النقوش الزنكية والأيوبية في سوريا: ذاكرة أمة منقوشة على الحجر

كتاب الباحث د.أمين محمد أمين حسين يقدم صورة متكاملة للنقوش بوصفها نصوصًا حيّة، مرآة للسلطة والدين والفن والمجتمع في آن واحد.

يضع الباحث د.أمين محمد أمين حسين في دراسته "النقوش الكتابية الزنكية والأيوبية على العمائر بسوريا" قراءة تحليلية مختلفة في منهجها وغاياتها، فهو لا يقترب من النقوش على أنها مجرد خطوط محفورة أو زخارف تزيينية تزين جدران المساجد والمدارس والأضرحة والقلاع، وإنما يتعامل معها على أنها وثائق ناطقة تحمل بين تضاعيفها ذاكرة أمة بكاملها، تحفظ السياسة والدين والفكر والفن في آن واحد، وكأن الحجر قد أصبح ورقًا مفتوحًا يُقرأ فيه التاريخ بكل تعقيداته.

من هذا المنطلق يقرر أمين في دراسته التي نال بها درجة الدكتوراه من جامعة طنطا أن النقوش ليست ملحقًا معماريًا كما درجت بعض الدراسات أن تعتبرها، بل هي نصوص قائمة بذاتها، تحمل خطابًا حيًا للمتلقي، وتوازي في قيمتها قراءة المخطوطات أو الوثائق الرسمية. وما سُجِّل على الحجر لم يكن اعتباطًا، وإنما كان جزءًا من خطاب متكامل، سياسي وديني واجتماعي، صُمِّم لكي يصل إلى عيون الناس وقلوبهم، فيرسخ في الذاكرة الجمعية.

يؤكد أمين أن الدافع وراء دراسته هو الحاجة إلى إعادة قراءة هذه النقوش بعيدًا عن النظرة الضيقة التي تجعلها مجرد عناصر تزيينية، فهو يرى أن النقش على جدار مسجد أو بوابة قلعة أو صدر محراب ليس مجرد إضافة جمالية، بل هو نص يريد أن يقول شيئًا محددًا، ويؤدي وظيفة اجتماعية وسياسية ودينية. لذلك اعتمد في عمله على منهجية مزدوجة: التوثيق الميداني من خلال تصوير النقوش ونسخها وتحليل خطوطها، ثم التحليل النصي الذي يقارن بين الآيات القرآنية والألقاب السلطانية وصيغ الدعاء والحِكَم، ليكشف عن شفرات رمزية تعكس شرعية الحكم وتوجهاته العقائدية، ويعضد ذلك بالرجوع إلى المصادر التاريخية التي تساعد في تثبيت هوية النقوش وربطها بسياقها الواقعي.

ويوضح أن النقوش الكتابية في العصرين الزنكي والأيوبي تنوعت تنوعًا كبيرًا من حيث المضمون، فقد وجدنا أن هناك اختلافًا في مضامين النقوش من حيث إن نقش التأسيس يختلف عن نقش شاهد القبر والوقفة. وأهم ما يميز النقوش من حيث المضمون أن بعض نصوص التأسيس والتجديد بدأت بالبسملة ثم تلاها التعريف بالتأسيس أو التجديد، مثل: "أمر بعمارة" أو "أيام مولانا" أو "هذا ما عمر" أو "ما أمر بعمارة" أو "ما أمر بتمام عمارته" أو "أمر بإنشاء" أو "أمرت بإنشاء" أو "أُنشئ عمارة" أو "هذا ما أنشأته" أو "بنى هذا". أما نقوش التجديد فقد جاءت متشابهة من حيث البداية بالبسملة، ثم كلمات مثل: "جدد" أو "عمره" أو "أمر بتجديد" أو "جُددت عمارة".

