د. ناجي صبري.. ربان سفينة الدبلوماسية العراقية

وزير الخارجية العراقي الأسبق نموذج لرجال تعلموا أصول اللياقة وثقفوا انفسهم لأعلى المستويات ليقدموا لبلادهم أفضل ما لديهم.

منذ أن تعرفنا عليه عن قرب في دار الجماهير للصحافة ودار المأمون منتصف السبعينات وما بعدها، وما تقلده من مناصب رفيعة بعدها، يوم كنا بقسم الصحافة بكلية الآداب ومحررين بجريدة الجمهورية، أيقنت في داخلي أن الرجل يحمل سمات ومواصفات الرجل الدبلوماسي الأنيق المحنك، الذي يجمع بين وسامة الشخصية ومهارة الخبرة والإحتراف وسمات الأصالة العراقية لرجل صقلته مدينة حديثة، التي تخرج منها كبار محترفي السياسة والثقافة والآداب والعلوم، وهي المدينة التي وهبها من جمال الطبيعة وسحرها الخلاب، وهي تغفو على نسائم نهر الفرات، ما يجعل رجالاتها وفق المواصفات التي ينطبق عليها السوبر المحترف من حيث القدرة على أن يكون يكونوا رجالا من مواصفات الكمال والأناقة والقوة والمعرفة العلمية المدببة في أبهى صورها.

وما يجمع بين مواصفات مناطق غربي العراق وسوريا، وبخاصة في الستينات والسبعينات هي أنهم يلتقون في سمات ومواصفات الرجل الشامي الذي يجمع بين الوسامة والقوة ومهارة الصنعة والثقافة العالية والمهارات المختلفة، وأجد أن الدكتور ناجي صبري أنه قد جمع بين كل تلك السمات والخصال المحببة منذ نعومة أظفاره، وقد وجد في دراسته للغة الإنكليزية ووظائفه التي تقلدها، منذ أن كان في دار المأمون للترجمة وانتقاله الى لندن للعمل كملحق ثقافي ومديرا للمركز الثقافي العراقي، ومن ثم سفيرا في أكثر من دولة، تحول بعدها الى أعلى مناصب الدبلوماسية العراقية من مدير عام للإعلام الخارجي بوزارة الثقافة الى سفير في فيينا إلى وزير للدولة لشؤون الخارجية الى وزير للخارجية، نهاية التسعينات وبداية الالفية، أنه يستحق كل تلك المناصب عن جدارة.

وربما يجد المتتبعون لمسار وزارة الخارجية العراقية وتأريخ تطورها ومدى فاعليتها، منذ الثمانيات وحتى نهاية الألفية، أن شخصيات رفيعة تقلدت هذا المنصب في أعلى درجات المهارة واللياقة والأداء والدبلوماسية هما الأستاذ المرحوم طارق عزيز الذي يعد "رجل الدبلوماسية العراقي الأول"، ثم الدكتور سعدون حمادي الذي كان عام 1958 رئيساً لشركة النفط الوطنية، ثم وزيراً للنفط قبل تعيينه وزيراً للخارجية في أواسط السبعينات. وفي العام 1982 أصبح نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، فيما عُيّن رئيساً للوزراء في آذار مارس 1991، ويأتي في المرتبة الثالثة الدكتور ناجي صبري، للفترة من 2001 و2003، وكل من تسلق منصب وزارة الخارجية العراقية ما بعد 2003، لم يكن له أي دور مؤثر في قيادة سفينة الدبلوماسية العراقية، إن لم نزل بها البعض من المتأخرين الى درجة الحضيض.

وليس هناك خلاف في التقييم بشأن مرحلتي قيادة الدبلوماسية العراقية، للسيد طارق عزيز ود.ناجي صبري، ربما الا المرحوم الدكتور عصمت كتاني الدبلوماسي العراقي العريق، يوم كان مندوب العراق في الأمم المتحدة ومن ثم نائب الامين العام للأمم المتحدة إبان فترة الحرب العراقية الإيرانية، وقد سجل الرجل في تأريخها ما يرفع راس كل عراقي الى السماء.

كانت مواصفات الدبلوماسية العراقية في عهدي السيدين طارق عزيز ود.ناجي صبري أنها كانا قريبين في التوجهات من حيث طبيعة المحافظة على قواعد الدبلوماسية وتطبيق مبادئها والمهارة والاحتراف في قيادة سفينتها بكل مواصفات اللياقة والوسامة والخبرة والقدرة على إيصال الرسالة العراقي التي تفرض وجودها على المقابل ليقابلها بالإحترام والتقدير، وكل السمات التي تليق بالعراقي ذي التاريخ الضارب في أعماق الثقافة العراقي وتأريخها الزاخر بالمفاخر والبطولات.

وحتى حين يكون هناك إختلاف في توجهات الرجلين في مرحلة من المراحل كما يذكرها الدكتور ناجي صبري فهما لم يختلفا حول المنهج بل ربما على طريقة التطبيق. فالمرحوم طارق عزيز ينطلق من سمات القوة كسياسي وقيادي كبير في الدولة العراقية، وله مكانة كبيرة ليس في قلوب العراقيين، بل حتى على صعيد مؤسسات دبلوماسية وسياسية عريقة في الوسط العربي والدولي، لكن الإختلاف الذي يظهره الدكتور ناجي صبري يتعلق ربما بطبيعة وإسلوب التعامل مع العقل الغربي، وكيف تتم مخاطبته.

