درس مخلوف الذي لن ينفع أحدا

الوطن الذي يقصده مخلوف هو ذلك الوكر الذي يتحصن فيه بعيدا عن الشروط القانونية لعمله.


الأسد ورث دولة أمنية لا تثق بأحد


لن يتخلى بشار الأسد عن صفته رئيسا ليكون ابن العمة كما يتمنى مخلوف


فجأة صار مخلوف رجل أعمال سوريا يتم التعامل معه بصفته تلك لا بصفة أخرى

رامي مخلوف على خلاف مع ابن عمته بشار الأسد. المسألة عائلية إذاً، فلمَ يهتم بها الرأي العام؟

لأن الثاني لا يزال رئيسا للجمهورية العربية السورية. ذلك لا يكفي.

لأن الأول طرح المشكلة على العلن وصار كمَن يستعرض مظلوميته. ذلك أدعى إلى التشفي به من إضاعة الوقت.

القول بإن مخلوف ليس نظيفا ولا نزيها ولا حريصا على مستقبل موظفي شركاته من السوريين كما يزعم ليس فيه ما يثير أو يدعو إلى الاهتمام. فالرجل استغل صفته العائلية ليراكم ثروات، الجزء الأكبر منها قائم على أساس استضعاف الدولة واستغلال المجتمع. ذلك ما يعرفه المواطن السوري العادي منذ سنوات فكيف برأس السلطة.

الأسد ورث دولة أمنية لا تثق بأحد. تلك الدولة وإن كانت مركزية فإن ممراتها الداخلية متشعبة بما يشبه المتاهة. وهو ما يجعل سؤال من نوع "مَن يراقب مَن؟" نوعا من البداهة شديدة التعقيد. فاللعبة تعتمد أصلا على إشاعة جو من عدم الثقة، بحيث لن يتمكن طرفان من أطراف السلطة من الالتقاء في منتصف الطريق.

وفي ذلك ما يضمن استقرار النظام وكفاءته في الحاق الهزيمة بالنوايا السيئة لدى منتسبيه قبل أن تتحول إلى أفعال.

كان رامي مخلوف يعمل باعتباره امبراطورا مطلق الصلاحيات غير أنه لم يكن يأمن من الانزلاق إلى موقع، يكون فيه موضع شبهة قد تؤدي إلى هلاكه. فالأبواب التي لم يرها أمامه في وقت سابق ستكون مغلقة في وجهه في وقت تكون قدماه معلقتين في الهواء.

لقد حلق مخلوف وحين احتاج إلى العودة إلى عشه، لم يجده.

المسألة وإن بدت من وجهة نظره عائلية فإنها في سياقها العلني لم تكن كذلك. لقد تم التعامل معه بحرفية قانونية وضعته في قفص المساءلة كما يمكن أن يحدث لأي رجل أعمال آخر. لذلك تبدو الأمور من الخارج بعيدة كل البعد عن الاستهداف الشخصي.

فجأة صار مخلوف رجل أعمال سوري يتم التعامل معه بصفته تلك لا بصفة أخرى. وبذلك يكون قد فقد سلطة لا يملكها رجل الأعمال.

تلك حبكة مدروسة بشكل لا يمكن أن تجدي استغاثات الرجل بإبن عمته في تفكيك خيوطها. ففي تلك الحالة لن يتخلى بشار الأسد عن صفته رئيسا ليكون ابن العمة كما يتمنى مخلوف.

اما في ما يتعلق باللباس الوطني الذي ارتداه مخلوف وهو يستعرض تفاصيل مظلوميته فإن ما ينطوي عليه ذلك اللباس من محاولة للابتزاز لن يقوي حجته، بقدر ما يفضح الجانب اللا اخلاقي في التعامل مع القانون. فالوطن الذي يقصده مخلوف هو ذلك الوكر الذي يتحصن فيه بعيدا عن الشروط القانونية لعمله.

راكم مخلوف ثرواته حين كانت القوانين نائمة. يومها كان ذلك النوم مطلوبا من قبل الدولة التي هي ليست سلطة محايدة في كل الأوقات. فالدولة السورية التي يهيمن عليها نظام حزب البعث منذ خمسين سنة تعتبر القوانين جزءا من لعبتها الأمنية. ما يعني أنها تجمد القوانين وتفعلها مثلما تريد وبإختلاف واضح بين الجهات المشمولة بها.      

لذلك فقد فوجئ مخلوف بأنه يقف وجها لوجه أمام القانون وهو ما لم يتوقعه. ذلك لأنه لم يحدث معه من قبل. كان رجلا فوق القانون وكان يفعل ويقول ما يراه مناسبا للعائلة، باعتباره كما يتخيل الحارس الأمين على أموال العائلة.

لأول مرة في حياته العملية يقع رامي مخلوف تحت طائلة القانون. تلك مفاجأة غير سارة بالنسبة له وهي حدث حياته الأخير.

ربما أراد الرئيس السوري أن يبرهن من خلال درس مخلوف على أن لا أحد يقف فوق القانون وفي منأى منه. غير أنه درس ساذج في الضحك على البلهاء وقد تأخر كثيرا.

فالقانون في سوريا يمكن تفصيله بما ينسجم مع مزاج الخياط.