د.خالد عزب: ضعف المقروئية لدى المواطن العربي أمر فيه مبالغة

دراسة الدكتور عزب 'قراءة القراءة في الوطن العربي.. الاتجاهات والميول' تشكل محاولة أولية في ظل ندرة الأرقام وقلة الدراسات في هذا الاتجاه.

إن مقولة "إن العرب لا يقرأون" باتت في حاجة لمراجعة في ظل العديد من المؤشرات من المصادر الرقمية ومنها متاجر الكتب على شبكة الإنترنت، تحميلات الكتب من على شبكة الإنترنت، نسب شراء الكتب من معارض الكتب، الاستعارات من المكتبات العامة؛ كل هذا يعطي مؤشرًا إلى أن متوسط القراءة السنوي أعلى بكثير من التقارير التي كانت نتائجها مبنية على دراسات مسحية غير دقيقة، إن معدلات القراءة قد لا تكون مرتفعة في المنطقة العربية وبحاجة ماسة لبرامج وخطط لرفع مستويات القراءة لكن القراءة ليست متدنية إلى الحد الذي جرت إشاعته.

هذا ما يؤكد عليه د.خالد عزب في دراسته "قراءة القراءة في الوطن العربي.. الاتجاهات والميول" الصادرة عن اتحاد الناشرين العرب، حيث تتبع اتجاهات القراءة في الوطن العربي والتي يمكن من خلالها تحديد ماذا يطلب القارئ العربي من الناشر؟، لافتا إلى أن الدراسة تشكل محاولة أولية في ظل ندرة الأرقام وقلة الدراسات في هذا الاتجاه، خاصة مع صعوبة إجراء الدراسات الميدانية في هذا الشأن في العديد من الدول العربية، ومع اتجاه الشباب للقراءة في ظاهرة لم تكن موجودة من ذي قبل، لذا فقد حاولت الدراسة تتبع القراءة عبر القراءة الورقية والرقمية في ذات الوقت. وقال "نحن بحاجة لدراسات أشمل وأعمق بفرق بحثية، خاصة أن القراءة دراستها تتطلب متخصصين في المكتبات وعلم النفس وعلم الاجتماع، حيث إن الدراسات المتاحة هي من متخصصين في المكتبات وتركز بصورة كبيرة على مكتبات الجامعات، والقليل منها على المكتبات العامة، وهي تعمل من خلال أرقام الزيارات والقراءة في المكتبة.. إن الفعل الاجتماعي هنا هام، وكذلك العوامل النفسية أكثر أهمية، ولكننا لم نستطع إدراج عدد من الدول العربية ضمن الدراسة لصعوبات خاصة ببناء نماذج للقراءة في هذه الدول بسبب إما ندرة الأرقام كحالة جيبوتي وجزر القمر، أو الحرب كحالة اليمن أو غيرها من الأسباب، غير أن رصد القراءة بها يجري حاليًّا وقد تكون هناك مؤشرات ودراسات حول القراءة بها".

قدم للدراسة رئيس اتحاد الناشرين العرب الناشر محمد رشاد، موضحا أن الاتحاد قرر في دورته الحالية أن يعتمد المنهج البحثي في دراسة واقع النشر العربي ومستقبله، وفي هذا الإطار تمثل الميول القرائية اتجاهات يستطيع الناشر من خلالها تحديد واقع القراءة وبالتالي خطط النشر. وفي هذه الدراسة نرى تركيزًا على القراءة الرقمية بصورة أساسية بسبب تصاعدها في ظل جائحة كورونا، فضلاً عن القراءة الورقية.

وقال رشاد "إننا كناشرين أمام تحديات عديدة تواجه صناعة النشر، منها توغل الشركات الدولية في المنطقة العربية للاستحواذ على نسبة من صناعة النشر العربية، لذا فإن التصور المدروس هو بداية للبناء، فنحن في حاجة إلى المزيد من الترابط والعمل الجماعي العربي لكي يجري التعامل مع الواقع الجديد. إن القول بأن العربي لا يقرأ، مقولة تدحضها الأرقام في الفضاء الرقمي، لكن هل انعكس ذلك على مبيعات الكتاب الورقي؟ في حقيقة الأمر ظهر ذلك بصورة نسبية، عكس ما يجري في العالم كله، حيث إن الكتب الرقمية ساهمت في زيادة مبيعات الكتب الورقية بصورة كبيرة. إننا أمام واقع مختلف عن العالم كله، واقع يتطلب منا أن نبحث عن أسبابه، لذا كانت هذه الدراسة بداية لسبر هذا الواقع لفهم معطياته، لكننا في حاجة إلى المزيد من الدراسات، مما يتطلب تكاتفًا مع العديد من المؤسسات للتعاون في هذا الاتجاه، نحن الآن نستكمل ما بدأناه بسلسلة من الدراسات عن النشر في الوطن العربي".

