اللصوص ومقاومة الاحتلال الإنكليزي في السينما المصرية بين 'كيرة والجن' و'درويش'
القاهرة- قدمت السينما أعمالا مختلفة حول فترة الاحتلال الإنكليزي في مصر، زادت بعد قيام ثورة يوليو، حيث أراد ضباط الجيش تأكيد نجاجهم وقدرتهم على إنقاذ البلاد، ولجأت غالبية الأفلام إلى نقل صورة لحياة المواطنين وهم تحت الإحتلال، وخلق صورة إيجابية عن نظام الحكم الجديد وقدرته في تغيير حياة شريحة كبيرة من المصريين، مع إشارات متفرقة للدور الوطني للمؤسسة العسكرية.
ولم تنفصل السينما عن قضايا الوطن الكبرى، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما خلفه الاحتلال الإنكليزي من وعي جمعي مشحون بالرفض والتمرّد، عبر عقود طويلة، وظلت فكرة الاحتلال حاضرًا فنيا بشكل مباشر أو من خلال إسقاطات رمزية.
اللافت للانتباه أن عددا كبيرا من الأعمال الفنية لم تلجأ إلى التركيز على الزعماء السياسيين، وإبراز دور القادة العسكريين، كأبطال دوما في معظم الحكايات السينمائية، وذهبت إلى الطبقات الشعبية واختارت لصوصا وشخصيات نعيش على الهامش وبعض الخارجين عن القانون لتمثل روح المقاومة، وتنخرط فيها بالصدفة، ثم يتحول ذلك إلى وعي، بشكل يصعب الفصل فيها بين من جرت دماء المقاومة في عروقهم مبكرا، وبين من تورطوا فيها عن غير قصد.
وظهرت هذه الفكرة بوضوح في السينما المصرية بعد عرض فيلم "كيرة والجن" بطولة أحمد عز وكريم عبدالعزيز وهند صبري عام 2022، وعادت لتطل برأسها مؤخرا من خلال فيلم "درويش" بطولة عمرو يوسف ودينا الشربيني، وأكد كلاهما على فكرة اللص الشريف أو "المطارَد الوطني"، وأن هذه المسألة تمثل سردية درامية قادرة على شد انتباه الجمهور وتقديم صورة مغايرة لفعل المقاومة وإزعاج الإحتلال الإنكليزي في حينه. وبين العملين تتكشف مساحة فنية متشابهة، وإن اختلفت الأدوات والأساليب والحكايات، وحتى الأبطال والفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.
ملحمة عالمية
يمثل فيلم "كيرة والجن" المأخوذ عن رواية الأديب المصري أحمد مراد (1919) أحد أضخم الأعمال الفنية إنتاجا في تاريخ السينما المصرية، ويتناول قصصا من ثورة 1919 التي بزغ فيها نجم الزعيم الوطني المصري سعد زغلول، وما أعقبها من مقاومة نبيلة ضد قوات الإحتلال الإنكليزي في مصر، لكن العمل لم يلجأ إلى فعل النضال من خلال الزعماء التقليديين، لكن عبر الطبيب المثقف (كيرة) وجسده كريم عبدالعزيز، والشاب الشعبي الخارج عن القانون (الجن) وأدى دوره أحمد عز. وهذه الثنائية عكست صورة مصر بكل أطيافها الاجتماعية، من النخبة المتعلمة إلى الشارع الشعبي، في مواجهة خصم واحد وهو الاستعمار.
اعتمد العمل على تقنيات تصوير متقدمة، ومشاهد أكشن- حركة، وخرج في صورة أقرب إلى الملاحم العالمية التي تتوافر لها ميزانيات إنتاجية ضخمة، ولقي الفيلم نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وشعر المشاهد معه أنه أمام فيلم هوليوودي بروح مصرية خفيفة.
وقال بعض النقاد عنه إنه ليس مجرد فيلم تاريخي، بل إعادة صياغة للذاكرة وطنية، التي تقدم المقاومة بعيون شخصيات هامشية، وليس بعيون الزعماء والسياسيين فقط.
وقدمت شخصية "الجن" نموذجا جيدا لحكاية "اللص الشعبي" الذي يتحول إلى مناضل، وهو خط عرفته السينما المصرية مبكرا، كأن الهامش هو مصدر للقوة، ولا يجب الاستهانة به ففي لحظة معينة يمكن أن يصبح بطلا خارقا، ويستطيع أن يأتي بأفعال لا تأتي ممن لديهم المصادر المتعددة للقوة، من تعليم وسياسة وخبرات.
