حياة السيد النبيل ترسترام شاندي لأول مرة بالعربية

المترجم حسن حجازي يؤكد أن رواية لورنس ستيرن ليست رواية بالمفهوم التقليدي.


في "حياة السيد النبيل ترسترام شاندي" مزيج من الأحداث والتأملات والوصف والسرد المسهب يتخلله الكثير من الشطط والابتعاد عن الموضوعات الرئيسية


الفكرة الأساسية أو الثيمة التي تميز أي رواية ليست على قدر من الأهمية في "تريسترام شاندي"


الطريقة التي تروى بها الأحداث وتُعرَض الشخصيات لا تتبع نسقاً أفقياً للزمن

صدرت رواية "حياة السيد النبيل ترسترام شاندي وآراؤه" أو "تريسترام شاندى" لرجل الدين الإيرلندي البريطاني لورنس ستيرن عام 1759، محققة وقتئذ شهرة واسعة على المستوى الأدبي حتى صنفت ضمن قائمة أفضل 100 عمل أدبى وفقا لمكتبة بوكلوين. 
وها هي تترجم لأول مرة للعربية حيث ترجمها الشاعر المصري حسن حجازي، وصدرت أخيرا عن دار العولمة. وأكد حجازي أنها ليست رواية بالمفهوم التقليدي، أي إنها لا تستخدم التقنيات الشائعة، وإنما هي نص طويل في تسعة مجلدات يروي فيه الراوي والشخصية الرئيسة "تريسترام" الرئيسية، سيرة حياة أفراد عائلته ومجتمعه بالتفصيل الدقيق في مزيج من الأحداث والتأملات والوصف والسرد المسهب يتخلله الكثير من الشطط والابتعاد عن الموضوعات الرئيسية.
لورنس ستيرن "1713 – 1768" نال شهرته بروايته هذه التي رأى مترجمها أن الفكرة الأساسية أو الثيمة التي تميز أي رواية ليست على قدر من الأهمية في "تريسترام شاندي"، بل الأهم هي الطريقة التي تروى بها الأحداث وتُعرَض الشخصيات التي لا تتبع نسقاً أفقياً للزمن، ويستخدم ستيرن من خلالها الإمكانات اللامحدودة للفضاء الروائي الحر الذي تتيحه الكتابة من دون قيود الحبكة وتقنية السبب والنتيجة وإيجاد الخاتمة، بل بعبثية الزمن وفوضى الحدث. ويستخدم في الرواية تقنيات تسبب تقطعاً مقصوداً في النص، مثل استخدام علامات الترقيم بكثرة، وترك الصفحات البيضاء، والرسومات والأشكال المقحمة ليؤكد عدم واقعية الرواية. ويتعرّف القارئ من الراوي تريسترام على جميع الشخصيات التي تمثل جوانب متعددة من الحياة في تناقضاتها وأفكارها وتصرفاتها وكلامها.
وأوضح حجازي أن ستيرن كتب رواية "تريسترام شاندي" في تسعة مجلدات، وتعد من أشهر الأعمال الروائية في القرن الثامن عشر، جعلت كاتبها يحتل مكانة مرموقة في تاريخ الأدب الإنجليزي عامة. ولد في كلونمل، وتوفي في لندن. كان والده ملازماً في الجيش يتنقل من مكان إلى آخر. وبعد انتهاء دراسته الثانوية انتسب إلى جامعة كمبردج، وذلك بمساعدة ابن عمه ريتشارد ستيرن، لكنه لم يكن متميزاً في دراسته، ومع هذا حصل على درجة الإجازة الجامعية عام 1737 وعلى الماجستير عام 1740.

ستيرن يحمّل بطل روايته وراويها، أفكاره الخاصة، في بعدها الأكثر عبثية أحياناً، بحيث إننا كثيراً ما نجدنا أمام صفحات تحاول، مثلاً، أن تتساءل حول جذور الأفكار المظلمة التي قد تعترينا أحيانا، أو حول الزمن السيكولوجي، الذي يعتبره ستيرن "وتريسترام أيضاً" الزمن الوحيد الموجود حقاً