د.خالد عزب
إطلاق مشروع 'تحدى القراءة' مذهل على الصعيد العربي

ويشدد د.خالد عزب على أن ما شاع منها حول ضعف المقروئية لدى المواطن العربي أمر فيه مبالغة، ونؤكد أيضًا أن المبالغة بارتفاع المقروئية لدى المواطن العربي أمر مبالغ فيه، والحال يختلف من بلد عربي إلى آخر لاختلاف المعطيات، فضلاً عن أن أقوى المشاريع الرقمية العربية المحفزة للقراءة هي للباحثين (المكتبة الرقمية السعودية / بنك المعرفة مصر) ما زالت دون فاعلية كبيرة تؤدي لإنشاء مجتمع قارئ، والتجربة العربية التي يمكن البناء عليها هي مهرجان القراءة للجميع في مصر والذي توقف فعليًّا عام 2011، وكان يركز على الكتاب الورقي، حتى في أجواء جائحة كورونا، كانت معطيات المكتبات الرقمية لا توازي المتطلبات من قبل القُراء، من هنا نفسر زيادة القرصنة الرقمية للكتاب العربي، في ظل عجز منصات القراءة الرقمية على الاستجابة لمتطلبات القُراء وبمستويات مختلفة.

ويقول "إن ما شهدته المنطقة العربية منذ عام 2015 مع إطلاق مشروع "تحدى القراءة العربي" والذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، كان مذهلاً على الصعيد العربي، إذ إن الاستجابة للمشروع كانت عبر التزام أكثر من مليون طالب بالمشاركة بقراءة خمسين مليون كتاب خلال كل عام دراسي. اشترك طلاب من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر من كافة المدارس في الوطن العربي، تتألف المسابقة من خمس مراحل تتضمن كل مرحلة قراءة عشرة كتب وتلخيصها في جوازات التحدي، ثم مراحل التصفيات، وفق معايير معتمدة، وصولاً للتصفيات النهائية التي تُقام في دبي سنويًّا خلال شهر أكتوبر حيث يتم توزيع جوائز نقدية قيمة، هي مليون درهم، جائزة المدارس المتميزة، 300 ألف درهم، جائزة أبطال التحدي، 100 ألف درهم جائزة المشرفين المتميزين، 100 ألف درهم جائزة أبطال الجاليات، شهدت الدورة الثانية من تحدي القراءة العربي منافسة أكثر من سبعة ملايين طالب وطالبة من 25 دولة عربية وأجنبية، قرأوا أكثر من 200 مليون كتاب، أوجد هذا المشروع الذي اتسم تنفيذه بالوضوح والدقة تفاعلًا قرائيًّا لدى الأجيال الجديدة غير مسبوق، مما أكسبه مصداقية غير مسبوقة أيضًا، إن مشروع تحدي القراءة مشروع متكامل، فقد سعى لإقامة معارض كتب تحدي القراءة في العديد من الدول العربية، كما حفز تلاميذ المدارس على الشراء من معارض الكتب فصارت لهم مكتباتهم الخاصة في منازلهم، وتم شراء كتب لتزويد مكتبات المدارس في العديد من الدول العربية، وهو ما أدى إلى: تنشيط حركة النشر والترجمة باللغة العربية".

ومن خلال الجداول والإحصاءات الخاصة بمشروع تحدي القراءة أوضح أن قيمة الكتب المشتراة من الناشرين بلغت في نهاية عام 2017 وأوائل عام 2018، 22.323.241 درهمًا إماراتيًّا، من خلال التعاقد مع دور النشر العربية أعضاء الاتحاد في توريد كتب لبعض البلدان مثل: (المغرب ـ الجزائر ـ موريتانيا ـ تونس ـ السودان ـ مصر)، أو المعارض التي أقيمت في البلدان العربية، وبلغ عدد الناشرين الذين تم الشراء منهم 144 ناشرًا، بالإضافة إلى الشراء المباشر من بعض الناشرين مثل أعضاء اتحاد الناشرين الأردنيين، والتي بلغت 3.416.272 درهمًا إماراتيًّا في عام 2018، وبلغ عدد الناشرين الذين تم الشراء منهم 42 ناشرًا أردنيًّا. كما تم توريد كتب لمكتبة الإسكندرية من الناشرين المصريين، وأعقبه الشراء من الناشرين العرب تحت مظلة اتحاد الناشرين العرب، وهناك عقود شراء في أواخر عام 2018 في حدود 6 مليون درهم إماراتي.

رئيس اتحاد الناشرين العرب الناشر محمد رشاد
القول بأن العربي لا يقرأ، مقولة تدحضها الأرقام في الفضاء الرقمي

ويشير عزب إلى أن العديد من المكتبات الوطنية العربية أتاح كتبًا رقمية مجانية للقراءة، وكذلك العديد من الخدمات عبر الإنترنت، وتتميز في هذا السياق: مكتبة الملك فهد التي تقدم ملخصات للكتب للقراءة، وكذلك المكتبة الوطنية المغربية، ومشروع المكتبة الخلدونية على موقع المكتبة الوطنية التونسية. وفي المقابل أيضًا هناك مؤسسات عربية تتبنى مبدأ الإتاحة الرقمية وتعززه، هذا ما رفع عدد زوار مواقعها بصورة كبيرة، لكن التجربة الرائدة في هذا المجال هي تجربة مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة، فهي تمتلك العديد من المبادرات الرقمية منها على سبيل المثال: مكتبة العرب: تضم 2000 كتاب متنوع متاح بصيغة الكتاب الرقمي EPUB في مختلف مجالات المعرفة العلمية والاجتماعية والإنسانية، حيث تتضمن المكتبة أكثر من 26 معجمًا، إلى جانب العديد من المواد التراثية الموسوعية التي تغطي مختلف تصانيف العلوم، والقارئ يتصفح عبر هذه المكتبة مصنفات ومؤلفات العلماء العرب في شتى الفنون والمعارف مجمعة موضوعيًّا ويمكن تصفحها زمنيًّا وشكليًّا وجغرافيًّا، هذا ما يجعلها أفضل المكتبات الرقمية العربية المتاحة للقارئ، لذا من المتوقع مع نمو محتوياتها أن تكون الأكثر إقبالاً من قبل القراء العرب لعدة أسباب: التحميل المجاني للكتب، جودة الإخراج، دقة الفهرسة، تعدد صيغ الإتاحة الرقمية. وكتاب في دقائق: وهي ملخصات عربية لكتب عالمية، تقدم بصورة جيدة يركز على الثقافة العلمية المعاصرة. مجموعة من المجلات الثقافية والعلمية. ويبلغ إجمالي عدد العناوين المتاحة على موقع المؤسسة 245906 عناوين.