فالأول ينتهج الإسلوب الثوري والثاني يحاول أن يضع لها لمسات تقارب وتواصل مع العقلية الغربية التي خبر دروبها وأتقن بمهارة تفكيرها وأساليب تعاملها مع الآخر وهو يريد أن يكون هناك عهد عراقي أكثر إنفتاحا مع العرب، وبخاصة في أزمات مثل دخول العراقي الى الكويت وحربي الخليج الاولى والثانية، وما تتطلبه كل مرحلة من أساليب تعامل مختلفة في التوجهات والمضامين، بالرغم من أن المنهج ثابت في كلا الحالتين.

وقد تأخرت كثيرا في الكتابة عن الحوار الرائع الذي أجرته الإعلامية علا الفارس من خلال قناة الجزيرة مع الدكتور ناجي صبري آخر وزير خارجية عراقي حتى نيسان عام 2003، ووجدت أنه من المفيد تسليط الضوء على حوار غاية في الروعة لن أتطرق الى مضامينه كونه أصبح معروفا، لكن ما أعقب الحوار من إشادات كثيرة من رجال سياسة ومحترفين في العمل الدبلوماسي هو من شجعني لاعادة الكتابة عن الدكتور ناجي صبري، وأعد ما كتب عنه يرتقي الى تلك الشخصية المقتدرة التي قادت الدبلوماسية العراقية في أصعب مراحلها وبخاصة في حرب الخليج الثانية، التي أدت الى احتلال العراق عام 2003، وكانت أسوأ فترة في تاريخ العراق ظلمة وسوادا.

كان الرجل قد زارنا في أحد السفارات العربية قبل حدوث العدوان، وقد كان في كامل أناقته ونظراته الثاقبة وشخصيته القوية ونظرته للأمور ولمخرجات تلك الحرب، وللتفاؤل الذي يرسمه على ملامح وجهه حين يقابل أي مسؤول رفيع أو مواطن يلتقي به، وتشعر حينها أن العراق ما يزال بخير رغم كل جبروت الشر الذي يحتشد، ليلقي بجحيمه المرعب على أرض العراق.

كانت مهارة المحاورة علا الفارس في هذا الحوار، ترتقي الى مواصفات الرجل وما تركه من أثر كبير في قيادة مرحلة العمل الدبلوماسي العراقية السابقة، وغاصت في أعماقها، وكان الدكتور ناجي صبري موفقا كل التوفيق في ما عرضه من تصورات وفي طريقة التعبير عن السياسة العراقية في أوج قوتها وإنطلاقتها الثاقبة في عهدها الذهبي، وقد نجحت الفارس في تقديم هذا الحوار الشيق أيما نجاح، وأبدعت في مقدمة الحوار وعرض المناظر الخلابة التي رافقت حياة الدكتور ناجي صبري وقدمت مراحل تطوره في الدرجات العليا للدولة العراقية.

اللقطات التي رافقت الحوار طوال ساعة من عرض تاريخ حديثة وتاريخ ومسيرة حياة الدكتور ناجي صبري تكاد تكون هي الأجمل، حيث أظهرت روعة وجمالية مدينة حديثة ومراحل تطور حياة ومسيرة الدكتور ناجي صبري في كل مراحلها، وهو ما أعطى الحوار نكهة وطعما مستساغين أرغما المشاهدين على متابعة الحوار دون أن يشعر مشاهدوها بالملل إن لم يكن تابعوا كل فقرة وكل مشهد من الحوار قدمته أولا بأول.

ربما كان المشهد الأكثر دراماتيكية وتراجيديا في حوار علا الفارس هو لحظة تذكر الدكتور ناجي صبري لمأساة مغادرته العراق، وما شاهده خلال رحلة المغادرة من معالم مدن غرب الأنبار مركز انطلاقته عمره الشبابي، وتبدو له وقد ودعها وهو يخشى من انه قد لا يراها بعد الان، حتى راحت دموعه تنذرف أسى ولوعة على فراق العراق تلك الدموع الغارقة في الألم والوجد العراقي، الذي لا يتحمل ان يكون حال العراق على هذه الشاكلة التي لاتسر الخواطر إن لم تحرق القلوب ألما ووجدا على فراق بلد بنته سواعد الرجال بكل جبروته وقوته وإذا به يتهاوى بين ضربات لا تكاد تبقي من معالمه سوى الخراب والدمار والدخان الذي يملأ الافاق، دلالة على حقد من ارادوا تدمير العراق، فكان لهم ما أرادوا.

الحديث عن الدكتور ناجي صبري ربما يحتاج الى مقالات وحوارات عدة لاكمال مسيرته العامرة بكل ما يرفع الرأس، وقد تحدث عنها ضمن كتابي "أقلام.. وأعلام.. سيرة حياة أبرز نخب الصحافة العراقية" الصادر عن دار وورد للنشر والتوزيع في الاردن، لكني وجدت من الواجب أن ألقي ظلالا على هذا الحوار الشيق والاكثر من روعة وهو ما يدعونا لأن تبقى رؤوس العراقيين مرفوعة حين تولى قيادة دبلوماسيتهم رجالا خبروا سوح الدبلوماسية فإرتقوا بها الى المعالي حتى كان الدكتور ناجي صبري أحد تلك الأعمدة التي دكت لها ركائز تذكرها الأجيال العراقية بالفخر والإعتزاز.. فله منا كل محبة وتقدير.. وأمنياتنا له ولعائلته الكريمة بالإقامة في قطر.. بالتوفيق الدائم.