"بقايا نعاس" يطفح بالصور الشعرية الحالمة

قصائد نزار الحميدي تحوّل المشاهد الیومیة الحسية إلى صور ذهنية مبعثها الإحساس والشغف والتفرس في الفكرة.


أغصان أشجار التفاح تتشابك وهي تمتد إلى السماء لتلتقط ندفات الثلج المتساقطة 


بإمكاننا أن نلمس المفردات المنتقاة بتبصر مع خلق علاقات ألفة بینها


المشهد ينتقل من الغرفة إلى خارجها عبر زجاج النافذة

في دیوان ”بقایا نعاس“ لنزار الحمیدي نكاد نری الصور الشعریة الحالمة وانعكاس صور الطبیعه وتأثیرها على الأشیاء الیومیة بألوانها وأشكالها وإيحاءاتها، نستشف بعد الصور الفلسفي، وما اختزنه الشاعر من معرفة ومن دهشة. بإمكاننا أن نلمس المفردات المنتقاة بتبصر مع خلق علاقات ألفة بینها وتحول المشاهد الیومیة الحسية إلى صور ذهنية مبعثها الإحساس والشغف والتفرس في الفكرة، في إطار الصورة الكلية للقصيدة وما تثيره من أحاسيس ورٶی  في لوحة متكاملة:
يفتت الشاعر قصيدة ”أشجار التفاح“ بهذا المشهد:
كوب شاي دافئ/حزمة حطب تتقد، الشتاء خارج البيت/عبر النافذة الزجاجية تمحى الزرقة ويكتب الثلج، ثمة غيلون خشبي قادم/ أبي عند الموقد، أنتظر عودة أمي من الحمام، الثلج يشطب الطریق.
المشهد ينتقل من الغرفة إلى خارجها عبر زجاج النافذة. مشهد داخلي موقد وأب يتدفأ. مشهد خارجي غابت فيه زرقة السماء واحتجبت الشمس. وارتسمت في ذهن الشاعر صورة غليون خشبي متأكسد تحضر فيه الشجرة صورة للحياة والأكسجين والثمار إلى أخری تلسعها النار وتلتهمها. 
من شمس تمنح الحرارة والضوء إلى فحم شحيح يمنح بعض الدفء والضوء. الشتاء زائر طبيعي تخجل منه الشمس ويغطي على وجودها. وثلج الشتاء یذکرنا بالصورة الأولى التي تشكلت منها الجزر والبحار والأنهار بعدما غمر الثلج الأرض، ثم ذاب وانساب بین مسامات تربتها وغمر الكائنات الحیة والحجارة. 
الماء يغمر الأم بالفرح عند الاستحمام بالبخار وهو الماء  المتحول تحت تأثير الحرارة. الأنثى تحمل روح الماء عبر التطهر والتحول والتخلص من الأدران وإعادة النقاوة الأولى، بینما یتعلق الأب بالروح النقية للطاقة (النار) کعنصر احتكاك بین جسمین یحاکي موقد الشمس في رحلة الخلق والحياة.
امرأة أنت أم حديقة أسأل أمي وهي تدخل بملاحفها الزهرية. 