يرصد عزب اتجاهات القراءة في كل دولة على حدة، كاشفا عن المشاريع الرسمية والفردية الخاصة.. ويكشف أن هناك معطيات من واقع القراءة الرقمية التي تعكس أيضًا زيادة في وتيرة القراءة في الوطن العربي عكس ما هو راسخ في الأذهان، إن الذهاب إلى فضاء القراءة الرقمية يكشف عن أن الأوساط الأكاديمية والبحثية العربية لها نصيب وافر في هذا المضمار، بدءًا من المواقع التي يتقاطع فيها هؤلاء مع المثقفين في المواقع التخصصية كموقع مؤسسة البابطين التي تتيح موسوعتين؛ إحداهما: موسوعة الشعراء العرب في القرنين 19 و20، وموسوعة الشعراء العرب المعاصرين، وموقع الأكاديمية المغربية التي تتيح مطبوعاتها ومجلتها للقراء. تقدم المواقع الأكاديمية العديد من الخدمات، وتبرز منها تجربة بنك المعرفة المصري والذي يضم 728 مجلة تضم 16161 مقالة وبحث تم التنزيل 34519959 مرة، وهو رقم قياسي لاستخدام المواقع الأكاديمية العربية، لكن أكثر المواقع الأكاديمية العربية إقبالًا، ويقدم خدمات متكاملة للباحثين هو المكتبة الرقمية السعودية فتضم 50 ألف مجلة. و450000 كتاب و5 مليون رسالة و169 قاعدة بيانات، وقد قدمت الدول العربية منصات مستقلة للمجلات الأكاديمية الرقمية مثل: بوابة الدوريات الرقمية العراقية، والتي تضم 330 مجلة مفتوحة للقراءة، من 83 شريكًا، وعدد المقالات العلمية على هذه المنصة حتى أكتوبر 2021، 196640 مقالة، وقد زاد عدد مستخدمي البوابة في عام 2020 بنسبة 40 في المئة عن العام السابق، كما تقدم منصة المجلات العلمية الجزائرية مجلة تضم حتى أكتوبر 2021 ما يزيد على 159187 مقالة بحثية، وتشهد هذه المنصة إقبالًا متزايدًا من داخل الجزائر وخارجها، خاصة أنه تم إطلاقها بثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية.

ويؤكد أن القراءة الرقمية في الوطن العربي في تصاعد مستمر، لكن اتجاهات القراءة الرقمية ترتكز إلى الآن على ما يلي: أولا المواقع ذات الصبغة الأكاديمية، حيث إن التزايد المستمر في الجامعات والمراكز البحثية والتحول نحو القراءة الرقمية للأبحاث والكتب العلمية، أجبر الباحثين والأكاديميين على الولوج لهذا العالم. ثانيا إن هناك اتجاهات متعددة للقراءة الرقمية لكنها ترتكز بصورة أساسية على المتاح رقميًّا، فمنصات القراءة الرقمية ما زالت محدودة، وما زال القراء يفضلون تنزيل / تحميل الكتب ثم قراءتها. ثالثا تحتل الكتب الدينية التراثية والجديدة المرتبة الأولى، ثم تليها الرواية، وهي المتقدمة جدًّا على غيرها في القراءة الرقمية. رابعا هناك مشكلات في طبيعة وتكوين المكتبات الرقمية العربية، بدءًا من إدارتها إلى اختيار المطروح من الكتب وفهرستها وطرق تقديمها، فضلًا عن ضعف البرمجيات التي تستخدمها، وهو ما ينعكس على تفاعل القارئ معها. خامسا لا توجد إستراتيجية عربية للمكتبات الرقمية واضحة على الأصعدة الوطنية إلا في حالات محدودة جدًّا. وقد نشطت خلال السنوات الماضية عمليات تأسيس مكتبات رقمية ضخمة، سواء تلك التي تحوي موادَّ أنتجت في الأصل بصورة رقمية، أو تلك التي تحوي كتبًا ومجلات جرت رقمنتها بطريقة المسح الضوئي، ومن بين قائمة أهم المكتبات الرقمية التي تتضمن موادَّ باللغة العربية مبادرات القرية الإلكترونية في أبوظبي وهي هيئة حكومية إماراتية، دشنت بعضًا من أهم المكتبات الرقمية النوعية في العالم العربي، فلم تقتصر هذه المكتبات على مجرد إيداع المخطوطات بين جنباتها، ولكن عملت على تصنيفها وفهرستها وإدخال بعض العناصر التقنية التي جعلتها شديدة الجاذبية. فمثلًا جاءت مبادرة موقع الوراق، الذي أُطلق عام 2000، بهدف "إحياء التراث العربي من خلال نشر عيون الثقافة العربية وإتاحتها بالمجان"، وهناك مشروع رقمي آخر هو "واحة المتنبي"، سعى لضم "كل ما له صلة بأبي الطيب المتنبي من معلومات" من شعر وشرح للقصائد فضلًا عن تطوير التصفح ليشمل خرائط غوغل بالمواقع التي ألقى فيها قصائده والبحث عن جذور الكلمات التي استخدمها في شعره، وهناك موقع واحة المعلقات، الذي يضم معلقات شعراء الجاهلية العشرة وكذلك ملفات صوتية لهذه القصائد وصور وخرائط.