عُين ستيرن عام 1737 شمّاساً ثم قسيساً بمساعدة عمه جاك ستيرن الذي كان رجل دين بارزاً في أبرشية مدينة يورك، وتزوج بعد ثلاث سنوات من إليزابيث لملي، ورزق منها بابنته ليديا، التي قامت بتحرير رسائل والدها. كانت حياته العائلية مملوءة بالعواصف بسبب مزاج الزوجين، يضاف إلى ذلك تقلب الزوجة ومغامراته هو العاطفية، مما أدى إلى عدم الاتفاق، ومما زاد في مشكلاته أنه ابتلي بمطالب أخته وأمه الأرملة، ثم تدهورت صحته بسبب النزيف الذي عاناه منذ أيام الدراسة واستمر يضعف رئتيه. كانت المدة بين زواجه وشهرته الأدبية عام 1760 سنوات عمل مكثف، إذ عمل في الزراعة من دون نجاح يذكر، وقرأ كثيراً وخاصة في أثناء زياراته لصديقه جون هول ستيفنسون الذي كان يملك مكتبة تضم مؤلفات نادرة. وتابع هواياته في الموسيقى والرسم، وقد ظهر ذلك فيما بعد في رواية "تريسترام شاندي" الذي ضمنها رسومات عدة.
وقال إن ستيرن نشر في أوائل عام 1759 كراسة صغيرة أسماها "قصة غرام سياسية" وهي قصة رمزية ساخرة مبنية على شجار كنسي سخيف في يورك، فمنعت بسرعة، إلا أنه اكتشف معها موهبته الأدبية. وبدأ بعد ذلك بالمجلدين الأولين من "حياة وآراء السيد تريسترام شاندي" بهدف إنتاج عمل فيه فكاهة وسخرية. وقد تطور أسلوبه عبر المجلدات اللاحقة التي نشرت بين عامي 1759 - 1767، فأصبحت السخرية أقل وضوحاً، كما اقترب من الذوق الشعبي وأدخل مسحة من العاطفة، وما انفك يضيف ويعدّل فيها حتى نَشْرِ آخر جزء منها".
وأكد حجازي أنه على الرغم من النقد الشديد الذي تعرضت إليه رواية "تريسترام شاندي" من قبل معاصري ستيرن لأسباب جمالية وأخلاقية، فقد صارت مرجعاً مهماً للأفكار والشخصيات والتقنيات الروائية نهل منه الكثير من الكتّاب، وبداية لأسلوب تيار الوعي الذي ظهر في فن الرواية في بدايات القرن العشرين مع روايات جيمس جويس.
وأوضح أن المجلدين الأولين من "تريسترام شاندي" سبب إطلاق شهرة ستيرن، وعندما زار لندن عام 1760 قوبل بكثير من التكريم والترحيب من قبل الأوساط الأدبية، واغتنم الفرصة فنشر في آيار عام 1760 مجلدين من "مواعظ السيد يوريك"، كان قد كتبهما سابقاً. ثم نشرت مجموعات أخرى منها في العامين 1766 و1769. وقد حاول في هذه المرحلة أن يستعيد صحته المتدهورة، فسافر متجولاً في فرنسا بين عامي 1762و1764. وعندما قررت زوجته وابنته الاستقرار هناك كان عليه أن يعود إلى إنجلترا وحده. وفي عام 1765 ذهب إلى إيطاليا وخرج من أسفاره بالمجلد السابع من "تريسترام شاندي" الذي كان الأساس لعمله الأخير رحلة عاطفية في فرنسا وإيطاليا "1768" قبل وفاته. قابل ستيرن في عام 1767 السيدة اليزابيث دريبر التي كانت في زيارة للندن، فأحبها وكانت ملهمته في "رسائل إلى إليزا" عام 1767، ولكنها لم تُنشر إلا بعد 140عاماً.
وقال حجازي إن الأحداث الكبرى للرواية تقع في دارة آل شاندي وحديقتها، بدءاً من اللحظة التي كوّن صاحبا البيت، وليدهما المقبل الذي سيحمل خطأً اسم تريسترام، أي قبل ولادة هذا الأخير بشهور طويلة، حيث إن الوليد المقبل هو الذي سوف يقدّم الينا، باكراً، معظم الشخصيات، راسماً من خلال سلوكها وعلاقاتها صورة للمجتمع، ولكنه، في الوقت نفسه، مقدماً نقداً ساخراً لـ "الرواية الحديثة" كما كانت قد بدأت تتكون في زمنه. وهو للوصول الى هذا النقد، تعمد أن يخلط أحداثاً بأحداث وشخصيات بأخرى، أن يقطع فصولاً في منتصفها، مسبّقاً حدثاً سوف يحصل لاحقاً، على حدث يعود تاريخه إلى سنوات، بل إنه تعمد في بعض الأحيان أن يترك صفحات بأسرها فارغة لا كلمة أو نقطة فيها. 

