دوستويفسكي.. يخرج منتصرا ً من ظلمة الأعماق المرعبة

العودة لقراءة مؤلفات دستويفسكي في فترات متباعدة من عمرنا، هي استعادة لجزء كبير من براءتنا المفقودة ولزمن لم يعد ملكنا.


ذاكرة دستويفسكي كانت مليئة بالحكايا والأحداث التي عاشها في طفولته وشبابه


النفس البشرية بكامل تقلباتها وصراعاتها وتناقضاتها، تجدها حاضرة في روايات دستويفسكي

بقلم: أوس حسن 
من منّا لم تسكنه روح دستويفسكي المتمردة والضاجة بالشكوك، أو المرهقة في أسئلتها الوجودية الكبرى، من منّا لم يتوقف أثناء قراءته لروايات دستويفسكي ليغوص في أعماق نفسه وذاكرته، وكأنه عاش تلك الأحداث والشخصيات في زمن مضى، أو شعر أن دستويفسكي يقدم تحليلا باطنيا لهواجسه ومخاوفه المتصارعة. 
كانت ذاكرة دستويفسكي مليئة بالحكايا والأحداث التي عاشها في طفولته وشبابه. الذاكرة وما تحويه من خزين هائل من الألم والمعاناة، كفيلة بأن تخرج لنا هذا الألم على هيئة رموز وصور وشخصيات متحركة في دائرة الزمن البشري، وكيف ترى العالم من منظورها الداخلي ورؤيتها الخاصة.
ولد دستويفسكي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1821 في موسكو وهو الابن الثاني لوالديه، وهو من عائلة ليتوانية نبيلة متعددة الأعراق والمذاهب الدينية، انقسمت بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية والشرقية وكان أجداد والده ميخائيل رجال دين، أما من جهة أمه فكانوا تجارا. 
قرأ دستويفسكي الآداب العالمية والأساطير والملاحم في سن مبكرة من عمره إضافة لدراسته تعاليم الكتاب المقدس، وكان الفضل الأول يعود لوالديه، ثم لمربيته ألينا فرولوفنا التي أثرت عليه كثيرا في طفولته. كان الطفل النحيل ذو الوجه الشاحب انطوائيا، ومعزولا عن أقرانه الارستقراطيين في مدرسة موسكو، وقد علقت في ذهن هذا الطفل حتى كبره حوادث ومشاهد مؤلمة تجلت في رواياته «الأخوة كرامازوف»، «المراهق» و«الجريمة والعقاب».  

الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث: حتى بعد وفاته بمئة عام يظل تأثير دستويفسكي ينمو ويتسع، بدءا بأرض وطنه، حيث حظي بالاعتراف به وهو على قيد الحياة، وامتدادا إلى بلدان أوروبا وأميركا وآسيا