دراما إنسانية وطنية
أعاد فيلم "درويش" المعروض حاليا في دور العرض السينمائي بمصر الاعتبار لفكرة اللص الوطني، وركز على هذا الخط الدرامي بشكل أكثر جاذبية، لكن المساحة االفنية متشابهة، وربما تكون واحدة، بعد أن وجدت ثيمة فيلم "كيرة والجن" نجاحا كبيرا، وتدور أحداثه في أربعينيات القرن الماضي، التي شهدت اشتداد في المواجهة بين المصريين والاحتلال الإنكليزي، وبدأت المقاومة الوطنية تأخذ شكلا أكثر تنظيما.
ينحدر البطل "درويش" وجسده عمرو يوسف من أصول شعبية، ويعيش حياة بسيطة تعتمد على النصب واللصوصية، ثم يجد نفسه متورطًا في مواجهة مباشرة مع سلطات الاحتلال الإنكليزي، ويتحول إلى مطارد كخارج عن القانون، ومع تطور الأحداث يصبح رمزا للمقاومة، لأنه تواجد في مكان قتل فيه ضابط إنجليزي.
يمزج الفيلم بين الخط الوطني والخط الرومانسي، فالقصة العاطفية التي تجمع درويش بالبطلة "زبيدة" وجسدت دورها دينا الشربيني، تشكل دافعًا إضافيًا للتمرّد، ثم يصبح الحب نفسه فعلا مقاوما مع تطور الأحداث، ويكتشف كلاهما ما يكنه للآخر.
وقال بعض النقاد إن فيلم "درويش" يعيد حكاية البطل الشعبي، كما قدمته السينما المصرية سابقا، مع إضافة لمسة رومانسية تجعل القصة أكثر قربًا من الجمهور، والذي لم يتمكن من رؤية هذه النماذج أو يراها من خلال أعمال فنية، وفي هذا الفيلم بدأت صورة البطل الشعبي تقترب إلى وجدانه، وكأن صناع العمل أردوا ذلك عمدا.
اعتمد فيلم "درويش" على أسلوب أكثر تقليدية من فيلم "كيرة والجن"، وبدلا من الحركة المبالغ فيها، كان هناك تركيز على الأداء الدرامي، والصراع النفسي، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، ما منح العمل مسحة فنية شاعرية.
تشابه واختلاف
عند المقارنة بين فيلمي "كيرة والجن" و"درويش"، تنحصر خيوط التشابه في فكرة الخارج عن القانون والمطارَد كرمز وطني، وكلاهما يصور الاحتلال الإنكليزي كقوة تهيمن على تفاصيل الحياة اليومية وتدفع الأفراد نحو اتخاذ مواقف غير متوقعة، وفي الاختلاف قدم "كيرة والجن" نفسه كملحمة جماعية، مع بطولة موزعة بين شخصيات عدة، في حين يركز درويش على بطل فردي، من حيث الشكل، واعتمد الأول على الإنتاج الضخم والحركة، بينما ذهب الثاني إلى الدراما الإنسانية، وفي "كيرة والجن" تحولت اللصوصية إلى خطة نضالية منظمة، وفي "درويش" بدت أقرب إلى خطأ فردي مع الوقت أو بالصدفة بات فعلا وطنيا.
تكمن قيمة المقارنة بين الفيلمين في أن كليهما يثبت أن السينما المصرية، رغم اختلاف الأزمنة، تجد قمشة فنية كبيرة في الترويج للبطل الشعبي، الذي يبدأ من الهامش متهما، ثم يصبح صوتا للوطن، ضمن جماعة قررت أن تتخذ من المقاومة أداة لطرد الإحتلال، والبطل في العملين ليس أسطوريًا أو فوق الواقع، لكنه إنسان عادي تجبره الظروف على تقمص دور البطولة، وعدم القدرة على التراجع عنها، في إشارة تؤكد أنها مغروسة في الوجدان، وعندما تجد الفرصة المناسبة تخرج على السطح.
وتطرح هذه الرؤية أسئلة أبعد من السينما، من نوعية هل المقاومة فعل جماعي أم فردي؟ وهل يولد البطل الوطني من رحم السياسة والتنظيم، أم من قلب المأساة الإنسانية؟ وهل يمكن أن تكون قصة حب بسيطة حافزًا لمواجهة قوة استعمارية؟
وبين فيلمي "كيرة والجن" و"درويش" تطفو مساحة فنية مشتركة، قوامها أن اللصوصية قد تكون فعلا شريفا وليست عملا إجراميا، ويمكن أن تتحول إلى رمز للتحرر الوطني، وإذا كان الأول قدّم الفكرة في صورة ملحمية، فالثاني أعادها في ثوب أكثر إنسانية، وكلاهما أعاد إلى السينما المصرية وظيفتها كمرآة للذاكرة الوطنية.