رواية مترجمة
الشاعر والمترجم حسن حجازي

أما الشخصية التي تقدم إلينا بقوة من خلال الصفحات الأولى فهي شخصية الأب والتر، الذي لا ينطق إلا بالكلمة المتفلسفة، والعبارات الطنانة والمعاني الدالة، محيلاً في كل عبارة له إلى عتاة الكلاسيكيين في التاريخ والطب والعلم والقانون. إنه من تلك الشخصيات التي تبدو في كل حين وساعة أشبه بالكتب المتحركة الساعية إلى إملاء أحكام العقل في كل حين، بما في ذلك حين يكون منهمكاً في تكوين وليده مع زوجته، إذ في اللحظة الحرجة تسأله زوجته مرتاعة عما إذا كان قد ضبط بندول الساعة، فيقوم من فوره ليفعل ذلك، ما سوف يؤثر لاحقاً في تكوين الجنين! والأدهى من هذا أن الأب لاحقاً - في المجلد الثالث - حين ستخبره الممرضة أن زوجته وضعت صبياً، سيعلن أن الاسم الذي اختاره لهذا الأخير هو "تريسميجيستوس"، لكن الممرضة التي لم تسمع الاسم جيداً ولم تفهمه - رغم إيمان والتر الأعمى بأن فصاحة نطقه مفهومة للآخرين، ستفهم ان الاسم هو تريسترام، وتنقله الى الكاهن الذي كان يعمد الوليد فيحمل هذا اسمه الغريب الى أبد الآبدين متفرداً به دون العالمين أجمعين.
وأضاف أن الرواية تقدم بلسان بطلها وراويها، أحداث حياة هذا الأخير وما سبق تلك الأحداث، مكرساً أحياناً صفحات طويلة لتقديم الشخصيات، كشخصية العم توبي، الجندي السابق والحكيم الحالي، الذي يجمع النقاد على أن وصف تريسترام له، إنما هو أعظم تكريم لكائن إنساني حمله الأدب في تاريخه. إنه الإنسان والمفكر المثالي الذي يجب أن يحمل صفاته وأفكاره كل إنسان على وجه الأرض، حتى وإن كان يمضي جل وقته في الدارة، برفقة خادمه ومساعده الرقيب تريم، وهو يبحث في كيفية تعزيز الحصون العسكرية. ومن الواضح في كل النصوص المتعلقة بالعم توبي كم أن تريسترام معجب به مفضلاً إياه على أبيه، غافراً له في بعض الأحيان شغفه بالأرملة وادمان.
ولفت حجازي إلى أن الرواية تمتلئ في أجزائها التسعة بمثل هذه الشخصيات والمواقف وأيضاً بحكايات لن نعرف لها نهاية، وذلك لأنها وإن وصل الراوي في حكايته لها تمتد على تسعة مجلدات، تبقى ناقصة إذ يبدو بوضوح أن ستيرن قد رحل عن عالمنا من دون ان يكمل روايته الوحيدة هذه، وبالتحديد، من دون أن يوصل أية حكاية مهمة كان قد قصّها علينا، إلى أية خاتمة على الإطلاق. 
ومن هنا سيظل غالباً على الرواية طابع تصوير الشخصيات في تفاصيل التفاصيل. ولئن كان تريسترام قد أفرد الجزء الأكبر من ذكرياته وضروب رصده لأبيه والتر وعمه توبي، فإنه قدّم لنا في الوقت نفسه عدداً لا بأس به من شخصيات أخرى، إذ عدا الشخصيتين الأساسيتين المرتبطتين بالعم توبي، خادمه تريم والأرملة وادمان، هناك شخصية الكاهن يوريك الذي يتسم أول ما يتسم بعدائه الشديد لنظرية الجاذبية. إنه شخص أريحي معطاء، لكنه يجهل كل شيء عن الحياة هو الذي ربما يكون متحدراً من المهرج الذي رأيناه سابقاً في مسرحية "هاملت" لشكسبير، ومن هنا غالباً ما نراه يصرخ في لحظات معينة "أواه... يا للمسكين يوريك!". بل إن ستيرن يخصص صفحات عديدة من أحد مجلدات الكتاب لينشر النص الكامل لموعظة ألقاها الكاهن.
ورأى أن ستيرن يحمّل بطل روايته وراويها، أفكاره الخاصة، في بعدها الأكثر عبثية أحياناً، بحيث إننا كثيراً ما نجدنا أمام صفحات تحاول، مثلاً، أن تتساءل حول جذور الأفكار المظلمة التي قد تعترينا أحيانا، أو حول الزمن السيكولوجي، الذي يعتبره ستيرن "وتريسترام أيضاً" الزمن الوحيد الموجود حقاً، أو حول الأطفال السابقين عصرهم، والحب وثياب قدامى الرومانيين. وثمة صفحات طويلة أيضاً تحدثنا عن رحلة قام بها الكاتب - بطله على أية حال - إلى فرنسا، حيث نهل من آدابها وأفكار كتابها وما الى ذلك.. باختصار، حين سئل ستيرن عن هذا كله قال "في الحقيقة لست من يوجه ريشتي في الكتابة، بل هي التي توجهني". ويبدو أن ريشته هذه كانت هي من فرض عليه تلك الصفحات الخاوية، أو السطور المؤلفة من فواصل متعاقبة، أو معقوفات لا تنتهي.. ما سوف يعتبر، على أية حال، جزءاً من حسّ هذا الكاتب الفكاهي، الذي لو عاش أكثر لكان من شأنه أن يضفي على الأدب الإنجليزي مسحة لا سابق لها ولا لاحق.