حل جماعة الإخوان لا يلغي مشروعها السياسي

أحمد الشرع يدرك أن أيّ علاقة مباشرة مع التنظيمات المتشددة وتأكيد الروابط الفكرية معها ومن بينها الإخوان، يؤدي إلى سحب الدعم السخي الذي يمكن أن يُقدم إلى بلاده.

يطفو على السطح من وقت إلى آخر نقاش حول حل جماعة الإخوان، التي ظهرت في مصر وانتقلت منها إلى دول عربية عديدة. وفي كل مرة تظهر دعوة يحدث انقسام بين مؤيدين للحل كخطوة مهمة تتواءم مع التحولات الجارية في العالم، بعد أن فشلت الجماعة في غالبية تجاربها السياسية في دول وصلت فيها إلى سدة السلطة، وبين رافضين له ومتحفظين عليه، حيث يعني اعترافا صريحا بإخفاقها وحرجا أمام كوادر وعناصر غرست فيها مبكرا أفكارا خيالية، فحواها أنها الفرقة الوحيدة الناجية.

كتب أحمد موفق زيدان المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع مقالا على موقع “الجزيرة نت” أخيرا، حول أهمية حل جماعة الإخوان في بلاده، وتكيفها مع المستجدات. كاد المقال يمر بهدوء، كاجتهاد لتصحيح مسار الجماعة وإخراجها من الجمود السياسي، من أحد كوادرها المخلصين، ومحاولة ضمن محاولات سابقة في مصر والسودان وتونس وغيرها، تطرقت إلى هذه المسألة.

ما أعطى المقال زخما ورواجا كبيرين أنه جاء قبيل نفي الرئيس أحمد الشرع أيّ علاقة له بالتنظيمات الجهادية وجماعة الإخوان أو أنه امتداد للربيع العربي (سيء السمعة)، وبدا المقال كأنه مقدمة وتمهيد لحديث الرئيس السوري مع عدد من الإعلاميين من مؤسسات عربية مختلفة، الأحد الماضي، وتنصل فيه من أيّ علاقة له مع التنظيمات الجهادية، وتيار الإسلام السياسي، بما فيه جماعة الإخوان.

كان يمكن أن تمتص جماعة الإخوان المعاني التي ينطوي عليها حديث الشرع، وتفهم مغزاه في إطار براغماتيته السياسية، والتحديات التي يواجهها داخليا، والعراقيل الإقليمية، ورغبته في تقديم نفسه كحاكم وطني لكل سوريا، والتي تتشكل من موزاييك ديني وعرقي معقد، لكن الجماعة أبت التعامل بحكمة، ولجأت إلى التشكيك في الرواية، لكنها لم تتمكن من تأكيد حديث النفي لرواية الشرع التي نشرها لأول مرة الإعلامي نديم قطيش، والتزمت الرئاسة السورية الصمت، وهو أبلغ من الكلام في هذه الحالة.

ولجأت الجماعة إلى الصياح على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام المتعاطفة معها والقريبة منها، لإحداث شوشرة على القضية، وكي لا تحصل الرواية على رواج سياسي وتمرّ كقصة عابرة، فرضتها أجواء لقاء أحمد الشرع مع إعلاميين معظمهم لهم مواقف حذرة من توجهاته ورافضة لماضيه الإسلامي، وأراد طمأنتهم، فأطلق تصريحا يعلم أنه سيصل إلى من يعنيهم الأمر، لتأكيد نهجه العملي الذي سوف يوفر له دعما إقليميا ودوليا يمكن أن يتلاشى إذا أصر على التمسك بأفكار ماضيه، أو عقد تحالفا مع تنظيمات متطرفة أو أبدى ميلا لمشروع إخواني ثبت فشله.

يمكن تفسير الغضب في أوساط الإخوان من خلال رهان الجماعة على مشروع أحمد الشرع في سوريا، كامتداد لها، أو رأس حربة يمكن أن تعيدها إلى السلطة مرة أخرى في دول طردت منها وحوكم قادتها فيها بارتكاب جرائم عنف، ويؤكد فرح الإخوان بسقوط نظام بشار الأسد في دمشق هذا المحدد، حيث اعتبره إخوان مصر مثلا مقدمة لعودتهم إلى المشهد السياسي، ونذير شؤم على النظام المصري الذي تمكن من تقويض الجماعة وتفتيت قواعدها وشل حركتها الاجتماعية، وعندما يتنصل من العلاقة معها يعني أن الرافعة التي جرى التعويل عليها سوف تنسحب من تحت أقدامها.

