حارس الفيسبوك: ماذا لو انهار عالم الفيسبوك؟

نحن لم نتصفح الفيسبوك، بل الفيسبوك هو الذي يتصفحنا!


الرواية اعتمدت على المفردات الفيسبوكية بكل تجلياتها في لغتها الرقمية


تأثيرات جوهرية للرواية التفاعلية على الرواية التقليدية

في روايته "حارس الفيسبوك" (2017) ينطلق شريف صالح من فرضية انهيار الأيقونات والبروفايلات وألبومات الصور، فنعيش "يوم القيامة الافتراضي" بظهور المرأة الزرقاء شبه العارية التي حذّر منها خبراء أمن المعلومات. الفكرة جديدة وجيدة وتكمل فكرة إبراهيم عبدالمجيد في روايته "في كل أسبوع يوم جمعة"، فهنا أيضا نجد مجتمعا فضائحيا لا همّ له سوى ممارسة الجنس سواء الجنس الإلكتروني، أو الجنس الواقعي، معظم أفراد هذا المجتمع – نساءً ورجالا مهما كانت درجة تعليمهم وثقافتهم - يخون بعضهم بعضا، وما يكتبه العشيق يقرؤه الزوج، وما يكتبه الزوج تستطيع الزوجة الوصول إليه وقراءته، فهل يمكن الثقة في الفيسبوك بعد انهياره وعودته إلى الحياة مرة أخرى؟ 
وتبين الرواية كيف وصل الأمر ببعض الشخصيات لدرجة الإدمان، وريما يعيش حياته على الفيسبوك بشكل أعمق من حياته الطبيعية، فهدى تنام "وعلى يمينها الموبايل، وعلى يسارها اللاب توب"، وزوجها يهجرها إلى ممارساته الفيسبوكية، الكل يبيع روحه للفيسبوك بلا مقابل، فإذا كان فاوست باع روحه للشيطان مقابل إكسير السعادة والخلود، فإن ناس الفيسبوك يعطون روحهم ومشاعرهم بلا مقابل.

الكاتب استخدم العد التنازلي في تسمية فصول روايته إلى جانب العناوين الدالة وهذا الترقيم يتواءم مع بنية الرواية التي تسير إلى عالم الانهيار والعدم

والسؤال المناسب هنا: تُرى لو كتب شريف صالح روايته كرواية رقمية – مثل روايات محمد سناجلة (ظلال الواحد، وصقيع، وشات، وظلال العاشق) هل كان التكنيك سيختلف؟ أعتقد أن الإجابة ستكون بالإيجاب وسنرى على شاشة الكمبيوتر الصفحات والرسائل الفيسبوكية واللينكات والأصوات ومقاطع الفيديو، ونرى أيضا اللوحات التشكيلية التي يتحدث عنها الكاتب باعتبار أن أحد شخوص الرواية - وهو د. أحمد علوي - فنانا تشكيليا ويعمل في كلية الفنون الجميلة، وكذلك حبيبته التي كانت تعمل سكرتيرة في مرسمه.
في رواية "حارس الفيسبوك" نستطيع أن نضع أيدينا على التأثيرات الجوهرية للرواية التفاعلية على الرواية التقليدية، فالعالم الذي تنطلق منه رواية شريف صالح هو عالم الفيسبوك التفاعلي الذي يتسع لكل الأفكار والأسرار والأطياف والمؤامرات والأكاذيب والظهور والتخفي، وتعويض نقص ما في الواقع الطبيعي، بل إنه يتسع للفن التشكيلي والشعر والحوار والمونولوج والأغنيات (وردة تحديدا) وقصص الأطفال وغيرها، بعد افتراض قد يصدق في يوم من الأيام، وهو انهيار ذلك العالم وقيام قيامته، حيث نرى أطنان الصور واللينكات في حركة دائبة، وانهيار جدران الإنبوكس، وتطاير الرسائل التي تفضح الأسرار المخبوءة، إلى جانب الصور الحميمية والنكات الفاحشة وأسرار الأزواج والزوجات والرسائل الغاضبة والرسائل التي لم يرد عليها أحد والضحكات المنسية. إنه حطام العالم الفيسبوكي، وفي النهاية ترسل إدارة الفيسبوك ومديرها مارك زوكربرج رسالة للجميع أن "ثمة خللا تقنيا يجري الآن التعامل معه. اطمئنوا تماما على كلماتكم وتدويناتكم وصوركم العزيزة على قلوبكم، فكل ما تقومون به يتم إيداعه تلقائيا في Storage Cloud (سحابة التخزين) وهي تشبه علبة ذكريات عملاقة تتسع للبشرية كلها، وسوف تتم استعادة أي ذكريات تهمكم فور معالجة الخلل التقني".
وعلى ذلك سنرى أننا لم نكن نتصفح الفيسبوك، بل الفيسبوك هو الذي كان يتصفحنا!
بطبيعة الحال اعتمدت الرواية على المفردات الفيسبوكية بكل تجلياتها في لغتها الرقمية، ولم يلجأ الكاتب إلى تعريبها، مثل: فولدر، شات، بروفايل، ألبومات، لايك، جروب، الوول، هاشتاج، بلوك، ستاتوس، لينكات، هوت سايت، كوكيز/ إنبوكس .. الخ. وأعتقد أنه لو كان هناك قارئ عربي لم يستخدم الفيسبوك، ولم يعرف مصطلحاته ومفرداته، لوجد صعوبة في تلقي هذه الرواية والتفاعل معها. فإذا كانت الإحصائيات تشير إلى أنه في عام 2017 (سنة صدور الرواية) بلغ عدد مستخدمي الفيسبوك في الوطن العربي حوالي 156 مليون مستخدم "فعال ومتفاعل" من حوالي 360 مليون هو جملة سكان الوطن العربي في ذلك الوقت، فمعنى ذلك أن هناك أكثر من 200 مليون نسمة، لا يتعاملون مع الفيسبوك، لو أراد أحد منهم قراءة الرواية لوجد صعوبة بالغة في فهم عالمها ومفرداتها وتحرك شخصياتها ما بين عالم الفيسبوك والعالم الطبيعي الذي يلتقون فيه على المقاهي أو الكافتيريات أو البارات أو في الشارع أو داخل البيت الطبيعي، على الرغم من أنها رواية ورقية وليست رواية رقمية.