Poetry
من الواقع اليومي إلى الواقع الشعري 

حتى ألوان الحديقة وألوان أزهارها فهي تختفي وتنعكس على الألبسة والأقمشة المزركشة بالألوان انعكاس ألوان الطبيعة في الملابس، فالإنسان يصنع دفئه ويصنع ألوانه بمعادن أرضية يقلد بها الألوان التي تصبغها الشمس على الكائنات.
إنه الشتاء يزور سبيبة بعد غياب طويل، إنه الشتاء يبسط كسوته البيضاء على الأرض.
الشتاء بثلوجه تنحل داخله كل الألوان الطبيعية ويغمر البياض الأشياء مع تقسيم المشهد الداخلي من صنع الإنسان، والخارجي من صنع الشتاء، أما الوقت فهو يشير إلى  النهار.
ينتقل من الداخل للخارج عبر زجاج النافذة والباب. داخل بيت بأعمدته الأبوية والأمومیة بدفئه وبانوراما ألوانه رغم قسوة الشتاء. الأبيض هو مجموع كل الألوان، ينعكس على زهرات شجرة التفاح البيضاء لهذا شبّه الشتاء بشجرة التفاح التي تزهر بياضا ثم تتلون وتنبلج منها ألوان أخرى مثل الأخضر والأحمر والأصفر.
أغصان أشجار التفاح تتشابك 
وهي تمتد إلى السماء
لتلتقط ندفات الثلج المتساقطة 
الثلج هو الذي تشكل لونا من خلال زهرات التفاح. شجرة عانقت الثلج ولونت زهراتها ببياضها.
والتفاح شجر في الجنة، أي معدنها غير أرضي، ولكن الثلج هو من أعاد تشكيلها من جديد. لبعث لحظة إیروسیة جديدة (الجمرات، الموقد، المرأة المتطهرة والرجل الذي ينتظرها)، في طقس بارد تكتمل فيه عناصر الشهوة. 
على هيئة فزاعة نسيها الحصادون
يقف الرجل ذو المعطف القطني، بلحافه الأصفر المتطاير مع نفحة الهواء البارد
كان تمثالا بملامح بشرية لكنه بلا قلب وبلا عروق ستذيبه شمس قادمة
يمر إلى التشكيل الجمالي لصورة الثلج عبر الاعتماد على صورة محسوسة خالية من الروح فهو على هيئة فزاعة نسيها الحصادون ومثل تمثال بملامح بشرية وهو دون عاطفة أو إحساس أو شرايين وأنه بدوره سينحل ويتحلل ويتحول إلى مادة تذيبها الشمس.
يتشكل شعور الشاعر عبر إيجاد الصور الحسية الواقعية، المشاهد المنطبعة في الذاكرة ويعطيها شكلا واقعيا وألوانا واقعية مثل المعطف القطني في لون الثلج واللحاف الأصفر المتطاير في لون الريح أحيانا.
ويتفاعل الشاعر مع بيئته التي يخصها بالإسم "السبيبة". يرسم صورة تشكيلية عند تفاعل إحساسه مع صور الطبيعة من حوله فهي أشبه بلوحات حية متغيرة حسب المؤثرات الطبيعية بين اختفاء الشمس وشعاعها.
فعناصر الطبيعة حاضرة الثلج/ ماء، النار/ الشمس والهواء. ثم يمر إلى التراب
تحت الوريقات الأخيرة المتراكمة، تتحرك الجذور التي تعانق التربة إنها تتدفأ
فالتراب كما صلصال الخلق كما الإنسان يستطيب دفء الشمس.
نامي أيتها الأشجار الأزلية حتى مجيء الربيع، لتتصافحي يا جذور وأنت تتبادلين هدايا رأس السنة الجديدة.
أشجار التفاح تحولت إلى أشجار أزلية ترمز للتجدد، وفي الفكر المسيحي ترمز للتطهر  من الخطيئة قبل السقوط.
صباح
قبل أن يذهب الصبية المترفون للمدرسة
قبل أن يلتقي راعيان على تلة
قبل أن تحضن الشمس بوابة البحر
وهي تحني المياه بأحمرها
ألبس المدنية/ أخرج/
مترعة حافلات الصباح بشعب من البدلات الأنيقة والعطر والفتيات
حامل في المحطة تنتظر الحافلة
وتؤجل رغبتها في الحياة

شعر
مدينة سبيبة التونسية

من الواقع اليومي إلى الواقع الشعري تتشكل الصور، وهي صور ذهنية تنعكس من خلال الصور الحسية وتترك صداها وتأثيرها هي صور الصباح، ولكن تتفرع في الأمكنة وفيها قدرة على خبرات الحواس وتشكيل المشهد باللون وبالصورة، تحضن الشمس بوابة البحر وهي تحنِّي المياه بأحمرها. وأغلب الصور حسية بصرية مع حضور حاسة الشم عبر العطور، رائحة البحر ضمنيا، رائحة الأعشاب في التلةّ. وهذه الصور المرتبطة بالخبرات الحسية بالحركة، بشائر ولادة، رؤية للغد، السيرورة والديمومة تشي بحياة أخرى تنمو في الأعماق بتأن، حامل تنتظر الحافلة وتؤجل رغبتها في الحياة.
فالصورة تحملنا إلى الأعماق الأكثر سحرا ودهشة، إلى الحياة الداخلية المستترة، إلى جوهر الأشياء.
الصورة في النص الشعري لنزار الحمیدي محملة بالألوان، كما الطبيعة واللوحة بحثا عن أبعاد جمالية  في إعادة دمج الألوان لتعبر عن معنى ما أو طاقة لفكرة تشحن النص بدلالات رمزية خفية، عبر لوحات تصويرية.