يدرك الرئيس أحمد الشرع أن أيّ علاقة مباشرة مع التنظيمات المتشددة، وتأكيد الروابط الفكرية معها، ومن بينها الإخوان، يؤدي إلى سحب الدعم السخي الذي يمكن أن تقدمه إلى بلاده السعودية والإمارات، ويعزز تكهنات حول علاقته بالجناح الإسلامي داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وصدمة من راهنوا على مرونته في التكيف مع التغيرات الإقليمية، التي تحمل قطيعة مع التنظيمات الإسلامية التقليدية، سواء المتطرفة التي رفعت العنف سلاحا للوصول إلى السلطة أو تلك التي زعمت أنها معتدلة وتتحلى بديناميكية سياسية وتتعايش مع القوى المدنية.

يسعى الرئيس السوري إلى تقديم نموذجه الخاص، الذي يستفيد من أخطاء تجارب الآخرين، ويعمل على عدم خسارة قوى إقليمية مهمة بالنسبة إليه، لعبت دورا كبيرا في زيادة الاعتراف بنظامه الجديد، ووعدت بتقديم مساعدات إضافية بعد رفع جزء كبير من العقوبات الغربية عن سوريا، وأيّ التحام مع جماعة الإخوان أو غيرها يثير شكوك في تصوراته، وكان حديثه عن شكل العلاقة مع الإخوان مقصودا، ليس للتنصل منها أو تركها في العراء والتضحية بها، بل من أجل تثبيت مشروعه الذي يعلم أنه يواجه مطبات، لأن مبدأ التقية الذي قد يكون خافيا في أجندته يمكن أن يزعج الإخوان أنفسهم في الوقت الراهن، لأنه يتطلب منهم التحلي بالمزيد من الصبر الإستراتيجي.

تحتاج الدول التي تتعامل بحذر مع نظام أحمد الشرع أو متشككة في نواياه (مصر) والدول التي تعتقد في أهمية دعمه وتأهيله وجره بعيدا عن ماضيه (السعودية والإمارات) إلى تأكيد حُسن توجهاته عمليا، أي يتخذ خطوات تشير إلى قطيعة بينه وبين الإخوان، وليس منح الجنسية للعشرات من المنتمين إلى تنظيمات جهادية ووضعهم في مناصب قيادية بالجيش السوري، ويثبت أنه يقف على مسافة واحدة من جميع العرقيات والمذاهب في بلاده، فنفي العلاقة مع الجماعات الإسلامية لا يعني نفي المرجعية السياسية لها، أو قطع الصلة مع البنية الفكرية.

عندما تحدث أحمد موفق زيدان عن حل جماعة الإخوان في مقاله، أشاد بتجاربها في تشكيل أذرع سياسية لها في بعض الدول العربية، وتعامل مع هذا التطور كدلالة على النضج وامتلاك مرونة عالية، وتجاهل أن مراجعات حركة حماس الفلسطينية لم تنه علاقتها بمشروع الإخوان، وتشكيل حزب النهضة في تونس لا يعني التخلص من أفكار حركة النهضة الإخوانية، وتشكيل حزب الحرية والعدالة في مصر لم يقطع الصلة بجماعة الإخوان، وكانت تجربة الحركة الإسلامية في السودان واضحة، حيث تشكلت أحزاب سياسية بهوية دينية في عهد الرئيس السابق عمر البشير، مثل حزب المؤتمر الوطني، وحزب المؤتمر الشعبي، وحافظ كلاهما على أفكار الإخوان.

حل جماعة الإخوان، أو ممانعة الرئيس السوري لارتباطه بها، لا يعني وجود قطيعة بينهما، حيث تحرص الأولى على أن يكون لها وجود في السلطة، ولن تمانع من الانحناء كي لا تسبب حرجا له، وفكرة الحل التي طرحها مستشاره الإعلامي موفق زيدان رسالة بأن هذا قرار وليس خيارا، فالشرع في حاجة إلى قاعدة شعبية عريضة.

ولن يجد أفضل من جماعة الإخوان تنظيما للقيام بهذا الدور في ثوبها الجديد، ويدرك أن الطيف الإسلامي الواسع والفضفاض لن يمكّنه من توفير هذه القاعدة بسبب التفاوت في التقديرات حاليا، وأن الثورة التي جمعتهم ضد نظام الأسد قد تفضي الحسابات السياسية الجديدة إلى تفرقتهم، وهو ما يتحسب منه كثيرا رجل يعلم أن هناك مواجهة قادمة لا محالة، ومن المهم أن يكون مستعدا لها داخليا وخارجيا.