Egyptian novel
مصطلحات طبيعية

هل سيفكر شريف صالح في تحويل روايته إلى رواية تفاعلية أو رقمية؟ لو فكر في ذلك فإنه سيحتاج إلى آليات عمل أخرى، وتطبيقات وأدوات أخرى، وهندسة ودوال أخرى، وربما نكون بصدد عمل روائي آخر قد ينتمى إلى عالم الرواية نفسها، ولكن برؤى ومعالجات مغايرة تماما، وهذا يقودنا إلى سؤال جديد: هل الكاتب الورقي من الممكن أن يتحول إلى كاتب تفاعلي رقمي إذا امتلك بعض الأدوات الجديدة مثل البرمجة وتوظيف المليتيميديا والروابط الرقمية في أماكنها المناسبة في العمل، على سبيل المثال؟
تقول الباحثة د. أريج خطاب عن الرواية – التي نحن بصددها - في معرض الحديث عنها في ملتقى القاهرة السابع للإبداع الروائي: "إن الكاتب طوَّع العالم الافتراضي بكل تقنياته لصالح روايته، وخلق عالما موازيا لعالم الواقع يعكس ما يجري فيه من انهيار للقيم والمثل، فهذه تدوينة أدبية مهمة لا تلقى أي اهتمام بينما تحصد (بوستات) التعريض والتشهير مئات (اللايكات)". وتشير إلى أن الكاتب وظّف في هذه الرواية تقنيات العالم الافتراضي لإبراز الطبيعة البدائية للإنسان في التجرّد من جميع القيم الدينية والحضارية والتخلص من كل القيود، وهدم كل الحدود والحواجز وإزالة الأقنعة.
بينما أشارت الباحثة د. فاطمة الصعيدي – في الملتقى نفسه - إلى أن رواية "حارس الفيسبوك" هي "رحلة في العالم الافتراضي الذي يعيشه المستخدمون من الأعمار كافة، وأضحت هذه المصطلحات طبيعية ودخلت في سياق اللغة العربية، وأصبحت مألوفة على السمع وسهلة على لسان المتعلم وغيره". 
ونشير إلى أن الكاتب استخدم العد التنازلي في تسمية فصول روايته إلى جانب العناوين الدالة مثل "تقرير موقع فيروس"، و"فيتامين اللايك"، و"أكاونت مضروب" وغيرها، وذلك بدءا من الرقم 36 ونزولا حتى الرقم 1 وهو الفصل الأخير الذي أطلق عليه "يوم القيامة الافتراضي"، وهذا الترقيم يتواءم مع بنية الرواية التي تسير إلى عالم الانهيار والعدم، رغم محاولات الإنقاذ التي لوح بها "حارس الفيسبوك".