ويلفت إلى أنه حين نتأمل النقوش الزنكية نجد أنها تميل إلى الإيجاز والصرامة، إذ إن المرحلة كانت مرحلة صراع مفتوح مع الصليبيين، وكان الخطاب الجهادي حاضرًا بقوة، لذلك تكثر فيها الصيغ التي تستدعي النصر والفتح والتمكين، مثل الآية القرآنية المتكررة "نصر من الله وفتح قريب"، التي نجدها محفورة على أبواب القلاع أو فوق مداخل المساجد، بما يعكس عقلية المرحلة التي لم تكن ترى في النقش إلا وسيلة لترسيخ المعنى القرآني المباشر في سياق المواجهة. وفي المقابل، تظهر النقوش الأيوبية وقد اتسع أفقها، فصلاح الدين الأيوبي ومن جاء بعده أرادوا أن يجمعوا بين الشرعية السياسية والتقوى الدينية، لذلك نقرأ في بعض نقوشهم عبارات مثل "المتوكل على الله، المجاهد في سبيله"، وهي صياغة لا تقتصر على الدعاء بالنصر، بل تضع الحاكم في صورة وليٍّ تقيٍّ متعبد، يقاتل في سبيل الله ويقيم شعائره، وهو ما يجعل النقش نصًا يزاوج بين السياسة والإيمان.

ومن اللافت أن أمين في دراسته لم يتوقف عند مضامين النصوص فحسب، بل التفت إلى الخطوط التي كتبت بها تلك النقوش، فرأى فيها جزءًا من الرسالة لا ينفصل عنها. يقول "تنوع الخطوط يعكس تنوع الوظائف، فلكل مقام نص، ولكل نص خط يناسبه". ففي النقوش السلطانية ذات الطابع الرسمي استخدم الخط الكوفي المورق بما يحمله من جلال وهيبة وارتباط بالعصور الإسلامية الأولى، ليعطي النص سلطة إضافية بصريًا. أما في المساجد والمدارس، حيث يُراد للنص أن يكون أقرب إلى الروح والتعليم، فقد استخدم خط النسخ أو الثلث بأناقته وانسيابه، بما يعكس الجانب المعرفي والديني. فالخط في حد ذاته يشارك في صناعة المعنى، والدلالة البصرية لا تقل أهمية عن الدلالة اللغوية. وهكذا لا نستطيع أن نفصل بين ما هو مكتوب وبين الطريقة التي كُتب بها.

ويتوسع أمين في إبراز العلاقة بين النص والمكان، مشددًا على أن النقش لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن موضعه. فالنص فوق مدخل البناء يوجه الداخلين ويترك في أذهانهم الانطباع الأول، بينما النص فوق المحراب يذكّر بالمقدس ويربط المصلين بالقرآن، والنص على الضريح يبعث على التأمل في الموت والفناء. لذلك يقول بوضوح "المكان شريك النص، فالنقش إذا غُيِّب عن موضعه الأصلي فقد نصف دلالته". هذا الربط بين النص والعمارة يجعل النقش جزءًا لا يتجزأ من البناء، بل شريكًا في رسالته ووظيفته.

وإذا انتقلنا إلى وظيفة النقوش في تثبيت الشرعية السياسية، نجد أنها لعبت دورًا جوهريًا. فالسلاطين كانوا حريصين على أن تُذكر أسماؤهم وألقابهم على المساجد والمدارس والقلاع، لأن ذلك يربطهم مباشرة بالقداسة الدينية ويجعلهم جزءًا من وجدان الناس. وتكثر في هذه النقوش الألقاب المطوّلة مثل "الملك العادل، المظفر، المؤيد بنصر الله"، وهي ليست مجرد عبارات إنشائية، وإنما أدوات سياسية تصنع صورة السلطان وتربطها بالسماء. بل إن بعض النقوش كانت أقرب إلى بيانات سياسية معلنة في الفضاء العام، يقرؤها المارّة والزائرون، فتترسخ صورة السلطة في وعي الجماعة.

النقوش نصوص تعكس حياة الناس كما تعكس سياسات الحكام وتشكل صورة بانورامية لزمنها

ويشير أمين إلى أن النقوش لم تكن حكرًا على السلاطين والأمراء، فقد وجدت أيضًا نقوش اجتماعية وثقافية تحفظ أسماء الواقفين والمتبرعين على المدارس أو الأضرحة، وتوثق مشاعر إنسانية صادقة من الحزن والفقد والدعاء، فهي بهذا المعنى مرآة للمجتمع كله، من علية القوم إلى عامتهم، من المجاهدين في القلاع إلى الطلاب في المدارس والمتصوفة في الزوايا. إنها نصوص تعكس حياة الناس كما تعكس سياسات الحكام، وتشكل صورة بانورامية لزمنها.

ويكشف أن النقوش في كتابتها اتخذت عدة أشكال؛ منها ما جاء على هيئة سطر أو على هيئة أشرطة كتابية، أو أشكال دائرية بداخلها النقش. وفي نقوش التأسيس والتجديد تشابه كبير من حيث ورودها على هيئة أسطر فوق بعضها تُقرأ من أعلى، ولقد وجد بعض النقوش بها كلمات مقسمة تُقرأ على سطرين لضيق مكان التنفيذ.

ويتوقف عند مسألة مهمة هي خطورة اندثار هذه النقوش، فيرفع صوته محذرًا من الإهمال أو الترميم غير العلمي أو الحروب التي قد تمحوها من الوجود. ويضيف "ضياع نقش واحد هو ضياع صفحة من تاريخنا، لا يعوضها أي مصدر آخر". هذه الصرخة ليست علمية فحسب، بل إنسانية أيضًا، فهي تذكير بأن هذه النصوص ليست ملك الماضي فقط، بل هي ملك الحاضر والمستقبل، وواجبنا أن نصونها كما نصون المخطوطات والوثائق.

ومن هنا تأتي رؤية أمين الجامعة التي يختتم بها عمله "النقوش ليست مجرد ماضٍ منقوش، بل وثيقة حية تُحدّث الحاضر وتُعلِّم المستقبل". ليؤكد إن قيمة هذه الدراسة تكمن في جمعها بين الدقة التاريخية وحساسية الجماليات الفنية، فلم تحصر النقش في كونه مصدرًا تاريخيًا جامدًا، ولا اختزلته في كونه لوحة فنية معزولة، بل وضعته عند نقطة التلاقي بين الاثنين، حيث النص يصنع المعنى والجمال يضاعفه. فعندما يصف نقشًا محفورًا بخط كوفي على باب قلعة، لا يكتفي بذكر الألفاظ والألقاب، بل يتأمل في طريقة كتابة الحروف وانسياب الزخارف وتأثيرها في عين المتلقي، وحين يقرأ آية قرآنية فوق محراب، يربطها بالسياق السياسي والديني ليكشف كيف جرى توظيف النص المقدس في خدمة بناء الدولة. وبذلك يقدم الكتاب صورة متكاملة للنقوش بوصفها نصوصًا حيّة، مرآة للسلطة والدين والفن والمجتمع في آن واحد.

وهكذا لم يقدم أمين دراسة تقنية باردة أو عرضًا أثريًا محضًا، بل قراءة ثقافية شاملة لهذه النصوص الحجرية التي تظل الذاكرة التي لا تموت. إنه عمل يُقرِّب القارئ العام من عالم النقوش، فيرى كيف نقش الأسلاف هويتهم على الحجر، وكيف ظلّت الكلمة المحفورة قادرة على أن تعلّم وتوجّه وتربط الماضي بالحاضر. وهذه هي الرسالة التي أراد أن يوصلها أن "النقوش ليست صامتة، بل ناطقة، وليست من الماضي، بل ممتدة في الحاضر، تروي حكاية أمة وتؤكد أن الكلمة حين تُنقش في الحجر تصبح أقوى من الزمن نفسه".