي، وصلة الحدود بمعايير الاختيار، والتأويل، ونسبية الصدق، والسياق، ثم ما ينطوي عليه أدب الاعتراف من وظائف ومهام.
وتضمن الفصل الثاني مقاربة في نشأة أدب الاعتراف، وأثره في تطور فن السيرة الذاتية، من خلال تناول بعض النماذج المؤثرة في الأدب الغربي، أما الاعتراف في الأدب العربي القديم، فتناول مظهرين من النماذج: الأول صور اعترافية، يصاحبها دلالة أن لأدب الاعتراف جذورا ممتدة في عروق الكتابة الذاتية العربية، كما نجد عند أبي حيان التوحيدي، وابن سينا، وأبي حامد الغزالي، وأسامة بن منقذ، والثاني سير ذات طابع اعترافي، ومثالها كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي.

Literature of confessions
إيهاب النجدي

ويتوقف الفصل الثالث عند جوهر فكرة الاعتراف، ومعالم مجراها في نهر السيرة الذاتية، ومنها تحليل الدوافع التي تتصل بهذا الجوهر، ومحاولة الإجابة عن السؤال: ماذا يريد الكاتب من القارئ؟ حين يعترف بأسرار نفسه، بالإضافة إلى مقاربة تطبيقية لكتاب "الاعتراف" لعبدالرحمن شكري الذي حقق فرادة من جهتين: السن (صدر في الثلاثين من عمره)، والعنوان فلم يسبق إليه في الأدب العربي، وقد تحددت المحاور في ثلاثة هي: في الجوهر ـــ في الدافع ـــ في التأويل، تناول الأخير مكونات النص السردي (الاعتراف عنوانا، السارد بين الظهور والتخفي، وسرد النفس والفكر، التعبير بالزمن) وآليات الخطاب (البناء الاعترافي، والسخرية والمفارقة، الشاعرية والتصوير).
أما الفصل الرابع فيتصل بالهوية وتجلياتها، كما بدت في صور اعترافية، كتبت بأقلام عدد من كتاب النهضة الأدبية الحديثة. وتناولت محاوره: الاعتراف والهوية - الفروق بين الصورة القلمية الذاتية والسيرة - نماذج من اعترافات الرواد. وتحضر الهوية على أكثر من مستوى: هوية الكاتب، والكتابة، وهوية المجتمع الذي يحتضن سلبا وإيجابا الهويتين معا. أما اعترافات الرواد؛ فكانت مجالا للفحص، ودرس الهوية، وتأويل الخطاب (المعترفون، مرجعية الاعتراف، الاعتراف مقاربة وتجربة، حركة التلخيص).
ويتلمس الفصل الخامس معالم الظاهرة الاعترافية، من البوح إلى الاعتراف، لدى الكاتبة العربية المعاصرة، على أساس من التباين الحاصل بين سير الكتّاب من الرجال، وسير الكتاب من النساء، ودور عنصر الألم في توجيه السيرة، ومكونات الحكاية السردية، وتكوين الباعث المشترك، وذلك من خلال نظرات تحليلية في الكتابة الذاتية النسائية، لدى عائشة عبدالرحمن، وفدوى طوقان، ورضوى عاشور، وليلى العثمان.
أما الفصل السادس فيختص بتبيان صلة الشعر بالسرد الاعترافي، ويطرح أسئلة حاكمة مثل هل يمكن قراءة سيرة الشاعر من خلال القصيدة؟ وهل يمكن استثناء قصيدة السيرة الذاتية؛ لقراءتها بميثاقين مختلفين: الواقع والمتخيل؟ وهل يحول هذا التباين دون فحص الاعتراف في الشعر؟ وهو ما تطلب التماس الأواصر بين الخطابين السردي والشعري، كما ضم قراءة أدبية للمقالات التي نشرها الشاعر عبدالرحمن صدقي تحت عنوان "اعترافات شاعر"، هادفة إلى تقديم صورة حياة تضافر فيها الشعر والسرد، وتمثلت عناصرها في: سياق العنوان، صور عائلية، بين الدين والخرافة والعرفان، حواء والشاعر، الآخر في الذات، شاعرية الخطاب السردي.