مما جاء في سيرة حياته أنه ترعرع في منزل العائلة قرب مستشفى ماريانسكي للفقراء، الذي يعتبر من الأحياء الفقيرة في موسكو، وكان يرى خلال لعبه في حديقة المشفى معاناة المرضى المتألمين من الفقراء والطبقات المسحوقة. وعندما كان في التاسعة من عمره تعرضت فتاة للاغتصاب أمام عينيه من قبل رجل مخمور، وظلت هذه الحادثة تؤرقه طويلا في حياته، وقد ظهرت شخصية هذا الرجل في عدد من رواياته وأعماله الأدبية.
ظهرت أولى علامات الصرع على دستويفسكي أول مرة وهو في الثامنة عشرة من عمره عندما علم بوفاة والده عام 1839 ورافقه هذا المرض في سجنه وفي مراحل حياته المختلفة. عرف دستويفسكي المرض والفقر والمنفى والسجن، وواجه لحظة الإعدام المرعبة في سيبيريا عندما كان منتميا إلى رابطة «بيتراشيفيسكي» المعارضة للاستبداد القيصري في روسيا، وكان يصف اللحظات المصيرية في حياة البشر، ويرصد التحولات في عمر الإنسان والوجود بكل ما أوتي من دموع ومن صدق إنساني، وبخبرة المتأمل العميق الذي شهد مصائر الحياة وأقدارها المتقلبة، فكان بحق مؤرشفا للذاكرة الإنسانية في عالم مجنون يطفو على سطح من الغرائب والتناقضات.
الأب الروحي للرواية النفسية
العودة لقراءة مؤلفات دستويفسكي في فترات متباعدة من عمرنا، هي استعادة لجزء كبير من براءتنا المفقودة ولزمن لم يعد ملكنا. عالم دستويفسكي رحلة طويلة وشاقة إلى البواطن المجهولة والخفية، وانعتاق ساحر للذاكرة من كوابيسها وأوجاعها المضنية.
تتميز روايات دستويفسكي بالحضور والتجدد في كل زمان ومكان، فهي بالإضافة لطابعها الفلسفي والتأملي، تقدم للإنسان معرفة مقرونة بالعمل والتطبيق، وعلاجا روحيا يساعد على تطهير النفس مما علق بها من شوائب وأمراض اجتماعية ونفسية، وتساعد على هدم الذات القديمة وبناء ذات جديدة متحررة من الأنا (ego) وأوهامها.
إن النفس البشرية بكامل تقلباتها وصراعاتها وتناقضاتها، تجدها حاضرة في روايات دستويفسكي، فهو مشرّح عميق للنفس الإنسانية ومصيرها في عالم متناقض ومرعب.
كما أنه يقدم لنا تحليلا ثاقبا للحالة السياسية والاقتصادية والدينية لروسيا في القرن التاسع عشر، من خلال تفكيكه لبنية المجتمع الروسي وتسليط الضوء على نماذج مهمشة ومسحوقة داخل هذا المجتمع، فكان أغلب أبطال رواياته من المجرمين والفقراء والمنبوذين. فهؤلاء على الرغم من شرورهم وعتمات نفوسهم إلا أننا نستطيع أن نرى وهجا يضيء هذه العتمة، وخيرا دفينا في الأعماق، غيبته الأعراف والتقاليد والكبت اليومي الذي يمارسه المجتمع على رغبات الإنسان. 

يقول الناقد والأديب الروسي فلاديمير دنبيروف: «إن قراءة روايات دستويفسكي تعتبر حدثا في حياة الإنسان. فعندما نقرأ كتبه نلج عالما شعريا على درجة عالية من التكثيف والتركيز، بحيث يضيء أفق الحياة الفعلية بوهج المعاناة الفنية الهائلة، ولا نعود نرى العالم كما كنا نراه سابقا».
أما الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث فيقول: «حتى بعد وفاته بمئة عام يظل تأثير دستويفسكي ينمو ويتسع، بدءا بأرض وطنه، حيث حظي بالاعتراف به وهو على قيد الحياة، وامتدادا إلى بلدان أوروبا وأميركا وآسيا. وهذا التأثير لا يقتصر على الأدب وحده بل يمس نمط الحياة فكرا ويتصور مئات آلاف القراء في شتى أنحاء العالم أبطاله وكأنهم معارف قدامى».
عبقرية مضيئة على مر الأزمان
تكمن عبقرية دستويفسكي وهو يسبر أغوار النفس البشرية، في أنه يحاول الإجابة عن الأسئلة الفلسفية الأزلية التي أرقت الإنسان وأزمة وجوده على هذه الأرض، فمن خلال معاناته مع مرض الصرع كانت تزداد رهافة دستويفسكي وإحساسه بآلام الناس وعذاباتهم، فعدم كمال هذا العالم دفع به للولوج إلى جوهر الشر والخير عند الإنسان، من خلال رسم شخصيات مشحونة بجو من صراع التناقضات والثنائيات: كالمثالية والمادية، الأخلاق الثورية والمسيحية، الإيمان والإلحاد، العقل والعاطفة، وما يرافق هذا الصراع من أقدار ومصائر.
دستويفسكي الذي فاق سيغموند فرويد عمقا وتحليلا في نظرياته النفسية، والذي علم نيتشه أن يكون سايكولوجيا، يعلمنا أن المحبة في كل ذرة من ذرات الكون وفي كل حركة دؤوب في هذا العالم. المحبة عنده هي أن تنتقم بقوة التسامح، أن يكون قلبك ينبوعا طاهرا يغسل صليب الخطايا التي تناسلت في أوهام عدوك، أن تبلغ روحك ذروة الكمال والخلود، لكي تتحرر من وطأة الزمن ويتمثل فيك الإله على هذه الأرض.
في 26 يناير/كانون الثاني 1881 عانى فيدور من تمزق رئوي حاد ولم يستطع الأطباء علاجه. فارق فيدور دستويفسكي الحياة في 9 فبراير/شباط1881 بعد صراعه مع المرض، وقد نقشت على شاهدة قبره عبارة من إنجيل يوحنا: «الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت.. فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير».