رمضان القاهرة .. تراجع واختفاء

التبرعات التي كانت تأتي من بعض الأسر المحيطة بالجامع وتحرص العائلات والأسر على تقديمها في شكل أطباق حلوى من كنافة وفطائر وزلابية توقفت.


رمضان القاهرة اختلف في كثير من مظاهره الاجتماعية والدينية والاقتصادية وحتى الفنية


تراجع مشهد المصاحف الورقية المفتوحة في وسائل المواصلات


تراجع حاد في دعوات الإفطار

كالعادة اشترى عشرة كيلو سكر وكيلو كاركاديه وتوجه بعد تراويح اليوم الثاني من شهر رمضان الكريم لشيخ الجامع الأكبر في المنطقة التي يقطنها، وقدم له السكر والكاركاديه، فاعتذر الشيخ أن رمضان هذا العام يوزعون للمصلين الذين يفطرون المغرب بالجامع بضع تمرات وأكواب الماء. وقال الشيخ "خفت التبرعات كثيرا عن الأعوام الماضية فاضطررنا إلى إلغاء الكثير من الطقوس ومنها نقع الكاركادية والتمر هندي وأي مشروبات أخرى. كنا نؤجر إحدى السيدات الفقيرات لعمل ذلك، وتوقفنا اكتفاء بالتمر". 
وأضاف الشيخ "حتى التبرعات التي كانت تأتي من بعض الأسر المحيطة بالجامع وتحرص العائلات والأسر على تقديمها في شكل أطباق حلوى من كنافة وفطائر وزلابية توقفت، حيث تم الاكتفاء بالمبالغ المالية القليلة التي يدفعها الرجال لإدارة المسجد لشراء التمر".
هذه الحكاية واحدة من شواهد كثيرة يمكن رصدها بعد أن انتصف الشهر الكريم، للتأكيد على أن رمضان القاهرة اختلف في كثير من مظاهره الاجتماعية والدينية والاقتصادية وحتى الفنية، فقد تراجعت مشاهدة المسلسلات والبرامج على شاشات التلفاز سواء في البيوت أو حتى على المقاهي التي أصبحت مبارايات كرة القدم تستحوذ على شاشاتها، وحل اليوتيوب محل التلفاز، حيث يفر الشباب والفتيات وحتى الأطفال عقب الإفطار إلى المقاهي والنوادي والمناطق الأثرية كأحياء الحسين والجمالية لقضاء ليالي رمضان، حتى أن مناطق الحسين والجمالية وخان الخليلي وشارع المعز من باب المتولى إلى باب زويلة قد تستقبل في الليلة الواحدة من بين مليون ونص وثلاثة ملايين من شباب القاهرة الكبرى. 
وعلى نفس الشكل هناك مناطق وسط القاهرة وقصر النيل والأوبرا وشوارع جامعة الدول العربية وعرابي والدقي وغيرها حتى يمتد الأمر إلى المدن الجديدة كشارع التسعين في القاهرة الجديدة وميدان الحصري بمدينة 6 أكتوبر؛ هؤلاء الشباب يتابعون ما يعلق معهم من مسلسلات وبرامج على اليوتيوب الذي يكاد يكون تحول إلى تلفاز خاص لكل شاب على تلفونه.
تراجع مشهد المصاحف الورقية المفتوحة في وسائل المواصلات سواء في المترو أو الأتوبيسات والباصات العامة والخاصة، وحل جزء منها على جهاز التليفون المحمول حيث نسخة إلكترونية من القرآن الكريم، ولكن الغالب اختفاء المشهد وما كان يصاحبه ـ أحيانا ـ من صوت عال أو خافت. 
من المظاهر الدينية أيضا التي كانت تنتشر انتشارا واسعا منذ ظهور أجهزة التليفون المحمول، واختفت الآن أو كادت، تلك النغمات والأغاني التي تحتفي برمضان وقدومه أو تحمل آيات قرآنية وأدعية وأناشيد وأذان وأذكار إسلامية، حيث لم نعد نسمعها بالكثافة التي كانت عليها الأعوام الماضية.
موائد الرحمن التي شكلت الظاهرة الأبرز في القاهرة على مدار سنوات طويلة، حتى لم تكن تمر بشارع أو منطقة أو مربع سكني حتى تجد فيه مائدة للإفطار الرمضاني. هذه الظاهرة تكاد تتلاشى، لا نقول اختفت لكن تراجع حضورها تراجعا لا يخفى على أحد. والأسباب كما أشار الحاج خلف أبو سعده الذي يقيم مائدة منذ عدت سنوات "كل من كان يقيم مائدة لإفطار الصائمين كان حريصا على أن يقدم أفضل شيء ولو بسيطا، أما اليوم فكيلو اللحمة بـ 150 جنيها هنا في المناطق الشعبية فما بالك في المناطق الراقية، وتكلفة الخضار والأرز أو المكرونة وأجور الطباخين ومن يساعدهم. الأمر أصبح مكلفا للغاية وربنا يعين من يقيم هذه الموائد الآن".
اجتماعيا يستطيع المتابع أن يرى هذا التراجع الحاد في دعوات الإفطار ليس فقط  على مستوى العائلات والأسر أو بين الأصدقاء والزملاء، بل امتد الأمر إلى أماكن العمل من مؤسسات وشركات كبرى أو صغرى وغيرها التي اشترطت أن يدفع الموظف ثمن وجبة الافطار في حين كانت من قبل تتحمل هي الثمن، كما انطفأ وهج التزاور واللقاءات.
كما أن زينة رمضان وأبرزها الفانوس سواء المحلي الصنع أو المستورد لم تعد تزين نوافذ الشقق والبيوت وواجهات المحال والدكاكين خاصة في المناطق المتوسطة أو الشعبية. حتى الفانوس الصيني البلاستيك اختفى من أيدي الأطفال. وقد جاء البديل في قصاصات الورق الملون والأبيض والمزخرف والفوانيس المصنوعة يدويا من العيدان الخشبية والتي تعلق وتمد القصاصات بشرائط من القماش في الشوارع الجانبية والحارات مصحوبة ببعض اللمبات الكهربائية.
المسئولية الأكبر وراء هذه المظاهر الرمضانية التي اعتادتها القاهرة وسكانها، يصب في العامل الاقتصادي كما يرى الإعلامي والخبير الاقتصادي فتحي السايح حيث يؤكد أن ثبات الدخول وأحيانا كثيرة تراجعها في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، اضطر ليس فقط الأسر المتوسط بل الميسورة إلى ضغط نفقاتها. 
لاحظ أنه هذا العام لم يعلق أحد كثير على الارتفاع الجنوني في ياميش رمضان، لأن أحدا لم يقبل على شرائه. فكليو التمر تراوح هذا العام ما بين 20 إلى 60 جنيها، فماذا سيشترى الناس وقد قارب ثمن التمر أسعار المكسرات من فستق وعين جمل وبندق في أعوام سابقة، في حين تجاوز سعر النوع الواحد من المكسرات المائتي جنيه.